غزوات المستوطنين للضفة: تزوير استعماري للتاريخ

10 أكتوبر 2019
الصورة
مستوطنون خلال اقتحامهم قبر يوسف عام 2011(مناحيم كاهانا/فرانس برس)
منذ نحو خمس سنوات، لا يتمكن مصطفى بدحة، من قرية دير عمار، غرب رام الله، من دخول أرضه ولا حراثتها وجني ثمار الزيتون منها إلا برفقة أقاربه، ذلك لأنها تبعد 300 متر عن المقام الأثري "النبي عنّير"، الذي يسيطر عليه المستوطنون إلى جانب عين الماء التي بقربه بالقوة، كمكان سياحي غيروا من معالمه، ويعتدون على الفلسطينيين الذين يقتربون من المكان بالحجارة وبواسطة الكلاب، فضلاً عن أنّ بعضهم يكون مسلحاً، ما يعرض حياة الفلسطينيين للخطر. يقول بدحة لـ"العربي الجديد": "أمام الترهيب الحاصل للسيطرة على المكان والأراضي المحيطة به، لجأت قبل ثلاث سنوات لرفع قضية أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية، فأصدرت قراراً قبل ستة أشهر يقضي بإخلاء المستوطنين من أراضينا، لكنهم يواصلون السيطرة على المكان بحماية قوات الاحتلال، ويروجون له على أنه يهودي، ويربطونه بمستوطنة نيريا المقامة منذ نحو 15 عاماً قرب الموقع الأثري".

أمّا مروان نوفل، من قرية راس كركر، فله أيضاً أرض قرب مقام "النبي عنّير"، وهو يقول إنه يعرف تاريخ المكان بهويته الفلسطينية وأنه مقام أيوبي، ويذكر أنّ عائلته كانت تخبره عن الاحتفالات الدينية وموسم التقاء التجار وسباق الخيول الذي كان يحصل هناك، فكان الموقع الأثري مصيفاً للأهالي الذين كانوا يبيتون بجانب عين الماء، حيث تزرع أشجار الفاكهة المختلفة والخضروات الصيفية، وقد بقي الأمر كذلك حتى ستينيات القرن الماضي.
ويوضح نوفل لـ"العربي الجديد"، أنه "بعد إقامة مستوطنة نيريا على رأس جبل بين دير عمار وراس كركر، بدأ المستوطنون باقتحام عين الماء والموقع الأثري تدريجياً، إلى أن أصبحوا يقتحمونه يومياً، خصوصاً يومي الجمعة والسبت وأيام الأعياد، للتنزه وإقامة شعائرهم الدينية، وقد طردوا أصحاب الأراضي الأساسيين".

ويقتحم المستوطنون على مدار العام، مواقع أثرية ودينية عدة بمحافظة رام الله والبيرة، وينظمون مسارات ميدانية في الأودية والمناطق الطبيعية مروراً بالمواقع الأثرية والدينية وعيون المياه، ويحاولون إقامة مستوطنات قرب الأخيرة برام الله، وفق ما يوضح مدير وزارة السياحة والآثار الفلسطينية بمحافظة رام الله والبيرة، جهاد مصطفى، لـ"العربي الجديد". ووفق مصطفى، فإنّ "المقامات الأثرية والدينية التي تعود للفترتين الأيوبية والمملوكية وتقع بمناطق (ج)، يقتحمها المستوطنون ويحاولون ربطها بروايتهم الدينية لتزوير التاريخ، على الرغم من إقامتها تخليداً لذكرى الأولياء الصالحين".

ويتّبع المستوطنون سياسة الاقتحامات المتدرجة لعيون المياه والأماكن الأثرية والمقامات، ويرممون وينشئون مرافق سياحية بقربها، وصولاً لقيامهم باقتحامات متكررة بحراسة قوات الاحتلال، ضمن خطة منهجية للاستحواذ على المواقع التي يقتحمونها، وطرد الفلسطينيين منها، بينما سيطروا بالفعل على مواقع أثرية عدة أصبحت داخل حدود المستوطنات. والمقامات التي يقتحمها المستوطنون بمحافظة رام الله والبيرة، هي: النبي عنّير، النبي غيث، أبو العوف، سيدي شيبان، منقطة قرب خربة الطيرة الأثرية، وادي الناطوف، وتل سيون.

قبل سنوات، نجا خالد عواطلة وعائلته، من سكان عين الديوك في أريحا، من اعتداء لمستوطنين مسلحين كاد أن يودي بحياتهم، حينما حاول التصدي لهم بعدما اقتحموا مزرعة لأشجار النخيل يمتلكها قرب كنيس الديوك الأثري وحاولوا سرقة التمور منها. وبحسب ما يوضح عواطلة لـ"العربي الجديد"، فإنّ "المستوطنين يقتحمون مواقع أثرية عدة في المنطقة بشكل متكرر، خصوصاً أيام الجمعة والسبت والأعياد، سواء بحراسة من جيش الاحتلال أو منفردين وهم مسلحون، ما يعرض حياة الأهالي للخطر".

وفي أريحا، يقتحم المستوطنون طوال العام مواقع أثرية، هي: بيت شهوان الواقع في المنطقة المصنفة "أ"، وكنيس الديوك الواقع في المنطقة "ج"، وهما يعودان إلى الفترة الرومانية، بالإضافة إلى وادي القلط التاريخي ويقع في المنطقة "ج". ويدعي المستوطنون أنّ تلك المواقع مرتبطة بالديانة اليهودية، فيقتحمونها بحجة الصلاة فيها، تزامناً مع اعتداءات وتخريب للأمكنة، على الرغم من أنها مواقع فلسطينية بغض النظر لأي ديانة تنتمي، بحسب ما يوضح مدير دائرة الآثار في أريحا بوزارة السياحة إياد حمدان، لـ"العربي الجديد". ويشير حمدان إلى إنشاء سلطة الآثار الإسرائيلية متحفاً قرب قرية الخان الأحمر بمحافظة القدس، سمّته "المتحف السامري"، ويحوي آثاراً سرقها الاحتلال من الضفة الغربية.

مقام "قبر يوسف"
في حي بلاطة البلد، شرق مدينة نابلس، يقع مقام "قبر يوسف" المكون من غرف عدة، إحداها ضريح لما يوصف بأنه رجل صالح من عشيرة "دويكات"، وفق ما ترجح بعض الدراسات. لكن المستوطنين يدعون أنّ الضريح للنبي يوسف، فيقتحمونه مراراً وتكراراً بحماية قوات الاحتلال، لأداء طقوس دينية ليلاً، تزامناً مع مواجهات يتصدى خلالها الفلسطينيون لتلك الاقتحامات. ووقع قبر يوسف تحت سيطرة إسرائيل بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967. وعام 1986، أعلن الاحتلال عن إقامة مدرسة دينية لتدريس التوراة فيه، فيما تحوّل المكان عام 1990 لبؤرة استيطانية بالكامل. لكن بعد اتفاق "أوسلو"، انتقلت السيطرة على المقام للسلطة الفلسطينية، لوقوعه في المناطق المصنفة "أ"، مع إتاحة المجال لليهود لزيارته بعد التنسيق المسبق مع الفلسطينيين. إلا أنّ الاحتلال عاد وسيطر على القبر كلياً عام 2002، إلى أن تسلمت السلطة المكان مجدداً قبل سنوات، حيث تتمركز قوة أمنية فلسطينية على مقربة منه، ولكن لا يُسمح بدخول الفلسطينيين إليه.

وقبل احتلال إسرائيل للضفة الغربية، كان "قبر يوسف" منطلقاً لأفراح الفلسطينيين ويأمّونه للصلاة والتنزه بالأراضي الملاصقة له. ويؤكّد الشيخ مازن دويكات، الذي يسكن بالقرب من القبر، لـ"العربي الجديد"، أنّ "المقام لولي صالح، لأنّ قبر النبي يوسف أمر مختلف على وجوده". وعلى الرغم من أنّ المقام يحمل الطابع المعماري الأموي الإسلامي البحت، إلا أنّ الرواية اليهودية تنسب القبر للنبي يوسف بعدما أحضرت عظامه من مصر ودفنت في نابلس. لكن خبراء التاريخ يؤكدون أن العمر التاريخي للمكان لا يصل لهذه القرون التي يتحدث عنها الاعتقاد اليهودي.

والمقام مسجل لدى وزارة الأوقاف الفلسطينية كوقف شرعي إسلامي، وتكوينه الأثري يعود للعهد العثماني. أمّا الغرفة القائمة في الجهة الشمالية من المقام، فقد بنيت عام 1950 بموافقة وزارة الأوقاف الأردنية، وبقي التدريس مستمر فيها حتى العام 1965، إلى جانب وجود محراب صلاة في الجدار القبلي للمقام، والذي كانت تزوره النساء للصلاة وتقديم النذور فيه.


سبسطية

في بلدة سبسطية الأثرية، شمال نابلس، تُبذل جهود فلسطينية لتطوير وترميم الآثار فيها ووضعها على خريطة السياحة العالمية، كأحد أهم وأقدم المواقع الأثرية عالمياً، لكنهم يصطدمون بخطة إسرائيلية لتزييف تاريخ البلدة وتغيير معالمها، وباتفاقية أوسلو التي قسمت البلدة ضمن تصنيفين: "ب" تخضع إدارياً لسيطرة السلطة الفلسطينية، و"ج" تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية، ما يجعل الترميم مقتصراً على المنطقة "ب". لكنّ سلطات الاحتلال لم تعد تعترف بتصنيفات "أوسلو"، وتقتحم سبسطية بأي وقت، وتلاحق السياح الأجانب والزوار الفلسطينيين، وترعبهم حتى لا يعودوا للمكان، كما تمنع أي جهة فلسطينية من تطوير المواقع الأثرية في البلدة.

يقول رئيس بلدية سبسطية محمد عازم، لـ"العربي الجديد"، إنّ "سلطات الاحتلال ترفض أن نضع إنارة ليلية للمسار السياحي أو لافتات إرشادية تظهر التاريخ العروبي والفلسطيني لمواقع البلدة الأثرية، وتزيلها خلال 24 ساعة إن وضعناها، ضمن سعي إسرائيلي لطمس حقيقة هذه الآثار التاريخية، واستبدالها بالرواية اليهودية للسياح الوافدين إلى سبسطية من طرف الاحتلال". وسبسطية منطقة مهمة تاريخياً، لوقوعها على تقاطع طريق تجاري تاريخي يربط شمال فلسطين بجنوبها. وقد شهدت قيام حضارات كثيرة، وهي محط أنظار السياح من مختلف دول العالم، ومحط أنظار علماء التاريخ، بحسب ما يوضح مدير دائرة السياحة والآثار في نابلس، مفيد صلاح، لـ"العربي الجديد".

ويوجد في سبسطية 40 موقعاً أثرياً، أهمها شارع الأعمدة، والبازيليكا (المحكمة)، والمدرج، والبرج الهيلينستي، ومعبد أغسطس، وقصر القلعة، والقبور الرومانية. ويرجح الباحثون أنّ آثار البلدة ومعالمها الموجودة والمكتشفة إلى حدّ الآن، لا تتعدى 5 في المئة من تلك غير المكتشفة. وتعرضت آثار سبسطية لعمليات سرقة ممنهجة على يد الاحتلال الإسرائيلي، خصوصاً قبل قيام السلطة الفلسطينية، فسُرق تمثال جسد الراقصة "سالومي" والملك الروماني "هيرودس"، وأسدل الستار على حقبة مهمة من التاريخ العالمي لقصة تاريخية مثيرة.
 
مقامات عورتا
على أطراف قرية عورتا، جنوب نابلس، يقع مسجد قديم، وإلى جانبه مقام إسلامي صغير، يطلق عليه الأهالي اسم "مقام السبعين شيخ". وتوجد في داخل هذا المقام غرفة صغيرة، تعلوها قبة، وفيها محراب، كدلالة على إقامة الصلاة منذ عقود. لكن المستوطنين يقتحمون هذا المقام وكذلك مقامي "المُفضل" و"العُزير" في القرية نفسها، على الرغم من أنها جميعها تعود للفترتين الأيوبية والمملوكية. ويوضح الباحث في شؤون الاستيطان، عبد السلام عواد، لـ"العربي الجديد"، أنّ عورتا التي تقع في المنطقة (ب) "مستهدفة بالاستيطان عبر قضم أراضيها، فيما يحولها الاحتلال ومستوطنوه لسجن كبير حين يقتحمون المقامات الدينية، ويمنعون الأهالي من الخروج من منازلهم حتى ساعات الفجر، أي وقت انتهاء اقتحاماتهم"، لافتاً إلى أنّ "اقتحامات المستوطنين تترافق مع تحطيم قبور قريبة من المقامات، فضلاً عن أنهم يتركون مخلفات طعامهم ومشروباتهم الكحولية فيها، من دون مراعاة لحرمة المكان".

ويتخوّف أهالي عورتا من سيطرة الاحتلال على المقامات الموجودة فيها والأراضي المحيطة بهذه المقامات، فيُمنع البناء فيها. ويقول عواد: "ما يجري في عورتا محاولات احتلالية للسيطرة على المواقع التاريخية والأثرية باسم الدين، وإسقاط الروايات التوراتية عليها".
سلفيت
يعاني أهالي بلدة كفل حارس في محافظة سلفيت، شمال الضفة الغربية، في المنطقة (ب)، من اقتحامات دورية للمستوطنين، والوجهة ثلاثة مقامات إسلامية في البلدة تعود للعهد الأيوبي، وفق ما يؤكد رئيس بلدية كفل حارس، عصام أبو يعقوب، لـ"العربي الجديد". وتلك الاقتحامات إما تتكرر بشكل شبه أسبوعي عبر دخول عدد قليل من المستوطنين سراً، أو تكون منظمة بحماية جيش الاحتلال بعد إبلاغ الارتباط الفلسطيني، وإغلاق الشوارع ومنع تجوال الأهالي.
ويقول أبو يعقوب إنّ "اتفاق أوسلو سمح للمستوطنين بزيارة المقامات 4 مرات سنوياً، لكن تلك الاقتحامات المنظمة تصل إلى 24 زيارة في العام، يقوم بها آلاف المستوطنين، إذ وصل عددهم في بعض المرات إلى 16 ألف مستوطن في ليلة واحدة". ويقوم المستوطنون خلال اقتحاماتهم بتأدية الرقصات وإقامة الاحتفالات، والصلوات التلمودية في ساحة البلدة، وسط اعتلاء جيش الاحتلال لأسطح المنازل لحمايتهم.

ويؤكّد الأهالي أنّ هذه المقامات هي إسلامية، ويسمونها نقلاً عن أجدادهم: "مقام ذو الكفل في الجهة الشرقية من البلدة، ومقام صلاح الدين وسط البلدة، ومقام ذو النون غربي البلدة"، وكان الأهالي، وفق ما يؤكد أبو يعقوب، يؤدون فيها طقوساً وعادات قديمة مثل التبرّك والنذور وغيرها.

بدوره، يقول الباحث حمزة العقرباوي لـ"العربي الجديد"، إنّ تلك المقامات "تأخذ طابع الفترة المملوكية"، مؤكداً أنّ "المقامات المنتشرة في فلسطين تعود بشكل عام إلى الفترات المملوكية والأيوبية والعثمانية، وارتبطت بفكرة الجهاد، إذ اندفع المتصوفون وعلماء الدين للجهاد مع صلاح الدين الأيوبي ضدّ الفرنجة الذين احتلوا بيت المقدس، واختار هؤلاء رؤوس الجبال للتعبّد، فيما أخذت بعض المقامات الطابع العسكري، إذ رابط هؤلاء بسلاحهم وهم يتعبدون فيها، ويتحسبون لأي هجوم على بيت المقدس". ويشير العقرباوي إلى أنّ "فكرة العلاقة بين المقامات والمشروع الصهيوني هي استعمارية؛ ففي حال حمل أي مقام اسماً مرتبطاً بشخصية توراتية، فيمكن أن يستحسنه المستوطنون ويحاولوا السيطرة عليه زاعمين أن لهم علاقة تاريخية بالمكان، كما هو الحال بالنسبة لمقام النبي يوشع".

وفي محافظة سلفيت عدد من المواقع الأثرية الأخرى التي يقتحمها المستوطنون لأهداف مختلفة، منها خربة قرقش وخربة حمد في بروقين، وهي تعود، بحسب مدير دائرة السياحة والآثار في سلفيت منتصر موسى، إلى الفترة الرومانية، وتقع في المناطق (ج). من جهته، يؤكّد رئيس بلدية بروقين، مروان عبد الرحمن، لـ"العربي الجديد"، أنّ المستوطنين يقومون باقتحام هذه المواقع بشكل متفرّق بحماية جيش الاحتلال، ويقيمون في المنطقة مسارات سياحية استيطانية، معتبراً أنّ الهدف "هو الزحف الاستيطاني والسيطرة على المنطقة الأثرية، ووصلها بالمستوطنات المجاورة".



ويقتحم المستوطنون أيضاً مناطق دير سمعان، ودير قلعة، ودار الضرب، وهي معالم تاريخية تقع في المناطق (ج). فدير سمعان معلم بيزنطي يقع بين دير بلوط وكفر الديك، وبحسب ما يؤكد منتصر موسى، فإنّ هذا المكان أصبح أقرب إلى أن يكون ضمن حدود مستوطنة "ليشم"، فالفلسطينيون يستطيعون الوصول إليه، ولكن بمخاطرة تعرضهم للاعتداءات من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال.

أمّا منطقة دير قلعة، شرق دير بلوط، والتي تضم خزان مياه رئيسياً من الفترة البيزنطية، فيؤكد موسى أنها تقع قرب الأسلاك الشائكة لمستوطنة "علي زهاف"، وينظم المستوطنون زيارات سياحية إليها، وأقاموا فيها متنزها وألعاباً للأطفال. وبالنسبة لدار الضرب، في بلدة قراوة بني حسان، فهي عبارة عن مبنى كبير محفور بالصخر يشبه خزنة البتراء، من الفترة الرومانية. وعلى الرغم من وقوعها قرب منازل الفلسطينيين، فذلك لا يحول دون اقتحامات وزيارات المستوطنين لها بين الفينة والأخرى ضمن المحاولات الاستيطانية نفسها للسيطرة على الأراضي والمناطق الأثرية، وفق ما يؤكّد موسى.
 
قلقيلية
في محافظة قلقيلية، شمال الضفة، وتحديداً في قرية فرعتا، يحاول الأهالي الحفاظ على مقام أبو الجود من اعتداءات المستوطنين. وهذا المقام يقع على تلة مرتفعة ضمن المناطق المصنفة "ج".
ويؤكد رئيس المجلس القروي في فرعتا، عبد المنعم أبو شناعة، لـ"العربي الجديد"، أنّ المستوطنين من "حفات جلعاد"، توقفوا منذ أكثر من عام عن اقتحام المكان، بعد إقامة سور بمحاذاته ووضع أسلاك شائكة وإعادة ترميمه، لكنهم قبل ذلك كانوا يقتحمون المقام بشكل متفرق، ويؤدون الصلوات فيه. والمقام بناء إسلامي، ويُعتقد أنّ إماماً اسمه أبو الجود كان يعتكف فيه للعبادة.
وفي السياق، يؤكّد مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في شمال الضفة، مراد اشتيوي، لـ"العربي الجديد"، أنّ لترميم المكان أثر بوقف الاعتداءات الاستيطانية عليه، مؤكداً أنّ "الوجود الفلسطيني يمنع بدرجة كبيرة هجمات المستوطنين".

طولكرم
في محافظة طولكرم، شمال الضفة، يرصد الأهالي كما ترصد مديرية السياحة والآثار، اقتحامات متكررة للمستوطنين، وأبرز المناطق المستهدفة بابور البيك في بلدة رامين. وهناك يلاحظ الأهالي اقتحاماً مرة كل عام تقريباً، حيث يؤدي المستوطنون الصلوات التلمودية، بدعوى وجود مقامات دينية يهودية. ويقع بابور البيك في سهل رامين، في المنطقة (ج)، ويؤكد رئيس المجلس القروي للبلدة، محمود زيدان، لـ"العربي الجديد"، أنه مبنى أثري من الحقبة العثمانية كان يستخدم لطحن الحبوب.

بدوره، يقول مدير دائرة السياحة والآثار في طولكرم، إياد ذوقان، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الاقتحامات تحصل بادعاءات وجود مزار له علاقة بالرواية التوراتية، والحقيقة أنه لا توجد أي صلة للمكان بذلك، فهو يعود فقط للفترة العثمانية، وكان مأهولاً حتى وقت قريب، والهدف من هذا الاقتحام وغيره، تعزيز رواية توراتية مزيفة لا تمت للحقيقة بصلة". وربط ذوقان اقتحام بابور البيك، باقتحامات مشابهة في مناطق المسعودية، والمنطار، والنفق العثماني، وكلها ضمن خط واحد، وهو مسار سكة قطار الحجاز العثماني.

ويقتحم المستوطنون أيضاً جبل المنطار، الواقع على مدخل بلدة بلعا، شرق طولكرم، ويقع كذلك في المنطقة (ج). ويؤكد ذوقان أنّ اقتحام المستوطنين يتم لمكان في الجبل لا يحوي أي مبانٍ أو شواهد، وفقط لادعاءات بأنه مرتبط بالرواية التوراتية. وفلسطينياً يحوي الجبل على "منطرة"، وهي عبارة عن مبنى عثماني، كان يستخدم لأغراض الزراعة، وفق ذوقان.
شرقي طولكرم، وتحديداً على أراضي بلدتي سفارين وكفر اللبد، تقع خربة سمارة في المنطقة (ج)، وتعود تسميتها لعائلة سمارة التي تملكت الأراضي هناك. ويؤكّد ذوقان أنها خربة محصنة من الفترة الرومانية، واعتداء الاحتلال عليها يتمثّل بوضعها ضمن مسار سياحي استيطاني، فضلاً عن أن مستوطنة "عيناف" قريبة جداً من مداخلها. ويضيف ذوقان أنّ الخربة تحوي على كنيس سامري، مرتبط بتاريخ الديانة السامرية، وهي جزء أساسي من مكوّن المجتمع الفلسطيني سابقاً وحالياً. ووصلت اعتداءات الاحتلال في الثمانينيات من القرن الماضي، إلى حدّ التنقيب والعثور على فسيفساء تحوي صورة "مانورة" مرتبطة بالديانة السامرية، وإزالتها ونقلها لمتحف إسرائيلي في منطقة الخان الأحمر، على الرغم من أن الديانة السامرية هي جزء من التاريخ الفلسطيني.

وإذا كان الإسرائيليون يريدون تثبيت أسطورة أن "القدس عاصمة إسرائيل"، فإنّ الخليل هي "عاصمة اليهود"، هذا هو ادعاء الإسرائيليين غير المخجول منه على زيفه. ومن هنا، بدأ رجال الدين اليهود والمستوطنون بنسب كل معلمٍ ديني أو أثري في الخليل لروايتهم. فمنذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، سال لعاب المستوطنين على عمق الخليل الديني والتاريخي، حيث البلدة القديمة وحرمها الإبراهيمي ومنطقة تل إرميدة. وعقب مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، قُسم الأخير ليذهب 60 في المائة من مساحته لصلاة اليهود وطقوسهم الدينية، وقد ضمت هذه المساحة الحضرة الإبراهيمية والحضرة اليوسفية والحضرة اليعقوبية (حيث دفن الأنبياء إبراهيم ويعقوب ويوسف)، وبقيت للمسلمين الإسحاقية (حيث دفن النبي إسحق وزوجته ليئة). وفي أعياد اليهود العديدة سنوياً، يُغلق الاحتلال هذا الحرم بكل مساحاته بما في ذلك المساحة المسموح للمسلمين بدخولها، لصالح طقوس واحتفالات اليهود.



في منطقة تل إرميدة الأثرية، وسط الخليل، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، حوّل المستوطنون المقام الديني الشهير "مشهد الأربعين" إلى كنيس يهودي، وقد بدأت حفرياتهم من أجل ذلك منذ سبعينيات القرن الماضي. وبالإضافة إلى اقتحامهم عين الماء المسماة بـ"عين إبراهيم" أو "العين الجديدة" في تل إرميدة، تقول المواطنة وجدان البايض لـ"العربي الجديد": "يقتحم مستوطنو رامات يشاي العين الواقعة بجوار منزلي بشكل يومي، ويتصرفون بصورة غير أخلاقية، كنزع جميع ملابسهم، ورمي منزلي بالحجارة ومضايقة أولادي".

وبحسب الناشط الفلسطيني عيسى عمرو، استولى المستوطنون كذلك على مجموعة قبور لأئمة مسلمين في منطقة جبل الرحمة في الخليل، مدعين أنّ المدفونين فيها رجال دين يهود، عدا عن منطقة حبرون في شارع بئر سبع التي يقتحمها المستوطنون بصورة دائمة، مدعين أنّ حبرون حاخام يهودي مدفون هناك، بالإضافة إلى اقتحام منطقة بئر حرم الرامة الأثرية.
وإلى الشمال من مدينة الخليل، يقتحم المستوطنون مقام ومسجد النبي يونس (حيث يوجد قبر النبي يونس)، في مدينة حلحول بصورة متكررة غير مُنظمة زمنياً. وقد أقيم هذا المسجد في الزمن الأيوبي، وبناه بدر الدين الهكاري على قبر النبي يونس، بعدما توفي الأخير في حلحول التي أقام فيها عاماً كاملاً.

ويقول ابن المدينة المؤرخ محمد الوحوش، لـ"العربي الجديد"، إنّ مستوطني "كريات أربع" و"كرمي تسور" و"عتصيون" بدأوا باقتحام المسجد نهاية سبعينيات القرن العشرين، بادعاء أنّ القبر الموجود فيه لقائد يهودي يُدعى "يونان" حارب في زمن النبي داوود، وليس قبر النبي يونس.
ولا يكتفي المستوطنون باقتحام المكان في أعيادهم، بل في كل وقت يحلو لهم، وعادةً ما يكونوا مسلحين أو يحميهم جيش الاحتلال. ويقول الوحوش إنه عندما يتم الاقتحام نهاراً تشتعل المواجهات مع السكان.
ويقتحم المستوطنون أيضاً في حلحول مسجد عبد الله ابن مسعود الذي عُثر فيه على أقدم نقش إسلامي في فلسطين وثاني أقدم نقش إسلامي في العالم، ونقل للمتحف الفلسطيني في مدينة رام الله. وكذلك يقتحمون خربة كسبر الأثرية التي يعود تاريخها لعهد الظاهر بيبرس (أحمد سلاطين المماليك)، ويخيّم المستوطنون فيها ويقيمون طقوساً تلمودية.

وفي مدينة يطا، جنوب الخليل أيضاً، يقتحم المستوطنون متنزه الكرمل الأثري، والذي يعود للعهد الروماني ويضم مدرجاً وعيون ماء. ويغلق جيش الاحتلال الذي يحرس المستوطنين المتنزه أمام الفلسطينيين 3 أيام في السنة خلال بعض الأعياد اليهودية. وتبدو أطماع مستوطني "سوسيا" و"كرمئيل" و"ماعون" و"بيت أتير"، واضحة لزيادة امتداد المستوطنات حتى بئر السبع جنوباً، بحسب ما يفيد به رئيس المجلس البلدي للكرمل محمد دبابسة. ففي سوسيا، غرب يطا المهددة بالتهجير، بنى المستوطنون بيوتهم على آثار كنيس يعود للعهد البيزنطي، وحُرم الأهالي بفعل ذلك من زراعة أراضيهم في المكان.

بالقرب من قرية إرطاس وبلدة الخضر، جنوب مدينة بيت لحم، جنوب الضفة الغربية، تحرم اقتحامات مستوطني "أفرات" بشكلٍ دوري منطقة بُرك سليمان الأثرية والترفيهية الفلسطينيين من التنزه بحرية في المكان الذي يضم ثلاث برك، يُختلف على تاريخها، بين أنها بنيت في العهود الرومانية والبيزنطية وزمن السلطان العثماني سليمان القانوني، في حين يدعي اليهود أنها بنيت في زمن النبي سليمان. ويقيم المستوطنون طقوساً تلمودية في منطقة البرك، فيما يطرد جيش الاحتلال الذي يحميهم، الفلسطينيين الذين تُعتبر برك سليمان بالنسبة لهم منطقة أثرية ومتنفساً سياحياً تُحيطه أشجار الصنوبر من كل صوب.

أمّا في قرية فاغور المهجرة بالقرب من بلدة الخضر جنوباً، فهناك آثار رومانية وعيون ماء عديدة يقتحمها مستوطنو "أفرات" بصورة دائمة، ويعتبرونها جزءاً من المستوطنة التي تأكل أراضي جنوب بيت لحم. ويقول المؤرخ خليل شوكة لـ"العربي الجديد"، إنّ المستوطنين يحاولون السيطرة على عيون الماء في تلك المنطقة بحجج دينية، بدءاً بمنطقة واد "البيار"، حتى منطقة برك سليمان، إذ كانت هذه العيون والينابيع إضافة إلى عيون منطقة شمال الخليل ومياه الأمطار، ترفد برك سليمان بالماء. وقد يكون فعل المستوطنين هذا تحسباً لإفشال أي محاولة فلسطينية لاستصلاح نظام البرك التي لو عملت من جديد قد تحوي أكثر من مليوني متر مكعب من المياه.

وفي بيت لحم، أحكم المستوطنون سيطرتهم على العديد من المقامات الدينية والمواقع الأثرية المهمة، كمقام زوجة النبي يعقوب أو "قبة راحيل"، شمال بيت لحم، وجبل "الفرديس" شرقاً، أو قلعة "هيرديون". ويوضح الكاتب والصحافي أسامة العيسة لـ"العربي الجديد"، أنّ المستوطنين بنوا مستوطنة "نفي دانيال" على أراضي بلدة الخضر، بحجة أنها ضمت حائطاً حجرياً يعود للنبي دانيال، بالإضافة إلى عين "أبو كليبة" التابعة لأراضي بلدة نحالين، غرب بيت لحم، ويدعي اليهود أنّ كليبة هو "كالب"، وهو اسم أحد مبعوثي النبي موسى من مصر لاستكشاف أراضي فلسطين.

(ساهم في إعداد التقرير: محمود السعدي، جهاد بركات، سامر خويرة، فاطمة مشعلة)