غيّروا وظيفة السلطة الفلسطينية

28 يونيو 2020
بدأ العد التنازلي لمشروع الضم الذي يسابق بنيامين نتنياهو فيه الزمن بعين على تعجيل تنفيذه، وعين أخرى على حليفه الذي يترنح في البيت الأبيض، مع تزايد المؤشرات على احتمالات عدم نجاته بولاية ثانية، في ظل نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت تفوق جون بايدن مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية على دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري، بواقع 14 نقطة، وفقاً لواحدة من الاستطلاعات أجرتها صحيفة "نيويورك تايمز".

لا يعني هذا أنّ بايدن هو مرشح الفلسطينيين ونصير الشعب الفلسطيني، لكن "صفقة ترامب- نتنياهو" مجنونة لدرجة أنه لا يمكن أن تتحصل إسرائيل على أي رئيس أميركي، لا جمهوري ولا ديمقراطي، يمكن له أن يقدم لتل أبيب العبث الذي قدمه ترامب، ليس لأن ترامب صهيوني بالجينات لكن لأنه "جاهل" عديم الخبرة السياسية، فمن لا يعرف أن بريطانيا دولة نووية بالضرورة لا يعرف شيئاً عن الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يسمع يوماً بالقوانين الدولية التي كفلت حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة.

وفي ظل المشهد واللحظة الحالية، حيث يترنح رئيس ساذج انتخابياً في واشنطن، ويتنمر محتل هائج في تل أبيب، لا يكون للترف الفكري مساحة في سياق البحث عن حلول واقعية وعملية وآنية لمواجهة الضم الذي يقترب تطبيقه من أيامه الأخيرة.


في هذا المقال أطرح كفلسطيني على صانع القرار في القيادة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية خياراً ينبغي تدارسه، وصياغة برنامج وطني يتوحد على أساسه الفلسطيني من أقصى اليسار لأقصى اليمين، بعيداً عن تقييم تجربة أوسلو أو خيار المقاومة، فالخطوة الأولى بتقديري لمواجهة مشروع الضم وصفقة "نتنياهو – ترامب" تكمن في تغيير وظيفة السلطة الفلسطينية من الوظيفة الأمنية إلى وظيفة المقاومة بكافة أشكالها السياسية والشعبية والمدنية، وعدم استبعاد المقاومة المسلحة.

وبعيداً عن تقييم السلطة والاختلاف حول كونها منجزاً وطنياً أم كارثة وطنية، فإنّ ما لا يختلف عليه أنها باتت أمراً واقعاً اليوم تنظم حياة الفلسطينيين الذين لا يريدون مزيداً من الفوضى غير الخلاقة، فدعوات حل السلطة الفلسطينية بتقديري غير منطقية، وستدخل الفلسطينيين الذين تعتمد حياتهم اليومية والوظيفية عليها في دوامة من المعاناة والمصاعب غير المؤكد أنها ستصب في صالح القضية، أما بقاؤها بالحالة والوظيفة التي مارستها، خلال العقدين الماضيين والنيف، فهو كذلك خيار غير مقبول ويعني مزيداً من التمكين للإسرائيلي ومنحه مزيداً من الوقت لاستكمال مشروعه العنصري، وهنا يبرز خيار تغيير وظيفة السلطة الفلسطينية كأنجع الخيارات وأقلها أضراراً بالفلسطينيين.

هذا الخيار يعني كذلك وقفاً كاملاً للتنسيق الأمني مع إسرائيل، وشن هجوم دبلوماسي مصحوباً بمقاومة شعبية وعصيان مدني منظم ومتفق عليه، ووحدة وطنية شاملة في الداخل والشتات تشكل كل هذه التحركات ضغوطاً فاعلة على المحتل وعلى المجتمع الدولي، وتضع إسرائيل أمام تحديات أمنية وسياسية غير مسبوقة، ففي ظل هذا المشروع المتكامل لا تعود أجهزة السلطة مخافر لتوقيف المقاومين واعتقالهم وإرسال قوائم بأسمائهم لإسرائيل، بل رافعة للعمل الوطني، ومنصة للنضال السياسي والقانوني والمدني، إضافة للمقاومة بكافة أشكالها بمواجهة عربدة إسرائيل في الضفة والقطاع، وإقدامها على ضم أراض بشكل غير قانوني، وإمعانها في تحدي القانون الدولي، ومن شأن هذا المشروع المقاوم أن ينهي "الاحتلال المجاني" القائم الآن، ويضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كدولة احتلال، ويتوجه حينها الغضب الفلسطيني لإسرائيل كدولة احتلال بدلاً من تبادل الاتهامات المتواصل بين الفلسطيني والفلسطيني، فيما تستمتع إسرائيل بلعب دور المتفرج والمحرض على المزيد.

يتطلب تغيير وظيفة السلطة بالضرورة تغيير وجوه باتت معروفة بعدم إيمانها إلا بالعمل مع المحتل، والتنسيق الأمني المهين معه، ومحاولة تقديم نفسها كحامية وحريصة على الأرواح الإسرائيلية "البريئة"، والتوقف عن الخطاب الممجوج الذي يقوم على مغازلة ما يسمى "اليسار الإسرائيلي" غير الموجود حالياً، والتوجه بدلا من ذلك للصف الوطني بمصالحة حقيقية قوامها برنامج عمل وطني جديد. لا بد أن يبادر الرئيس الفلسطيني بصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية بأخذ خطوات لجمع الفصائل والقوى الفلسطينية على مائدة واحدة، لكن هذه المرة بنوايا حسنة ووطنية وصادقة، محمولة بالضرورة باستراتيجية التوقف عن المزايدات، والعمل على المشتركات، وهي كثيرة: مواجهة الضم و"صفعة القرن"، والتوحد من أجل القدس والدولة والعودة والتحرير.