فرنسا: "الجبهة الوطنيّة" وزيف علمانيّتها

فرنسا: "الجبهة الوطنيّة" وزيف علمانيّتها

07 نوفمبر 2014
الصورة
يعادي اليمين الفرنسي المهاجرين والأجانب (فرانس برس)
+ الخط -

تفضح قضيّة الشاب ماكسونس بوتي، عضو حزب "الجبهة الوطنيّة"، الذي اعتنق الإسلام، والردود العنيفة والفوريّة الصادرة عن حزبه، ومن بينها تجميد عضويته، زيف تعلّق الحزب بالعلمانيّة، على الرغم من مجاهرته بها، عند كلّ استحقاق انتخابي وإعلامي. وليس غريباً، من حين لآخر، ترداد الحزب في أدبيّاته وصحافته حديثاً عن الماضي اليهودي ــ المسيحي لفرنسا. وكأنّ الإسلام لا علاقة له بهذا البلد وبتاريخه الاستعماري وبماضيه القريب، في ما يتعلّق بدول المسلمين، من أفارقة سود وعرب، في تحرير فرنسا من نير النازيّة.

لا يزال الإسلام، إذاً، يثير المشاكل في فرنسا، على مستوى النخب وعلى المستوى الشعبي، خصوصاً أنّ الصحافة "الشعبويّة"، تلعب دوراً كبيراً في تعبئة الرأي العام، في ظلّ الجهل الكبير بواقع هذه الديانة وبتاريخ العرب المسلمين، على الرغم من ماض طويل من العلاقات والاحتلالات والتحالفات. وليس غريباً أن يكون كتاب "الانتحار الفرنسي"، لإيريك زمور، هو الكتاب الأكثر مبيعاً في فرنسا هذه الأيام، ويتعمّد فيه صاحبه إظهار عدم التلاؤم بين الإسلام والعلمانية الفرنسيّة، أو ما يعتبره تلازماً وثيقاً بين الإسلام والتطرّف والأصوليّة، وهو ما دفع المدن، التي يديرها أعضاء في حزب "الجبهة الوطنية" لتستقبل الكاتب بحرارة.

ويقول أحد القياديين في الحزب، تعليقاً على اعتناق بوتي للإسلام: "ما الذي يَجزمُ أنه لن يُصبح إرهابياً؟ كأننا أمام عسكريين أميركيين يوقفون عراقياً أو أفغانياً أو صومالياً، أو أمام جنود إسرائيليين أمام أسير فلسطيني. ولكن لا شيء من هذا. نحن في فرنسا. والمناسبة اعتناق ممثل بلدي وعضو في حزب الجبهة الوطنيّة للإسلام".
تطرح قضية اعتناق بوتي للاسلام، الكثير من الأسئلة حول فهم هذا الحزب للعلمانيّة في فرنسا. فالشعار الظاهر الذي يرفعه هو حرصه الشديد على العلمانيّة، أيّ الفصل بين الدين والدولة (إلى درجة التنديد بكل البلديّات التي تسمح بتخصيص مسابح للنساء فقط)، ولكنّه لا يتوقف عن فعل النقيض.

ليس بوتي المثال الوحيد على هذا النفاق السياسي. فهذا الحزب يعتمد في دعايته على التسطيح والشعبويّة، ولا غرابة في أن يكون غالبية من يصوتون على برامجه من الطبقات والشرائح الأقل ثقافة وتكويناً. وليس مصادفة أيضاً، أنّ العمال الذين كانوا يصوّتون، في الزمن الماضي، للحزب الشيوعي، باتوا يصوّتون لصالح "الجبهة الوطنيّة"، بسبب جاذبيّة شعاراتها الديماغوجيّة. وكانت الجبهة، ولا تزال تؤكّد في أدبيّاتها، على أن عضويّة الحزب مفتوحة أمام كلّ فرنسي، بغضّ النظر عن المعتقد واللون، وتحاول أن تُظهر إلى الواجهة بعض أعضائها، وهم نادرون، من اليهود والعرب، وخاصة الحَرْكيّين، أي من الجزائريين الذين قاتلوا مع الجيش الفرنسي، ضدّ استقلال بلدهم وضدّ إرادة مواطنيهم.

ومن خلال هذه الطريقة، يبدو هاجس الجبهة، حشد الناخبين والمناضلين وحتى المرشّحين، من مسلمين ويهود وسود وحتى من المثليّين، ليتحوّل الحزب إلى ماكينةً تجمع كل من هبّ ودبّ، بهدف تحقيق أمنيته بأن يصبح الحزب السياسي الأكبر في فرنسا. ويبدو أنّ الجبهة وطنية تريد هذا الجمع تماهياً مع المفهوم الذي تُحدّده للفرنسي "الأصلي" و"الحقيقي"، في أفق ذوبان نهائي، لا حديث معه عن اختلاف وتميّز ومرجعيّات
وليست الجبهة الوطنية وحدها من يتبنّى هذه الرؤية عن العرب المسلمين، إذ لا تزال مقولة بريس هورتوفو، وزير الداخليّة اليميني السابق، وصديق الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، مُدوية، إذ اعتبر أنّه "بوجود عربي واحد في الحزب، يكون الأمر مقبولاً، أما وجود كثيرين فيطرح مشكلة".

وحتى لا يبقى مثال الفتى المعتنق للإسلام معزولاً، لا بدّ من التذكير بما قام به عمدة مدينة بيزييه، روبرت مينار، المقرّب من حزب "الجبهة الوطنية" والذي انتخب بأصواته، لناحية تنظيم صلاة عمومية، في الثالث عشر من أغسطس/آب الماضي. ولم يتحرّك أحد لإدانة هذا التصرّف المتعارض مع العلمانيّة، سوى "حزب اليسار"، الذي يتزعّمه جان لوك ميلونشون. وبرّر مينار، الرئيس السابق لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، تصرفه، بقوله أمام الإعلام، إنّ "هذا البلد يتمتّع بتقاليد كاثوليكيّة، وأنا متعلّق بها".

ولم يتوقف مينار، المقرّب من حزب "الجبهة الوطنية"، ومن نظام الرئيس السوري بشار الأسد، عند هذا الحد، بل تحدَى كل القيم الديمقراطيّة والإجماع الفرنسي، وزار قبل أسبوع سورية، وتحديداً بلدة معلولا، التي أقام توأمة بينها وبين مدينة بيزييه الفرنسية. ولم ينس أن يؤكد دعمه للأسد في مقاومته "للإرهاب"، من دون أن يتطرّق إلى جرائم الأسد أو ثورة الشعب السوري. ولا يختلف تصرف مينار، عن تصرّفات قادة اليمين المتطرّف الفرنسي، لناحية العداء للمهاجرين والأجانب في فرنسا، وإظهار الدعم لأنظمة عربيّة ديكتاتوريّة. فعلوها مع الرئيس الراحل صدام حسين، ومع العقيد الليبي معمر القذافي، والآن يفعلونها مع الأسد.

دلالات

المساهمون