غزة.. "مُثلجات" تنكأ جراح مجزرة الأطفال في رفح

31 يناير 2019
+ الخط -

داخل مرسم قديم، لم يبق منه إلا بضع لوحات فنية عُلقّت على الحائط قاتم اللون بطريقة عشوائية، تنشغل دعاء قشطة (28 عاماً) بـنحت مجسّمات تبدو للوهلة الأولى أنها تجسّد معاني الفرح والطفولة.

أخذت تلك المجسّمات أشكال المُثلّجات بأنواعها المختلفة، بعضها على شكل كرات مُلونة وضعتها فوق مجسم آخر يحمل شكل قطعة بسكويت مخروطية الشكل، والبعض الآخر وضعته بين قطعتي بسكويت، وأما البقية فكان إما على أكواب أو مثبّتاً بأعواد خشبية.

كل ذلك يبدو مُبهجاً للحظة، لكن المدقق في تلك المجسمات تنتابه حالة من "الصدمة" بعدما يدرك حجم القسوة التي تجسّدها تلك المنحوتات.

الشابة قشطة تنقش على تلك المجسّمات تفاصيل وجوه الأطفال الذين استشهدوا خلال مجزرة، ارتكبها الجيش الإسرائيلي في أغسطس/ آب 2014، بمدينة رفح، ولم يجدوا سوى ثلاجات "الآيس كريم" لاحتضانهم بعد استشهادهم، بدلاً من ثلاجات الموتى.

المشهد بقسوته الشديدة، تعيد قشطة إحياءه لتذكّر العالم أن "إسرائيل التي قتلت هؤلاء الأطفال، ما زالت مستمرة على ذات الوتيرة من الوحشية".

وكانت مدينة رفح قد شهدت في بداية أغسطس/ آب من عام 2014 مجزرة إسرائيلية أسفرت عن مقتل وجرح المئات.

آنذاك، تعرّض مستشفى محمد يوسف النجار (أكبر وأهم مستشفيات مدينة رفح) لقصف إسرائيلي، ما دفع المواطنين إلى وضع الشهداء الأطفال داخل ثلاجات المرطبات من أجل الحفاظ على جثثهم إلى حين سماح الظروف بدفنهم.

آيس كريم "العودة"

ولدت فكرة الشابة "قشطة" في نحت مجسّمات للأطفال الشهداء داخل ثلاجات الموتى مع مرور الذكرى الرابعة للحرب الأخيرة على قطاع غزة.

وقالت للأناضول: "الفكرة راودتني منذ بداية 8 أغسطس/ آب الماضي، مع ذكرى الحرب، بدأت أنتج المشروع بعد حصولي على منحة من مؤسسة القطان، ساعدتني في ترجمة الفكرة إلى واقع من خلال النحت المعاصر".

وتتابع قائلة: "المشهد بحد ذاته قاسٍ؛ كيف اضطر سكان مدينة رفح إلى وضع الشهداء الأطفال داخل ثلاجات للمرطبات على أثر نقص ثلاجات الموتى هناك".

وانتابت مشاعر من الحزن والصدمة الفلسطينيين حين شاهدوا صوراً لهؤلاء الأطفال داخل ثلاجات المرطبات، فكيف لطفل كان يشتري "الآيس كريم" من الثلاجة أن يكون اليوم بداخلها، على حدّ قولها.

ذلك المشهد، وفق الشابة "قشطة"، يعبّر عن مشاعر متناقضة من "المتعة" لأن "الآيس كريم" حلوى محببة للأطفال، و"الاشمئزاز" لأنهم باتوا جزءاً من المشهد القاسي حين أصبحوا كما المرطبات داخل تلك الثلاجات.

وتحاول "قشطة" أن تصنع مقاربة بين صور الأطفال والمُثلّجات في منحوتة واحدة في إطار التعبير عن المشاعر المتناقضة.

مراحل النحت

تمر المجسّمات التي تنحتها قشطة بثلاث مراحل، أولاها النحت على الطينة الهوائية (الصناعية)، والتي تلجأ إليها نظراً لعدم وجود الطينة الطبيعية في قطاع غزة ومنع إدخالها.

تنقل تفاصيل الأطفال من الصور الحقيقية التي حفظتها على هاتفها المحمول على تلك الطينة بدقة شديدة.

ومن ثم تصنع قالباً من مادة "السيلكون المطاطي"، التي وجدتها - صدفة - عند زميل لها؛ إذ إن السلطات الإسرائيلية تمنع دخولها إلى قطاع غزة لأسباب أمنية، كما قالت.

وأخيراً، تُعبّئ الشابة مادة "الشمع" السائلة داخل قالب السيلكون، لتأخذ كافة التفاصيل التي نحتتها على الطينة.

واختارت "قشطة" مادة الشمع كمخرج نهائي للمنحوتات كونه يتشابه مع "الأطفال" في الضعف والهشاشة، فيما تحتاج مادة الشمع إلى التعامل معها بعناية وحرص شديْدين كما الأطفال تماماً.

وفضّلت الشابة اختيار الألوان الزاهية في صناعة ونحت "المثلجات"، قائلةً إن تلك "الألوان تدل على الطفولة والمتعة، كما أنها تشير إلى نكهة المرطبات قبل وضع الأطفال الشهداء داخل الثلاجات".

وتعتبر قشطة ذلك بمثابة "التمويه لهذا المشهد القاسي، لإخراج الناس عن هذه القسوة والصدمة والحزن التي يشعرون بها من خلال مشاهدتهم للمنحوتات". وتنقل "قشطة" عن كل من رأى تلك المنحوتات للوهلة الأولى شعورهم بـ"الصدمة والقسوة".

وتعتزم تنظيم معرض فني يضمّ تلك المنحوتات، إلى جانب فنون أخرى مثل اللوحات الفنية، ومنحوتات "رقمية" معاصرة، من أجل تجسيد معاناة سكان قطاع غزة من الاحتلال. 

​(وكالة الأناضول)

ذات صلة

الصورة
عشرات الشهداء في مجزرة مخيم النصيرات (محمد الحجار)

مجتمع

خلفت مجزرة مخيم النصيرات عشرات من الشهداء والجرحى الذين كانوا من بين الناجين من مجازر إسرائيلية سابقة، وآخرين عاشوا مرارة النزوح المتكرر والجوع.
الصورة
الرباع الفلسطيني حمادة روى طريقة خروجه من القطاع (العربي الجديد/Getty)

رياضة

تتواصل قصص الإبداع في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، رغم أنه يتعرض لحرب إبادة جماعية بآلة القتل الإسرائيلية، إذ لم تُفرّق نار الظلم بين صغير وكبير

الصورة
جنازة رمزية للشهيد خالد النجار في الضفة، 28مايو 2024 (العربي الجديد)

مجتمع

نظم أهالي بلدة سلواد شمال شرق رام الله، جنازة رمزية للشهيد خالد النجار، بعد عصر الثلاثاء، وهو أسير محرر مُبعد إلى قطاع غزة، اغتالته قوات الاحتلال بقصف مخيم..
الصورة
بركة الشيخ رضوان بغزة، في 14 يناير 2024 (الأناضول)

مجتمع

تُشكّل بركة الشيخ رضوان التي تُخصَّص لتجميع مياه الأمطار شمال مدينة غزة، قنبلة صحية وبيئية موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، بعد تسرب مياه الصرف الصحي إليها..