فلسطينيو الداخل... 2019 عام الفقر والعنف والهدم

04 يناير 2020
الصورة
يهدم منزله خوفاً من الغرامات (أحمد غرابلي/ فرانس برس)

لم يكن عام 2019 سهلاً على الفلسطينيين في الداخل، بل برز كعام تعمّق فيه الفقر أكثر، وطاول شرائح إضافية، بالإضافة إلى زيادة نسبة الجريمة، ومعها اعتداءات الأجهزة الأمنية على المقدسيين

ارتفعت نسبة الفقر في المجتمع الفلسطيني، في الداخل، بحسب معطيات رسمية لمؤسسة التأمين الحكومية، من 42.6 في المائة عام 2017 إلى 44.2 في المائة عام 2019. وبموازاة ذلك، ظلت نسبة الفقر في صفوف الفلسطينيين في القدس المحتلة هي الأعلى، إذ بلغت 45.3 في المائة. وبموازاة نسبة الفقر المرتفعة، تفاقمت الجريمة والعنف، وسجل عام 2019 رقماً "قياسياً" في جرائم القتل، إذ بلغت 95 جريمة قتل في المجتمع الفلسطيني. أما في مجال قضايا السكن وسياسات الهدم والتشريد، فقد كان عام 2019 عام تطبيق القانون الإسرائيلي المعروف بقانون "كامينتس" الذي يسعى إلى هدم البيوت العربية، بحسب الاحتلال، من دون ترخيص مع فرض غرامات مالية عالية بعشرات آلاف الدولارات على أصحاب البيوت المهددة بالهدم، ما زاد من اضطرار أصحاب هذه المنازل إلى المبادرة لهدم بيوتهم بأيديهم خوفاً من الغرامات.

ذلك لم يكن الخطر الوحيد في مناطق الجليل والمثلث، بل إنّ الخطر الأكبر كان في النقب حيث تُهدَم قرى بأكملها، كما في حالة قرية العراقيب التي هدمت للمرة الـ170 في آخر يوم من 2019، وكانت المرة الأولى في يوليو/ تموز 2010.



حرب وجود

تعكس حالة قرية العراقيب، وإبقاء عشرات القرى العربية في النقب من دون خدمات أساسية مثل الكهرباء والصحة والتعليم، الوجه الأبرز للصراع مع الصهيونية ميدانياً، إذ تسعى دولة الاحتلال إلى إجبار سكان 30 قرية، على التنازل عن نحو مليون دونم من الأرض، مقابل إعادة توزيعهم وتوطينهم في بلدات تشرف عليها. يقطن في منطقة النقب اليوم 270 ألف عربي، من بينهم 140 ألفاً يعيشون في قرى مسلوبة الاعتراف، معرضة للهدم يومياً.
يقول رئيس المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب، عطية الأعسم، لـ"العربي الجديد": "في السنوات الثلاث الأخيرة، هُدم 2250 بيتاً. لكن هناك تحول، فبعد قانون كامينتس، بات الهدم الذاتي يشكل 90 في المائة من الحالات، وذلك خوفاً من الغرامات الباهظة، ومن الاعتقال، فالبناء غير المرخص بات ملفاً جنائياً وتصل مدة السجن إلى خمس سنوات. تضاف إلى ذاك المستوطنات التي تُبنى على أراضينا المصادرة، والمخططات التي تسميها إسرائيل المشاريع القومية، مثل سكة القطار، ومنجم الفوسفات، والمناطق العسكرية والحدائق الوطنية التابعة للوكالة اليهودية".

أهل النقب يصرّون على قضاياهم (Getty) 


من جهته، يقول رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، محمد بركة، لـ"العربي الجديد": "إقرار قانون كامينتس كان خطوة عدوانية من الطراز الأول. قانون كامينتس جاء ليتجاوز حتى إمكانية الاعتراض أمام المحكمة. بات قرار الهدم إدارياً، في يد هذا الموظف أو ذاك. قضية هدم البيوت خطيرة جداً، ونعتقد أنّ سياسة إسرائيل جزء من تضييق الحيز العام على مجتمعنا من أجل أن يبقى مشغولاً إما بسلامته الشخصية، أو بضمان حقه بمأوى. هناك في بعض المناطق التي تعاني من خطورة بالغة، قلنسوة وغيرها. الأزمة في النقب هي الأصعب منذ نكبة الشعب الفلسطيني. قضية البيوت والأراضي كانت الصراع السياسي الأساس مع الحركة الصهيونية ومع فكرها وسياسة حكومتها".

وفي السياق نفسه، يقول سامر سويد، مدير "مركز تخطيط البديل" لـ"العربي الجديد": "التعديل رقم 116 في قانون التخطيط والبناء، أو ما يعرف بقانون كامينتس، أُقرّ في الكنيست عام 2017، ودخل حيّز التنفيذ في أواخر عام 2018، وهو ما يفسر أنّنا دخلنا عام 2019 بجاهزية تامة للتصدي لهذا القانون السيئ". يتابع: "يعطي القانون صلاحيات إدارية موسعة لدوائر التخطيط تمكّنها من استصدار أوامر هدم إدارية، لم تكن موجودة في السابق. كذلك، يعطي القانون تلك الدوائر إمكانات كبيرة لفرض غرامات عالية. ما غيّره القانون، أنّه يوسع دائرة المخالفين له، لتصل إلى صاحب مصنع مواد البناء الذي يزوّد المواد للبناء غير المرخص، وأيضاً متعهد الأسمنت، وقد صودرت بالفعل ثلاث جبّالات باطون (أسمنت) في البلدات العربية خلال عام 2019، وغُرِّم عشرات من أصحاب محلات مواد البناء بسبب تزويدهم مواد بناء لمبانٍ قيد الإنشاء لا تملك تراخيص".



حصار

شهدت الأعوام الأخيرة عموماً، وعام 2019 على نحو خاص، تصاعداً في محاولات محاصرة البلدات العربية، في المثلث ووادي عارة، وزرع مستوطنات إسرائيلية حولها، أبرزها مستوطنة حريش، مع اتخاذ خطوات لمنع التمدد العمراني وتقليص مسطحات البناء للقرى العربية. يكشف أحمد ملحم، رئيس اللجنة الشعبية لوادي عارة، وعرعرة، لـ"العربي الجديد" عن "مخطط من إدارة التخطيط والتنظيم القُطرية، بالمشاركة مع وزارة الإسكان والمجلسين الإقليميين منشيه وآلونا (اللذين يضمان تحت سلطتيهما مستوطنات زراعية وعادية ) في وادي عارة، لضم أراضي الدولة إلى خرائط هيكلية لمستعمرات في المنطقة. وبحسب المخطط يجري العمل على تحويل الأرض العامة غير المأهولة من أراضي دولة يحق للبلدات العربية الاستفادة منها إلى أراضٍ تخضع لمناطق نفوذ المستوطنات اليهودية في وادي عارة". يوضح ملحم أنّ "الهدف الواضح للعيان السيطرة على جميع الأراضي المتاخمة للبلدات العربية التي يصل عددها إلى 23 بلدة. وما يحصل في منطقة نفوذ منشيه وآلونا، من الممكن أن يقع في جميع المناطق العربية الأخرى. وهكذا، على السلطات المحلية أن تتوحد لمحاربة هذا التخطيط الجهنمي، الذي بدأ التخطيط له في عام 2019".

جريمة

بالعودة إلى ملف العنف وسقوط 95 مواطناً من فلسطينيي الداخل، قتلى، بنتيجة الجرائم، وخصوصاً باستخدام السلاح الناري، يتضح أنّ غالبية الأسلحة مصدرها مصانع الجيش الإسرائيلي، وأنّ الجيش والاستخبارات العامة، باعتراف مراقب الدولة الأسبق، رفضا التعاون مع الشرطة في جمع هذا السلاح، ومعظمه غير مرخص. وحمل عام 2019 مؤشراً لتحرك شعبي واسع ضد هذه الجرائم، من خلال تنظيم تظاهرات عدة، أكبرها ما شهدته قرية مجد الكروم في الجليل، بالإضافة إلى تظاهرات في عشرات البلدات العربية أمام مقرات الشرطة. وفي هذا الإطار، يقول محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة لفلسطينيي الداخل: "هناك من يتعامل مع قضية انتشار العنف والجريمة كقضية مجتمعية، وهذا أمر صحيح، لكنّ الأمر لا يقتصر على ذلك. هذه قضية سياسية بامتياز، بمعنى أنّ إسرائيل بمؤسستها لا تقوم بما يجب أن تقوم به، كأيّ دولة طبيعية لمكافحة العنف. هناك من يعتقد أنّه إذا التهى العرب بقضية العنف الدائر بينهم، فسينصرفون عن قضاياهم الأساسية، من هدم البيوت إلى التعليم، إلى القضية الأساس؛ فلسطين والقدس".

في السنوات الثلاث الأخيرة هُدم 2250 بيتاً (رونين تيفوني/Getty) 


يتابع بركة، لـ"العربي الجديد": "قمنا بخطوة غير مسبوقة من خلال إطلاق المشروع الاستراتيجي لمكافحة العنف، وقد صدر في كتاب كامل، شارك فيه 153 شخصاً، ونحن بصدد تنفيذه على أرض الواقع. هذا المشروع يحتاج إلى وقت كي يحصن مجتمعنا من هذه الآفات، ويجعل مساحة التحرك للمؤسسة الإسرائيلية أضيق بكثير في كلّ ما يتعلق بإشاعة العنف والجريمة".

في الإطار نفسه، جاء في بيان للشيخ كامل ريان، رئيس مركز "أمان" أنّ عدد ضحايا العنف والجريمة لعام 2019 هو 95 ضحية، أي بزيادة 25 في المائة تقريباً عن العام الماضي، مشيراً إلى أنّ "ما يلفت الانتباه زيادة عدد ضحايا العنف من القاصرين، أي دون سن 18 عاماً، وهم 6 ضحايا. وأكثر ما يقلق أنّ نسبة ضحايا القتل بدوافع الثأر والانتقام في حالة ازدياد مستمر، إذ بلغوا 26 ضحية، أي نحو 30 في المائة من الضحايا". تابع بيان ريان: "كذلك، ما يلفت النظر في ظلّ هذه المعطيات القاسية وجود نقطة ضوء أولية تتصل بانخفاض عدد الضحايا من النساء، إذ وصلت نسبتهن من العدد العام إلى أقل من 10 في المائة من الضحايا، نصفهن من ضحايا ما يعرف زوراً وبهتاناً بجرائم الشرف".