فرنسا: عودة المُخلِّص!

فرنسا: عودة المُخلِّص!

23 سبتمبر 2014
الصورة
ساركوزي يُجمّع جيشاً قادراً على خوض المعركة (فريديريك ستيفن/Getty)
+ الخط -

لا يمكن لـ"تسونامي" الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، كما يلقبه وزيره الأول السابق وغريمه الحالي، فرانسوا فيون، أن يغادر المشهد السياسي الفرنسي بأي حال من الأحوال، فهو لا يريد أن يدخل التاريخ بولاية رئاسية واحدة.

والذين ظنوا أنه انتهى سياسياً ولا سيما من تياره السياسي، يتأكدون الآن أنه عائد وبقوة. وإذا كان اليمين الفرنسي يوصف بأنه "أغبى يمين في العالم" فهذه العودة تؤكده. فهو حزب عاش سنتين وأكثر في معارضة حكومة فاشلة بشتى المقاييس، ولكنه لم يستطع أن يظهر قيادة جديدة ولا قائداً جديداً يُمكن أن يحكم فرنسا، كما أنه لم يستفد من عثرات الحكومة ويزيد شعبيته، كما فعل حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف.

وأصبح المناضلون والمتعاطفون مع الحزب اليميني، الذين يرون تطاحن قياداته وظهور فضائح الحزب إلى العلن وأمام القضاء، ينتظرون الرجل المُخلِّص في شخص الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

وعلى الرغم من سيل المتاعب القضائية التي تنتظره والتي كان خصومه في الحزب يتمنون لو أنها تقضي عليه، فإنه على عناده الذي عُرف به. وإذا كان وقع الهزيمة الانتخابية كبيرا عليه، وجعل معظم رفاقه ينفضّون من حوله، فإنه عرف كيف يستفيد من درس الإسكندر المقدوني في معاودة تجميع القوى وإعادة التحالفات، في صمت، جعل المتعاطفين مع اليمين يطالبون بعودته. وبدت هذه العودة وكأنها استجابة من القائد التاريخي لشعب محتاج إلى من يقوده ويصل به إلى برّ الأمان.

لا أحد يعرف، لحد الساعة، ما إذا كان القضاء الفرنسي الذي يتابع نيكولا ساركوزي في قضايا عديدة يمكن أن يكبح جموح هذا "الحيوان السياسي"، لأن هذا الاحتمال هو الشيء الوحيد الذي يمكن لمنافسَيْه اللدودين والجدّيين، فرانسوا فيون وآلان جوبيه، أنْ يُراهِنا عليه.

والحقيقة أن الوضعية التي يعيشها اليسار الاشتراكي الحاكم تُثير "الرثاء" لدرجة أن ساركوزي أسرّ لبعض أصدقائه، كما أوردت صحيفة "لوكنار أونشينيه" قبل أيام، بكثير من الجذل: "لقد تركت هذا الأسبوع يمرّ من أجل هولاند والاشتراكيين ثم أقوم بعدها بالقفز فوق الجثث".

لكن هل يملك نيكولا ساركوزي حظوظاً؟ يكفي للمراقب أن يقرأ المشهد السياسي الفرنسي الحالي ليتأكد من أن الرئيس الفرنسي السابق يملك كل الأوراق للعودة، باستثناء العائق القضائي طبعاً.

فعلى صعيد الحكومة، فشل اليسار الفرنسي في حل الأزمة الاقتصادية، والبطالة في تصاعد جنوني، وورقة رئيس الوزراء مانويل فالس الليبرالي لم تُؤت أكلها، و"المتمردون" الاشتراكيون يقتربون، حثيثاً، من الانفصال، والحكومة فقدت الأغلبية المطلقة في البرلمان في التصويت الأخير، والرئيس الحالي لا يحظى سوى بتعاطف 13 في المائة من الفرنسيين و62 في المائة منهم لا يريدونه مرشحاً لانتخابات 2017. وفوق كل هذا لا تملك الحكومة الفرنسية إلا استعطاف الألمان علَهم يقدمون تنازلات من أجل تشجيع النموّ في القارة العجوز.

وعلى صعيد اليمين، غرق منافسه ورئيس الحزب السابق فرانسوا كوبي في فضيحة مالية ربما لن يستفيق منها قريباً، في حين أنّ تضخم الأنا والنرجسيات تمنع فيون وجوبيه أن يتفقا على مرشح جدير بأن يخرج اليسار من السلطة.

أما ساركوزي يُجمّع فلوله بثقة. وأصبحت هذه الفلول تشكّل جيشاً قادراً على خوض المعركة، وفي مقدمتهم برناديت شيراك، زوجة الرئيس السابق جاك شيراك، فضلاً عن فرانسوا باروان الشيراكي النزعة، الذي يُقسم أن ساركوزي قد تغيّر وأنه تخلص من مخالبه اليمينية المتطرفة التي زرعها فيه مستشاره اليميني المتطرف باتريك بْويسون، والتي كلفته خسارة الانتخابات الرئاسية.

ساركوزي نضج وتغير، هو منطق الوزيرة السابقة ناتالي موريزي، وهو أيضاً منطق دومينيك دوفيلبان، غريمه السابق، الذي صرّح أخيراً بأن "ساركوزي تغير، ولديّ رغبةٌ في تصديقه. لقد استخلص الدروس من تجربة السلطة".

كثير من الساسة اليمينيين الآخرين انضموا إلى حملة المطالبة بعودته، وانضم إليهم برنار هنري ليفي، الذي أكد أن خلاص فرنسا من عنصرية اليمين المتطرف لا يتأتى سوى من رجل واحد هو ساركوزي.

وإذا كان اليسار الفرنسي الحاكم يقف عاجزاً عن تحقيق النموّ والحدّ من زحف البطالة، فإن عودة ساركوزي تخيفه. وقد بدأ يُشهر هذا السلاح في وجه خصومه ووجه أبنائه المتمردين.

أما الرئيس فرانسوا هولاند، الذي أدرك أن الداخل، اقتصادياً واجتماعياً يُفلت من بين يديه، فراهن على الخارج، مانحاً لنفسه "دوراً رئيساً في العراق"، متباهياً بأنه أول رئيس غربي يزور العراق، ومنتقداً، أمام صحافيين عراقيين وفرنسيين، باراك أوباما الذي رفض قصف سورية، في العام الماضي، في الوقت الذي كانت فيه طائرات رافال تنتظر الضوء الأخضر الأميركي لقصف الجيش السوري. وهو يعرف أن الحضور الفرنسي في الخارج، من دون تحسين مستوى المعيشة في الداخل لا يجلب الانتصار والشعبية.

وإذا كان هولاند يتباهى بعشقه إسرائيل وقادتها، وفالس يذكر دائماً بغضب بارتباطه "الأبدي" بهذه الدولة لأنه تزوج امرأة إسرائيلية، فإن ساركوزي قادرٌ على التفوق عليهما، معاً، في هذا المضمار. أَوَ لَيس كافيا التذكير بأن إسرائيل وضعت صورة ساركوزي في طابع بريدي إسرائيلي للدلالة على أنه أكبر صديق لهذه الدولة في تاريخها.

ساركوزي عائدٌ للسياسة، التي لم يغادرها، حقاً، بسبب زياراته العديدة و"محاضراته" الدولية التي درّت عليه ذهباً. ويستطيع أصدقاء دوفيلبان، الذي سحرهم بخطابه الشهير في مجلس الأمن، أن يحذروا، لأن ساركوزي العائد سيكون أكثر حرية من قبل، ولن يكون أقلّ "أطلسيّة" (كان من المؤيدين لضرب العراق سنة 2003) من هولاند ولا أقل هوى لإسرائيل منه.

المساهمون