فصل جديد من التشكيك في النوايا المغربية ـ الإيرانية

فصل جديد من التشكيك في النوايا المغربية ـ الإيرانية

12 يوليو 2015
الصورة
يبدي ملك المغرب إرادة في تطوير العلاقة بإيران(فرانس برس)
+ الخط -
أعاد تقرير نُشر في موقع "فارس للأنباء" الإيراني (التابع للحرس الثوري الإيراني)، الأسبوع الماضي، اتهم فيه المغرب بتنفيذ "سياسات صهيونية" على خلفية مشاركته في حرب اليمن، توتر العلاقات بين البلدين إلى الواجهة، التي ما إن تتقدم خطوة حتى تتراجع خطوات. وقد استدعت الرباط على أثرها ممثل السفير الإيراني، تلتها مكالمة هاتفية بين مساعد وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، مع نظيرته المغربية مباركة بوعيدة.

وفيما يرى البعض أن تاريخ العلاقات بين الرباط وطهران مرتبط بصراع حضاري وديني، جراء العداء بين مؤسسة المرشد الأعلى في إيران وإمارة المؤمنين في المغرب، وبالتالي لا يتوقع من العلاقات أن تصفو دائماً، يعوّل آخرون على سياسة المصالح المشتركة لتقوّم ما اعْوَجّ من تلك العلاقات الفاترة في أغلب أوقاتها.

شهدت العلاقات المغربية ـ الإيرانية قطيعة دبلوماسية بشكل كامل في مارس/ آذار عام 2009، بعد أن أعربت المملكة عن تضامنها مع البحرين في خلافها مع إيران، كما اتهمت الرباط حينها طهران بتقويض المذهب المالكي السني في المغرب، قبل أن تستأنف العلاقات بتعيين سفير إيراني في الرباط قبل بضعة أسابيع.

يلفت خبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، الدكتور عبد الرحيم المنار اسليمي، لـ"العربي الجديد"، إلى ثلاثة تفسيرات للتوتر الأخير بين المغرب وإيران. يرتبط الأول بصراع تاريخي وحضاري ناتج عن العداء الذي تحمله مؤسسة المرشد الأعلى في إيران ضد مؤسسة إمارة المؤمنين في المغرب. ويشرح اسليمي أن "الصراع يعود إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي، عندما عبّر المرشد الأعلى الراحل آية الله الخميني عن عداء ديني للمغرب، ورد عليه الملك الحسن آنذاك في خطاب مشهور طلب فيه من العلماء تكفير الخميني، وهو صراع لا يزال ممتداً ويفسّر كل الأزمات التي تعرفها العلاقات المغربية ـ الإيرانية".

ويندرج التفسير الثاني، وفق اسليمي، ضمن صراع جيو ـ ديني تأخذه إيران في منطقة شمال أفريقيا، "فإيران منزعجة من الدور الديني للمغرب في شمال وغرب أفريقيا والساحل والصحراء"، مبرزاً أنّ الإسلام السني المغربي المبني على حقل إمارة المؤمنين، قام بدور رئيسي في تقليص امتداد دولة إيران الشيعية في المنطقة".

اقرأ أيضاً: المغرب وتهديد إيراني

أما التفسير الثالث، يضيف اسليمي، فيرتبط بمحاولة إيران في اختبار الشروط التي وضعها المغرب لإعادة علاقاته مع إيران، "فالعلاقات الدبلوماسية السابقة التي قطعها المغرب مع إيران كانت لها أسباب، منها حملات التشيّع التي كانت تقوم بها إيران في المغرب عن طريق استقطاب مغاربة بلجيكا، وصلت إلى درجة دعم حزب مغربي ذي نزوعات، منعته الدولة بعد تفكيك خلية مسلحة تدعى بلعيرج، لها امتداد شيعي بين المغرب وبلجيكا".

ويذهب الخبير أنه يجب على الدبلوماسية المغربية تكييف السلوك الإيراني بالخطورة المرتفعة، لكونه "إساءة لصورة المغرب"، داعياً إلى العودة لمناقشة الشروط التي فرضها على إيران لإعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مسارها الطبيعي، باعتبار إيران هي التي طلبت إعادة العلاقات الدبلوماسية، والمغرب قبل ذلك بشروط". ويشدد اسليمي على أنه "لا يمكن للمغرب أن يقبل المبررات التي تستعملها إيران باللعب تارة على ورقة إيران ـ الحرس الثوري ـ المرشد الأعلى والثورة، وتارة على ورقة إيران ـ روحاني ـ الدولة. فإمّا أن إيران دولة واحدة، وإما أنها دولة لا تزال لم تحسم من يتخذ القرار السياسي داخلها".

من جهته، يعتبر الباحث المغربي المتخصص في الدراسات الإيرانية، الدكتور رشيد يلوح، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "تصريحات الحكومة الإيرانية بشأن رغبتها في تطوير العلاقات مع المغرب، بعد واقعة نشر ذلك التقرير الذي أغضب المملكة، هي محاولة للهروب إلى الأمام". ويضيف أنّ "إيران تحاول فرض الأمر الواقع على المغرب في قضية تمس سيادته"، مؤكداً أن "هذا الحادث سيترك أثراً سلبياً على مسار بناء الثقة بين البلدين، كما أنه سيُعمِّق لدى صانع القرار في الرباط شكوكه تجاه النوايا الإيرانيّة، نظراً إلى التاريخ الطويل من التوترات بين الطرفين".

اقرأ أيضاً: عودة التوتر إلى العلاقات المغربية الإيرانية

وتوقّع يلوح أن يرفض المغرب ازدواجية السلوك الإيراني القائم على ثنائية الثورة ـ الدولة في التعامل معه، "وقد يقوده هذا الواقع إلى التعامل المباشر مع مركز القوة في النظام الحاكم، أي تحالف الحرس الثوري وبيت المرشد الأعلى علي خامنئي، عوضاً عن التعامل مع حكومة ذات صلاحيات محدودة". ويرجح يلوح أن "يتجه المغرب إلى خيار إبقاء العلاقات في أدنى مستوياتها مع إيران، علماً أن المغرب لن يخسر كثيراً بتعثر العلاقة أو تجميدها مرة أخرى، بينما تبدو طهران أكثر حاجة إلى هذه العلاقة، نظراً إلى رغبتها في تطبيع علاقاتها مع المجتمع الدولي، علماً أن حجم العلاقات بين البلدين في كل المجالات ضعيف جداً".

ويعتبر الباحث أن "التنافر سيستمر بين الرباط وطهران، ما لم يفهم النظام الإيراني طبيعة النظام المغربي الذي أقام شرعيته الدينية على مفهوم إمارة المؤمنين، وشرعيته التاريخية على عراقة الدولة المغربية التي ظلت دائماً عصية على الإلحاق بأي سلطة مركزية في المشرق، ولهذا لن يقبل المغرب بأن تكون إيران هي المتحكم في العلاقة معه".

في المقابل، يرى الباحث المتخصص في الملف الشيعي، عصام احميدان الحسني، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "هناك تضخيماً إعلامياً، وسوء فهم جرى في قضية التقرير، إذ لم يكن سوى مقال رأي في الموقع الذي يعود لجهات محافظة لا تعبّر عن الموقف الرسمي للحكومة الإيرانية". ويشير احميدان إلى أن "الموقع نفسه نشر تصريحات الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الإيرانية، مرضية أفخم، أكدت من خلالها أن طهران لا ولن تتدخل في شؤون المغرب، فضلاً عن الاتصال الذي أجراه عبد اللهيان مع بوعيدة، لتحسين العلاقات بين البلدين".

ويعتبر الباحث أن ملك المغرب، محمد السادس، "له إرادة واضحة في تطوير العلاقات مع إيران، وقد عبّر عن ذلك شقيقه الأمير رشيد في لقاء سابق له مع رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني، في تونس، كما عبّر عن ذلك الملك نفسه في رسالة إلى الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في ذكرى انتصار الثورة الإيرانية". ويشدّد احميدان على أنه "لا يمكن تذليل العقبات في العلاقات بين البلدين، إلّا إذا بنيت تلك العلاقات على مبدأ عدم التدخل في شؤون الغير، وتقوية المبادلات التجارية والاستثمارات البينية، وعدم الاقتصار فقط على الجانب السياسي الذي قد يكون عنصر إرباك لا تثبيت لهذه العلاقات".

اقرأ أيضاً: تقرير مغربي يرصد أسباباً لصعود الإسلاميين

المساهمون