فالستروم بمواجهة إسرائيل: حين عادت استوكهولم لطريق الصواب

17 يناير 2016
سفارات الاحتلال تحارب الأصوات المنتقدة بدول إسكندنافية(إيمانويل دوناند/فرانس برس)
+ الخط -

يسلّط توتر العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي واستوكهولم، على خلفية تصريحات وزيرة خارجية السويد مارغوت فالستروم، الأخيرة، عن ضرورة إجراء تحقيق رسمي ومحايد لعمليات الإعدام التي يرتكبها جنود الاحتلال بحق الفلسطينيين، على تاريخ العلاقات السويدية الإسرائيلية، والتي تراوحت بين الانسجام والحميمية والصدام.

اقرأ أيضاً: السويد تثير غضب دولة الاحتلال والسبب ثورة السكاكين

منذ 67 عاماً، أي منذ نشوء الكيان الإسرائيلي، تأرجحت العلاقة صعوداً وهبوطاً. وما بين عامي 1948 و1968 كانت قيادات الحزب الاجتماعي الديمقراطي، الحاكم اليوم، مؤيدة لإسرائيل، بل وتماهى بعض هؤلاء مع المشروع الصهيوني باعتباره "اشتراكياً". وهو أمر سوقت له الحركة الصهيونية في عدد من الدول في الشمال، وفتحت "الكيبوتس" أمام شباب جيل الستينيات ممن حلموا بنظام اشتراكي في بلدانهم الغربية. وإبان حرب يونيو/ حزيران عام 1967، واحتلال باقي فلسطين وجزء
من الأراضي العربية، أخذ رئيس وزراء السويد آنذاك تاغا إيرلندر، يدافع بحماسة عن دولة الاحتلال، معتبراً أنها "تعيش خطراً وجودياً".

تغير الحال في الحزب مع صعود أولف بالمة في عام 1969، الذي تأثر بوجود حوالي مليون نازح فلسطيني بنتيجة النكسة، ورأى أن اللاجئين الجدد عامل كارثي حصل بسبب الاحتلال. هنا، بدأ التحول في العلاقات؛ فبالمة (الذي اغتيل عام 1986) كانت شعبيته بين صفوف حزبه في مستوى لا يمكن أن يكون بدون تأثير في فتح عيون الشعب على ما يجري في الواقع، الذي لم يكن يصل إلا عبر الرواية الصهيونية. انتقادات لاذعة قدمها بالمة في قراءة التصرفات الإسرائيلية والأميركية، خصوصاً دعوته للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لزيارة السويد كأول مسؤول غربي يقدم على خطوة غير تقليدية.

وقبل وصول الديمقراطيين ويسار الوسط للحكم في عام 2014، كان يهيمن يمين الوسط على الحكم لسنوات طويلة، وكانت النقابات السويدية، تنشط ضدّ انتهاكات الاحتلال للفلسطينيين وحصار غزة. ومن هذه النقابات، خرج ستيفان لوفين ليصبح رئيس وزراء السويد وتعترف حكومته بالدولة الفلسطينية في أكتوبر/تشرين الأول 2014.

ففي عام 2010، رفضت النقابات إفراغ أية سفينة شحن إسرائيلية في الموانئ السويدية لمدة أسبوع احتجاجاً على حصار غزة، والهجوم على سفينة مافي مرمرة التركية ضمن أسطول الحرية لكسر الحصار في حينها. وتعالت الأصوات المطالبة بمقاطعة إسرائيل على مختلف الأصعدة، بما فيها الرياضية. وشعر ساسة الاحتلال ولوبياتهم في دول الشمال، في حينها، بأنهم فقدوا الزخم الشعبي المؤيد لهم، وانقلبت المعادلة. ولم يكن سرّاً أنّ دولة الاحتلال جنّدت "عسكريين ومدنيين" من الدول الإسكندنافية، عبر أذرعها في المنظمات اليهودية، خصوصاً في السويد، حيث لعب السفير السابق تسفي مزئيل دوراً في التدخل بشؤونها الداخلية بما فيها الفنية، وهو أمر تراجع كثيراً مع انفضاح العدوان، وتغير المزاج الشعبي ووقوف فئات كثيرة مع القضية الفلسطينية.

ومنذ تسلّمت فالستروم حقيبة الخارجية في حكومة لوفين، أخذت المتغيرات تعود إلى فترة عرفها السويديون بفترة أولف بالمة، فهي تختار كلماتها بشكل يثير ساسة الاحتلال وأذرعهم في دول إسكندنافيا، واصفين تلك التصريحات بـ"العدوانية". ومن اللافت أن بعض الكتاب المحليين في استوكهولم، انفضح أمر ولائهم لإسرائيل، بحيث أظهروا لها ولاء أكبر من ولائهم لدولتهم، عبر مطالبة فالستروم بـ"الاستقالة" على خلفية سياسة بلادها الخارجية تجاه إسرائيل.

سيورت أوهولم، هو واحد من هؤلاء الصحافيين والكتاب الذين لا يترددون في تزعم الحملة الداعية لإقالة فالستروم إرضاء لساسة الاحتلال، وهو يستخدم لغة تعود بالقارئ إلى فترة أوج الدعاية الصهيونية، واصفاً عرفات بـ"الإرهابي الذي التقاه بالمة مشجعاً ذلك الإرهاب"، متهماً في الوقت نفسه فالستروم بانتهاج ذات السياسة التي انتهجها وزير الخارجية الأسبق، شتين أندرسون. يذهب أوهولم كغيره إلى خلط غير موفق بين اعتبار حركة "حماس" والسلطة الفلسطينية أجنحة تتعاون مع تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وهذا الخلط والتشبيه اقتباس جلي لكل تفوهات بنيامين نتنياهو.

وتُهاجم وزيرة الخارجية السويدية، لأنها وصفت سياسة دولة الاحتلال بالعدوانية، وهو ما قالته عن سياسة روسيا في أوكرانيا. كما سبق لها أن انتقدت بعض الممارسات بشأن حقوق الإنسان في السعودية قبل أن تأسف حكومتها عن التوتر الذي حصل بين البلدين نتيجة ذلك. فيما وصفت زعيم الحركة القومية المتطرفة في بريطانيا نيغل فريغ، بأنه "شخص مقزز".

والمفارقة أن اليمين المتطرف، الذي يستخدم تعابير عنصرية بحق شعوب ودول، يقف اليوم في صف إسرائيل ويتهم فالستروم ومن يؤيد المقاطعة لإسرائيل بـ"معاداة السامية".

ما تتعرض له وزيرة الخارجية السويدية من كيان الاحتلال الإسرائيلي وما يسمى "لجنة مكافحة معاداة السامية" واليمين المتطرف، يكشف أي حجم من التحديات تواجهها الشخصيات السياسية الغربية التي يكون المطلوب منها أن تصمت عن الحق أو تتماشى مع لعبة تمييع الفرق بين الجلاد والضحية.

في دول إسكندنافية عدة، مثل بقية البلدان الأوروبية، تجهد سفارات دولة الاحتلال لإخراس الأصوات المنتقدة وترتعد من الحركة الشعبية المتصاعدة التي تساوي بين "الأبرتهايد" ودولة الاحتلال.

اقرأ أيضاً: السويد وإسرائيل... فصل جديد من الجرأة ومحاولة تكميم الأفواه

المساهمون