غارة التنف: أميركا تثبّت خطّها الأحمر ضد إيران بسورية

20 مايو 2017
الصورة
قافلة لقوات النظام قرب الحدود العراقية (فرانس برس)
+ الخط -
بدت الغارة الأميركية ضد قوات النظام السوري ومليشيات مساندة لها، على طريق دمشق بغداد، وتحديداً عند معبر التنف عند الحدود السورية القريبة من العراق والأردن، مساء أول من أمس، موجهة فعلياً للمشروع الإيراني الهادف إلى ربط الأراضي الإيرانية بتلك العراقية والسورية واللبنانية. وأثارت ثاني ضربة أميركية ضد النظام السوري، بعد مطار الشعيرات، عشية وصول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى السعودية، غضباً روسياً وسورياً محدوداً، وسط صمت إيراني، لكنها توضح أن الخط الأحمر الحقيقي الموضوع من إدارة ترامب حول سورية، هو التمدد الإيراني عملياً.

وتستخدم الإدارة الأميركية أسلوب الضربات العسكرية الموضعية المحدودة لتثبيت خطها الأحمر الإيراني. وأحدث تلك الضربات استهدفت رتلاً لقوات النظام، يبدو أنه كان يحاول الوصول إلى معبر التنف على الحدود الأردنية السورية، لتأمين ما يتم الحديث عنه من طريق بري يربط طهران ببيروت. وقال الناشط الإعلامي في البادية، حمزة بطلنا، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "طيران التحالف، بقيادة أميركا، استهدف الخميس قوة تابعة للنظام السوري، تضم عناصر من قوات النظام وعناصر من مليشيا عراقية، أثناء محاولتها التوجه إلى معبر التنف"، مبيناً أن "القصف أدى إلى تدمير أربع دبابات وعربة شيلكا وثماني سيّارات بيك أب وأربع أخرى محمّلة بمضادات طيران، وقتل جميع عناصر الرتل، من دون أن تتمكن أي قوة مؤازرة من الوصول إليهم، إذ كانوا يبعدون عن معسكر التنف نحو 72 كيلومتراً، على مفرق زرقا في منطقة الشحمي على أوتوستراد دمشق بغداد".

وتعتبر الضربة رسالة قوية إلى إيران ومليشياتها التي تقاتل في سورية، والتي تعمل على تأمين طريق بري لها من طهران عبر المناطق التي يسيطر عليها "الحشد الشعبي" في العراق إلى البادية السورية وصولاً إلى دمشق، ومنها إلى الساحل السوري ولبنان، لتأمين الدعم اللازم لتدخلها العسكري في المنطقة. في هذا الوقت، يبدو أن أميركا تسعى إلى إنهاء النفوذ الإيراني في سورية، وفرض سيطرتها على الحدود السورية العراقية، عبر تأمين الدعم العسكري واللوجستي لمجموعة من الفصائل السورية المعارضة في البادية، وعلى رأسها "جيش مغاوير الثورة"، والذي ترافقه قوة أميركية بريطانية، وسبق أن تقدم في البادية السورية إلى منطقة حميمة، وأعلن عن استعدادات للوصول إلى مدينة البوكمال في ريف دير الزور، والتي تعتبر بوابة إمداد لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سورية.


وأظهرت الضربة الأميركية الأخيرة، عجز الروس عن إدارة المعركة على الأرض، خصوصاً تنسيق حركة قوات النظام والمليشيات الإيرانية والعراقية، والتي على ما يبدو أصرت على خرق منطقة النفوذ الأميركية، التي اتضح أن حدودها من البوكمال مروراً بالبادية السورية بمحاذاة مدينة تدمر إلى المنطقة الجنوبية، وبذلك تكاد تكون الحدود العراقية السورية مسيطراً عليها من قبل الولايات المتحدة، في حين تتولى "قوات سورية الديمقراطية" السيطرة على الحدود في منطقة الجزيرة الممتدة إلى ريف البوكمال. وقال متحدث باسم القيادة المركزية لقوات التحالف، في تصريح صحافي، إنه تم إجراء اتصالات مع العسكريين الروس في سورية، وإبلاغهم بضرورة تراجع القوات السورية عن مناطق خفض التوتر، مشيراً إلى أن هذه القوات واصلت تقدمها باتجاه منطقة التنف. ويبرر هذا الأمر عدم وجود غطاء جوي لهذه القوة من قبل الطيران الروسي أو طيران النظام. وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن الغارة استهدفت جماعات "شكلت تهديداً لقوات التحالف"، مبينة أن الغارة استهدفت دبابات وعربات مدرعة ومدفعية وسيارات كانت قد اقتربت من قوات التحالف.
وحول الدور الذي تؤديه أميركا في المنطقة، أوضح وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، أنّ الولايات المتحدة لا تنخرط بشكل أكبر في سورية، وذلك في حديث مع وكالة "فرانس برس"، عقب الضربة الأميركية. وقال "نحن لا نزيد من دورنا في الحرب الأهلية السورية، لكنّنا سندافع عن قواتنا"، مضيفاً "سندافع عن أنفسنا إذا اتخذت خطوات عدائية ضدّنا، وهذه سياستنا المستمرة منذ فترة طويلة".

وأشار وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، تعليقاً على الضربة، إلى أن موسكو ترى سعياً لتحويل معارضين وبعض المتطرفين للقتال ضد رئيس النظام بشار الأسد. وقال "نرى مجدداً رغبة جبهة النصرة ومن يتعامل معها في البقاء خارج نشاط عمل التحالف. ونرى مجدداً ومجدداً سعياً، وتأكيد هذا السعي في تحويل معارضين وبعض المتطرفين، بينهم جبهة النصرة للقتال ضد الحكومة الشرعية في سورية". واعتبر أن "تبني أميركا قانون المعاقبة بسبب التعاون مع الأسد يبعدنا عن مهام عدم السماح للإرهابيين الاستيلاء على الأراضي السورية". ووصف الضربة الأميركية بأنها كانت "غير مشروعة بصرف النظر عن الأسباب". وقال "بررت القيادة الأميركية الضربة على مواقع للقوات الموالية للحكومة السورية بأنها كانت تشكل تهديداً للمعارضة التي تتعاون مع التحالف بقيادة الولايات المتحدة. مهما كان سبب اتخاذ القيادة الأميركية مثل هذا القرار، فإن هذه الضربة غير مشروعة، وتشكّل انتهاكاً صارخاً لسيادة الجمهورية العربية السورية".

وحاول ممثل قاعدة حميميم الروسية في سورية، ألكسندر إيفانوف، الإيحاء بأن الروس ليس لديهم علم بالضربة. وقال، بحسب صفحات "القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية" على وسائل التواصل الاجتماعي، "لا يمكن اعتبار الغارة الجوية الأميركية على رتل عسكري للقوات الحكومية السورية أنها حدثت بالخطأ. تؤكد التقارير الميدانية أن المنطقة المستهدفة معروفة بشكل واضح، وليست منطقة تحت سيطرة الإرهابيين. وقد جاء التصريح الرسمي من القوات الأميركية ليؤكد وجود نية مسبقة للهجوم على الرتل العسكري الذي حصل في زاوية الحدود السورية العراقية الأردنية جنوب البلاد". وأضاف "يحق للقوات الحكومية السورية التحرك ضمن أراضيها، والعمل على أي بقعة تعتبر تهديداً بالنسبة لها، خصوصاً تلك التي تحتوي على مجموعات إرهابية معادية، وقد تم تزويد قوى الدفاع الجوي السورية بمنظومات متطورة في وقت سابق لتمكين تحقيق ذلك، والتصدي لأي تهديد جوي قد يعترض قواتها البرية المتحركة على الأرض"، لكنه لم يوضح سبب عدم استخدام هذه المنظومة إلى اليوم، إن كان بوجه طيران التحالف أو الطيران الإسرائيلي الذي لا يكف عن استهداف مواقع النظام و"حزب الله". كذلك لم يوضح أي من المسؤولين الروس سبب غياب الغطاء الجوي الروسي عن الرتل العسكري.

وفي جنيف، قال رئيس وفد النظام إلى المفاوضات، بشار الجعفري، إن الضربة الجوية تمثل "إرهاب حكومات"، مشيراً إلى أنه أثار الواقعة خلال محادثات مع المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا. وقال "كنا نتحدث بشكل مسهب عن المجزرة التي أحدثها العدوان الأميركي في بلادنا، وأخذ هذا الموضوع حقه من النقاش والشرح، ولم يكن غائباً عن أنظارنا". ونقلت وكالة "سانا" التابعة للنظام، عمن وصفته بـ"مصدر عسكري"، أن "الجيش العربي السوري هو القوة الوحيدة الشرعية في محاربة الإرهاب"، مضيفاً أن "التحالف الدولي قام بالاعتداء على إحدى نقاطنا العسكرية على طريق التنف في البادية السورية، ما أدى إلى ارتقاء عدد من الشهداء، إضافة إلى بعض الخسائر المادية". ورأى المصدر أن "الجيش العربي السوري يحارب الإرهاب على أرضه ولا يحق لأي جهة، أياً كانت، أن تحدد مسار ووجهة عملياته ضد التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها داعش والقاعدة، وأن من يدعي محاربتهما عليه أن يوجه ضرباته إليهما لا أن يعتدي على الجيش العربي السوري القوة الوحيدة الشرعية التي تحارب الإرهاب مع حلفائها وأصدقائها". وغاب عن المصدر معلومة صغيرة أن المنطقة التي حاولت قواته والمليشيات الموالية لها التقدم فيها لا وجود للتنظيمات المصنفة على أنها تنظيمات ارهابية فيها.

ورأى المحلل العسكري، أسعد الزعبي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "للضربة الأميركية الأخيرة دلالات واضحة على أن الأميركيين يتواجدون على الأرض، ولن يسمحوا بأي تمدد للمليشيات أو النظام، أو تغيير الخريطة، كما لن يسمحوا لإيران باختيار الطريق الذي تريد، وأي تجاوز ستتم معالجته فوراً، ويبدو أن هذا وقت تغيير الأمور حسب القرار الأميركي، وإدارة ترامب ستعمل وفق ما تتحدث". واعتبر أن "الضربة وجهت رسائل لعدة أطراف، منها أنهم مصممون على دعم الثوار الذين تم تدريبهم، وتنظيف المنطقة من كل إرهاب، ومنع تمدد عناصر حزب الله، خصوصاً أن القرار الأميركي يقضي بضرورة ترحيلهم خارج سورية، ورسالة أخرى للروس وإعطاؤهم الخبر بأنهم مصممون على تنفيذ رسالتهم لهم عبر وزير الخارجية بضرورة تغيير منطق التعاطي مع النظام وإخراج كل المليشيات الطائفية، ورسالة إلى مؤتمر الرياض بأن ترامب سيفي بكل وعوده للمنطقة، ورسالة للحكومة العراقية كي لا تتهور وتتورط في أي تدخل بسورية، خصوصاً الحشد الشعبي، الذي يجب أن يتم ردعه". واعتبر أن "كل هذه الرسائل تبقى غير كافية، ولم ترق إلى درجة التهديد الأميركي، تماماً مثل ضربة مطار الشعيرات".

ويبدو أن أميركا، في ظل إدارة ترامب، جادة في إدارة الصراع في المنطقة ورسم الخطوط الحمراء لجميع الأطراف، منذ أن نشرت دورياتها مع "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) لمنع استهدافها من قبل القوات التركية والفصائل المتحالفة معها، إلى الإيعاز بإعطاء قوات النظام مجموعة من القرى لخلق فاصل بين "قسد" والأتراك، المستبعدين حتى الآن من معركة السيطرة على الرقة، إلى استهداف مطار الشعيرات، إلى "مناطق تخفيف التصعيد"، والتي جاءت كمبادرة روسية استجابة للتوجهات الأميركية، ويتم اليوم الحديث عن توسيعها، إضافة إلى التحركات الميدانية من عمليات "الأسد المتأهب" في الأردن التي انتهت الخميس الماضي، إلى انتشار قواعد أميركية وبريطانية داخل الأراضي السورية.

المساهمون