فلاديمير تماري: البدايات وإنتاج المعنى

10 اغسطس 2018
الصورة
(فلاديمير تماري)
+ الخط -

[في الحفل الذي أقيم أمس برام الله للاحتفاء بمسيرة الفنان التشكيلي الفلسطيني فلاديمير تماري بعد عام من رحيله، قُرئت شهادة من رفيق صباه الفنان المقدسي كمال بُلّاطه الذي بها خصّ "العربي الجديد". بُلّاطه الذي أرسل كلمته من برلين، عاش مثل صاحبه الراحل فلاديمير في المنفى منذ 1967، لكن تقاطع الشخصي والعام في حكايتهما، التي تستعيد القدس قبل الاحتلال، تؤشر بالتأكيد إلى حتمية ما بعده. المحرّر]


ذكرى الأيام التي عشتها مع فلاديمير، لا تُقاس بالسنين الطوال التي قضيناها في بُعد الواحد عن الآخر. وذلك ما لم يغيّر من قيمة العلاقة التي ترعرعت في حميميّة القُرب حتى تجَوهرت في جَوْر البُعد. فمنذ لقائنا الأول على أرض الوطن قبل ما يزيد على نصف القرن حتى وداعنا الأخير في الغُربة، رُسم مصير صداقتنا في توازٍ تام مع مصير مأساة الوطن الذي انتمينا إليه.

وهكذا، قُدّر لنا أن نجتمع سوية تحت سقفٍ واحدٍ في بيروت يوم أُشهرت السيوف العربية، وبين ليلة وضُحاها انفغرت هاوية المنفى أمام كلٍ منا ساعة سقوط القدس التي كانت قد شهدت مولدنا في العام ذاته قبل النكبة.

كل ما لا نتذكره من الماضي لا يُعوّل عليه، وما هنالك من عبرة إلا في ما يمكننا استعادة طراوته في اللحظات التي انطلقت منها البدايات. وحياة فلاديمير بأسرها أُسِرَت بالبدايات التي استحوذت على كافة طاقاته الفكرية والإبداعية على مدى حياته.

فبفضول الطفل وبراءته، هجم هذا الموهوب الفلسطيني على آفاق المعرفة دفعة واحدة، وازدحم أفق إبداعه بالبدايات التي شملت علاوة على الرسم والتلوين على الورق، ابتكار شكل حرف طباعي عربي، واختراع آلة رسم للأبعاد الثلاثة. وفي كلٍ من بداياته، طالما أفرط فلاديمير بعطاء كل ما لديه للغوص فيها وجعلها أمّ بداياته.

أما هذه البدايات، وبحكم الظروف القاسية التي ما كان من بدّ للمنفيّ المقدسيّ أن يرتطم بها، فقد اضطر للتواني في مواصلة العمل على كل منها بحيث لاح التبدّد بإنتاج المعنى في أعماله.

ومع ذلك، ثابر هذا الفنان العنيد في تفرّغه الكلّي لجعل خلقه وإبداعه كمشروعه الأسمى في الحياة، ولم يسأل عن مهنةٍ معيّنة تضمن خبزه اليومي حتى أمست كافة إنجازاته الإبداعية بمثابة الصلاة. فمنذ نشأته، وبفضوله الجامح للمعرفة، كان يتعدّى حدود العالم الضيّق الذي فُرض علينا بعد النكبة. وقد تبلور هذا الفضول لديه بأصالةٍ فرديةٍ نادرةٍ في مجتمعنا التقليدي.

ومن هنا، تشير لنا آثاره الفنيّة اليوم، أن فلاديمير تماري بقي سيّد عالمه، الصادق الأوحد مع ذاته، والوفيّ لكل ما آمن به، فيما بقي في كافة علاقاته المحبَّ الأمثلَ، وخيرَ من أعطى دون مقابل.

في مطلع صداقتنا، كان فضوله المعرفي، وآفاق تساؤلاته، ودقّة ملاحظته لتفاصيل المرئيات دون أدنى اعتبار للقيم الماديّة السائدة حولنا، هو ما شدّني إليه. وجاءت هذه السمات فيه، لتغني حاسة التأمل الهادئ لديه بحيث كادت شفافيّتها أن تعكس نمط السلوك الذي اتسم به النسّاك.

كمال بُلّاطه بريشة فلاديمير تماري، القدس 1960أذكرعلى سبيل المثال، خلال زياراتنا العديدة لمتحف فلسطين الأثري في القدس الواقع على تلة كرم الشيخ، لم ينحصر تفتّحي من خلال فضول فلاديميرعلى اكتشافات ميراثنا الأثري من القدس، وغزّة، وبيت لحم وأريحا قبل الميلاد وبعده فحسب، بل تعرّفت من خلال فلاديمير، وللمرّة الأولى عن قرب، على منحوتات الفنان البريطاني إريك غيل Eric Gill التي اعتلت مدخل المتحف بتصويراللقاء بين قارتي آسيا وأفريقيا ، كما نُقشت الجدران المحيطة بالبركة في فنائه الداخلي بعشر منحوتات مثّل كل منها إحدى الحضارات التي تعاقبت على فلسطين منذ الكنعانية، والرومانية، والبيزنطية، حتى العصور الإسلامية.

أما ما أثار اهتمام فلاديمير بمنحوتات إريك غيل، فقد عاد إلى ابتكار غيل للحَرْف الطباعي الذي اشتهر فيما بعد باسم "حرف غيل". وما هذه النادرة غير نُتفة مما أضاء لي الطريق للدخول في الطبقات الخفيّة متعدّدة الوجهات للأفق الفنّي الذي ساح فيه فلاديمير، وما دعاني بالتالي لتقدير بدايات مغامرته في ابتكار وصياغة حرفه العربي الحداثي في زمنٍ استصغر فيه محيطُنا الاجتماعي جسارة هذا المغامر الخلّاق، واعتُبر عمله على أي من بداياته مضيعة للوقت.

في الوقت الذي كانت تجاربه المدهشة في الرسم موضع صبابة خاصة بالنسبة لي، أطلعتني الساعات الطوال التي قضاها فلاديمير في صقل أحرفه العربية على جدّية بحثه. وإثر اطلاعي على أولى النماذج التي رسمها لأحرفه، أدركتُ أهميّة هدفها التربوي في تسهيل القراءة والكتابة للطفل العربي، لا سيما وأنه استوحى شكلها الفني بناء على دراسته الميدانية لخطوط الأطفال.

أما ما أقدم عليه هذا الرائد في خدمة أطفالنا عن طريق تبسيط صورة الحرف المطبعي، فقد كان دون شك بمستوى أهميّة ما سعى إليه خليل السكاكيني في كتاب اللغة العربية للصف الأول الابتدائي الذي استهل تعليم أربعة أحرف دفعة واحدة بناء على تركيب ثلاثة أحرف في كلمتي "راس-روس" عوضاً عن البدء بتعلم قراءة الحرف الواحد بشكله المستقل، ومن ثم وفق موضعه في الكلمة.

ومن هنا، فقد جاء ابتكار فلاديمير في تبسيط شكل الحروف كمساهمة هامة في الحملة لمحو الأميّة التي أقرّتها اليونسكو في منتصف الستينيات، علاوة على تجاوب حرفه الحداثي الأنيق مع متطلبات الطباعة والنشر، واستجابة للخدمات المعاصرة في الإعلام العام. وفيما لم يرض فلاديمير بما هو دون الكمال، دأب عمله على صقل كل من حروفه.

وفي غضون ذلك، واصل رفضه للانصياع إلى السباق المتسارع في الميدان التجاري بهذا المجال. وبالنتيجة، فاتته فرصة تسجيل حقوق ملكيّته لصورة الحرف المبتكر الذي كان قد أسس مبادئه يوم قام يدويّاً بتخطيط كامل النص في كتاب منى السعودي "شهادة الأطفال في زمن الحرب". وقد جاء عمله الطوعي هذا ليجعل من ابتكاره الفنّي الموضوع المُشاع وسهل المنال والتقليد.

ومع فورة التقدّم التكنولوجي، والعجلة البالغة في انتشار اللغة الإلكترونية التي صحبها استخدام الأحرف الرقمية بدلاً من الأحرف المنضّدة، توارى ابتكار فلاديمير تماري إثر امتناعه عن متابعة العمل الذي تطلّب التكيّف مع المستجدّات، والملاحقات الإدارية، والمنافسة في الأسواق العالمية.

ومع ذلك، لا بد أن نقر أن إنجازه الذي انطلق في منتصف القرن العشرين، سيبقي الابتكار الرائد ضمن تاريخ تطوّر الحرف الطباعي العربي. ولئن لم يُعترف بقيمة ابتكاره الحداثي في حينه، ووفقما يستحق، إلا أن العبرة في ذلك أن ما أقدم هذا الفنان على إنجازه قد يرشدنا على وجه هام من وجوه سعيه إلى المعنى في فكره وإنتاجه الإبداعي.

أما ما أبدعه فلاديمير من تخطيطات وتصاوير ملوّنة ورسوم تلقائية للمرئيات اليومية من الطبيعة ومن حياة الناس حوله والتي ملأت دفاتره على مدى الحياة، فلا يمكن اعتبارها توثيقيّة بالمعنى الفلكوري الرخيص مثلما يحلو للذين سخّروا ما لديهم من موهبة في الرسم في خدمة التوقّعات السائدة في الترميز المبتذل، والترويج للخطاب السياسي المهيمن.

ولكون فلاديمير، ذلك المبدع الفرد، الذي تجنّب المؤانسات المهذبة بقدر ما أربكته كافة الشكليّات الاجتماعية، فلقد بقي خفيف الظل في كل تصرّفاته. وبالنتيجة، لم تسخر أعماله الفنية من كل ترميز فحسب، بل فاضت بحيويّة الدعابة والغمز ضد الأعراف التقليدية بحيث تبلورت على صفحات دفاتره دون كلفة وكأنها المرآة المرسومة لمكانة اللّهجة المحكيّةِ في التعبير.

وفي الوقتِ نفسِه، جاءت هذه الرسوم بنضارتها التعبيرية لتمثّل ورع هذا الفنان النادر، فيما عكس تنفيذها التلقائي صورة حسّه المرهف بصفاوة المرئيات حوله. ولقد تساوى شغفه برسم الحنّون في تلال رام الله بالقدرالجمالي ذاته الذي صوّر فيه، في ما بعد، براعم الساكورا في أحراج طوكيو. وفي تتبعنا لهذه الرسومات التي صوّرها تلقائياً حيثما حل ودون اعتبار لمصدر ما رسم، يمكننا أن نستشف الشمولية الإنسانية التي اتصفت بها رسوماته منذ أن استهل خطواته الأولى صوب إنتاج المعنى وعلى مدى السنين التي قضاها بين أرض الوطن وغربته في اليابان.

خلال السنين التي قضيناها معاً بين القدس ورام الله، كثيراُ ما تكامل ثالوثنا المقدسي بالصديق هاني جوهرية، ذلك الشاب الوديع الذي أحب التصوير منذ أن سكنته مجموعة الصور الفوتوغرافية التي وثّقت اللحظات الحاسمة من تاريخ فلسطين قبل النكبة والتي أطلعنا عليها عمّه واصف عندما كنا نزوره برفقة هاني.

طراوة بداياتنا وخيوطها الأولى في حياتنا المشتركة قد حيكت برمّتها بين طاولة صغيرة داخل الجُنينة الخلفيّة في مقهى خضر الواقع على درج الخمّارات في بلدة القدس القديمة، أو حول إحدى الطاولات التي نصبها مقهى رُكب وراء جدار حجري في الهواء الطلق ضمن الفسحة الضيّقة بين المكتبة العامة، وسينما دُنيا على الشارع الرئيسي في رام الله.

وطالما قضينا النهارات الصيفيّة حتى الغروب في مشاويرٍ فتحنا بها القلوب انطلاقاً من شارع الإذاعة حتى خلاء التلال المحيطة برام الله. وبالمقابل، كثيراً ما تلمّسنا إلفةِ المعارف حول فنجان قهوة في الأزقةِ والحاراتِ داخل أسوار مدينتنا الأم.

في تلك الأيام، لم يأتنا فلاديمير من رام الله دون صحبته لدفتر الرسم، وأدوات الرسم، وحديثه عن كل ما يتعلّق بالرسم، وكأن الرسم هو ديوان الأحاديث.

في تلك الأيام، مما أذكره من أحاديث جديرة بالعودة إليها لكونها في صلب البدايات ولما تركت من آثار في منتوجات فلاديمير الإبداعية في ما بعد، فقد كان حديثه الذي أصاب شغاف قلبه حول تقنيّة فيلم للرسوم المتحركة بعنوان "فانتازيا" كان السينمائي الأميركي والت ديزني قد أخرجه عام 1940.

وقد تألف مجمل الفيلم بناء على تحرّكات الرسوم والأشكالٍ اللونيّةٍ المختلفة وفق إيقاع مقطتفات من الموسيقى الكلاسيكية الرائجة. وفي الفترةِ ذاتِها، شدّنا هاني في حديثه عن الثورةِ السينمائية التي أطلقها المخرج الروسي سيرجاي أيزنشتاين في تصوير الإيهام بمرورالوقت، وإلغاء الفضاء بواسطة التقاطع في تتالي الصور خلال عمليّة تحريرالشريط السينمائي.

ومرّت الأيام بعد افتراقنا أنا وفلاديمير في بيروت، وإثر لقائنا فيما بعد بطوكيو، كان هاني جوهرية قد ذهب في تصوير الوقت الذي عاشه الفدائي في صناعة الثورة الفلسطينية بين النيران والتأجج في أغوار الأردن، وجليد الثلوج وزخ الرصاص في جبال عين طورة لبنان.

في غضون ذلك، كان فلاديمير في أقاصى الدنيا يتابع الرسم إلى جانب عمله في بناء آلة رسم حلم بواسطتها أن يلغي تقاليد الرسم المنظوري، ويحقق وسيلة الرسم بالأبعاد الثلاثة على الورق على غرار نجاح أيزنشتاين عبر شريط السولولويد في تأسيس أبجدية سنيمائية حققت الإيهام بمرور الوقت واقتحام الفضاء.

ما يثير الانتباه أنه خلال عمله على إتقان آلته البصرية التي قصد بواسطتها إلغاء تقاليد الرسم المنظوري، واصل فلاديمير اعتماده على مجمل مبادئ الرسم المنظوري في كافة رسوماته التلقائية التي نشهدها في دفاتره، ودون أدنى اعتبار للتناقض بين ممارسته الخلاّقة في الرسم المنظوري، وحلمه في هدم اللغة التي نشأ على ممارستها منذ الصبا بين رام الله والقدس حتى نضوجه الإبداعي في طوكيو.

أما مضيّه في هذا التناقض وإصراره على متابعة سعيه في بناء آلة رسم تلغي الإيهام بالمسافات وتقرّب بين الناظر والمنظور إليه، فتبدو وكأنها انطلقت في بادئ الأمر استجابة لباطن هذا المقدسي في توقه الفطريّ لالتِئام طرفيّ جرحنا المشترك كإلغاء فضاء الأرض الحرام الذي فصل بين نصفي مدينتنا، وإلغاء المسافة بين مدينته الأم وبيت أجداده في يافا.

وفي طوكيو ثابر فلاديمير في عمله المضني على تحقيق حلمه دون كلل، وكـأنه بذلك أصر في خياله على إلغاء ما ازداد من المسافات بين مكان إقامته ومكانة القدس في قلبه. ومن هنا يمكننا أن نستدل من زاوية أخرى على مواصلة سعي هذا الفنان في التمثيل المجازي للمعنى لديه.

أما إصراره العازم على حلمه في التمثيل المجازي هذا، فكان لا بد من التفسّخ والانفجار. وقد تمّ ذلك يوم وصلته أنباء استشهاد الصديق هاني خلال تصويره للمعارك الضارية في جبال لبنان.

في حينها اجتاحت هذا الإنسان الذي اتسم بصفاوة الهدوء والتروي، نوبة عنف عارمة وصفها في إحدى رسائله، قام خلالها بتحطيم هذه الآلة التي قضى العمر في صقلها وبنائها. ولئن حنّ بعد ذلك بفترة وجيزة لإعادة بناء ما هدم، إلا أنه تخلّى عن المضيّ في عمله عليها إلى غير رجعة. وبعد انقطاعه التام عن الحلم الذي لاح له من أسوار القدس، تابع فلاديمير التصوير بالألون المائية في طوكيو.

وهنا، تفاقمت وتيرة أعماله ذات الصيغة التجريدية التي اتسم إيقاعها العفوي بالتكاوين متعدّدة الخصائص بحيث سبحت الأشكال العشوائية فيها بشفافيات ألوان قزحيّة اتصفت بتناغم طباقي اعتبرها فلاديمير التجسيد التشكيلي لما استحبّه من المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية التي نما على سماعها في دارة أهله برام الله.

عاش فلاديمير تماري بيننا بعلو سروة يافعة عَبِق الوجود بأريجها، وترك لنا غابة من الحزن تطفح بالخصوبة والبسمات.

في خوضها، نسترجع مسيرة إنسان زاهد قضى العمر في تأمل ما ارتأى حوله من جماليات في بساطة المخلوقات، وجاء كل ما صنعت يداه احتفاء بما رأت عيناه وما أضرم فكره من خيال.

وفي تأملنا لأعماله اليوم، نستشف إنتاج المعنى الذي انبجس تدريجياً من طيّات تأملات فنان أصيل كابد في بحثه عن معناه.

أما مكابدته الصامتة هذه، فقد طالت بطول عمره إذ عاد تيقّظها الى ذلك اليوم الذي استفقد فيه ابن السنوات الست تلك الألعوبة البنائية التي ضاعت مع علبة ألوانه الأولى يوم هُجِر بيت الأجداد في يافا إثر تتالى قصف البيوت بقذائف الهاون على مدار ثلاثة أيام.

من تلك البدايات نستخلص اليوم المعنى في أعمال خلّاقة أورقت على مدى نصف قرن من عطائه الإبداعي الذي توّجه بإهداء أجيال المستقبل تصميم حرف طباعي عربي سمّاه حرف القدس، تيمّناً بعروبة المدينة التي شهدت مسقط رأسه.


* فنان تشكيلي وناقد ومؤرّخ فنّي فلسطيني من مواليد القدس عام 1942، يعيش في المنفى منذ 1967

المساهمون