عمّال مصر... كيف الحماية من الفقر وكورونا؟

06 ابريل 2020
الصورة
هل تنفع فعلاً مثل هذه الإجراءات؟ (محمد الشاهد/فرانس برس)

وسط الوباء العالمي الجديد، ثمّة فئات تجد نفسها متضرّرة أكثر من غيرها وذلك من نواح مختلفة. ويُعَدّ العمّال فئة من تلك الفئات التي لا توفّرها أيّ من الأزمات، لا سيّما اليوم مع أزمة مركّبة صحية اقتصادية اجتماعية.

في مارس/ آذار المنصرم، كشفت مصادر لـ"العربي الجديد" في شركة "المقاولون العرب" المصرية، إحدى أكبر شركات المقاولات في مصر، عن توقّف كلّ الإنشاءات الموكلة للشركة في العاصمة الإدارية الجديدة، بعد اكتشاف أكثر من 20 إصابة مؤكدة بفيروس كورونا الجديد بين العاملين في مشروع "الزهور" التابع لضباط القوات المسلحة في المنطقة السابعة. وبعدها بأيام، أعلنت وزارة قطاع الأعمال المصرية بدء تطبيق عزل ذاتي في المنازل بالنسبة إلى عمال "مصر المحلة" و"النصر للغزل" بعد الاشتباه في حالتَي إصابة بالفيروس الجديد. وشركة "مصر المحلة" هي أكبر شركة للغزل والنسيج في البلاد أنشئت في عام 1927 ويقدّر عدد عمالها بنحو 15 ألف عامل، فيما يقترب عدد عمّال "النصر للغزل" من نحو ثلاثة آلاف عامل، وهما تتبعان للشركة القابضة للغزل والنسيج التي تشرف عليها وزارة قطاع الأعمال العام المصرية.

لكنّ الشركات والمصانع في مصر، على الرغم من ذلك، ما زالت تدير ماكيناتها وتزيد من حصيلة إنتاجها على حساب صحة العمّال في كلّ أنحاء مصر. ولا يملك العمّال قرار العزلة في المنازل كغيرهم، فهم رهائن لقمة العيش في كلّ زمان ومكان ما لم تشملهم الحكومة بإجراءات حماية ووقاية تحفظ لهم أماكنهم في العمل ودخلاً يبقيهم مع أسرهم على قيد الحياة. وقبل أيام، تظاهر عشرات من عمّال مصنع "اللوتس" للملابس الجاهزة بمنطقة الاستثمار في بور سعيد، ضدّ صاحب المصنع لعدم تنفيذه قرار الإغلاق الجزئي وتعريض حياة العمّال للخطر.

يُذكر أنّ المادة 201 من قانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003 تنصّ على أن "تلتزم المنشأة وفروعها باتخاذ وسائل وقاية العمال من خطر الإصابة بالبكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات وسائر المخاطر البيولوجية متى كانت طبيعة العمل تعرّض العمال لظروف الإصابة بها وعلى الأخص: التعامل مع الحيوانات المصابة ومنتجاتها ومخلفاتها. مخالطة الآدميين المرضى والقيام بخدماتهم من رعاية وتحاليل وفحوص طبية".

وعلى الرغم من أنّ وزارة القوى العاملة المصرية قررت صرف منحة استثنائية للعمالة غير المنتظمة المستفيدة والمسجلة في قواعد بيانات مديريات القوى العاملة بالمحافظات، قدرها 500 جنيه مصري (نحو 30 دولاراً أميركياً) تُصرف من خلال مكاتب البريد التابعة لمحل إقامة كلّ عامل، فإنّ مراقبين يرون أنّ هذا الإجراء الضعيف لن يحمي العمّال أمام تسلُّط رأس المال الذي يرفض منحهم إجازات مدفوعة الأجر خلافاً للقانون.

في هذا السياق، يرى المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة مجتمع مدني مصرية) أنّه رغم اتخاذ الحكومة المصرية وكلّ أجهزة الدولة حزمة من التدابير والإجراءات غير المسبوقة لمحاصرة فيروس كورونا الجديد ومنع انتشاره، فإنّ هذه القرارات لا تسري على العاملين في شركات القطاع الخاص أو الشركات الاستثمارية والمناطق الصناعية وعمّال النظافة في الأحياء. وقد طالب المركز وزارة القوى العاملة المصرية بمنح بعض العاملين إجازات مدفوعة الأجر وغير مخصومة من الرصيد، لا سيّما من يعانون الأمراض المزمنة والنساء الحوامل واللواتي يرعينَ أطفالاً دون 12 عاماً لمدة 15 يوماً، بالإضافة إلى منح بعض آخر إجازة نصف الوقت بالتناوب، أي العمل يوماً وأخذ إجازة في اليوم التالي. وكلّ ذلك بحسب المركز هو بغرض منع التجمعات ومحاولة تقليص فرص انتشار الفيروس الجديد كذلك، إذ إنّ العدوى لا تفرّق بين عامل في القطاع الحكومي وآخر في القطاع الخاص.



تأتي هذه المطالبات في ظلّ تخوف من تفشّي البطالة وتعميق فقر العمّال حول العالم، نتيجة انتشار الوباء العالمي. وبالفعل، كانت منظمة العمل الدولية قد أصدرت، في 18 مارس/ آذار المنصرم، نتائج تقييم أوّلي لتأثير وباء كورونا العالمي على مجال العمل في العالم، متوقّعة أنّ الأزمة ستدفع ملايين من الناس إلى البطالة والعمالة الناقصة وفقر العاملين. والدراسة التي حملت عنوان "وباء كوفيد - 19 وعالم العمل: آثار المرض وردود الأفعال عليه"، دعت فيها المنظمة إلى اتخاذ تدابير عاجلة وواسعة النطاق ومنسّقة في ثلاثة محاور: حماية العمّال في مكان العمل، وتحفيز الاقتصاد والتوظيف، ودعم الوظائف والمداخيل. وأوضحت أنّ هذه التدابير تشمل توسيع الحماية الاجتماعية، ودعم استبقاء العاملين في وظائفهم (عن طريق الدوام لوقت قصير، والإجازات مدفوعة الأجر، وغيرها من الإعانات)، والإعفاءات المالية والضريبية، بما فيها للمنشآت الصغيرة جداً والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. بالإضافة إلى ما سبق، تقترح الدراسة تدابير على صعيد السياسة المالية والنقدية والإقراض والدعم المالي لقطاعات اقتصادية محددة.

وتوقّعت المنظمة، استناداً إلى السيناريوهات المختلفة لتأثير وباء كورونا العالمي على نموّ الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ارتفاع البطالة العالمية بنسب تتراوح ما بين 5.3 ملايين (السيناريو المتفائل) و24.7 مليوناً (السيناريو المتشائم)، وذلك إلى جانب عدد العاطلين عن العمل في عام 2019 وعددهم 188 مليوناً. وفي مقارنة، أدّت الأزمة المالية العالمية 2008 - 2009 إلى زيادة البطالة في العالم بمقدار 22 مليون شخص، بحسب دراسة المنظمة نفسها. كذلك توقّعت المنظمة أن تشهد العمالة الناقصة (البطالة المقنعة) زيادة كبيرة، فتترجم العواقب الاقتصادية لتفشي الفيروس إلى تخفيض في ساعات العمل وفي الأجور.

أضافت المنظمة في دراستها أنّ "العمل الحر في البلدان النامية، الذي يعمل في كثير من الأحيان على تخفيف الأثر السلبي للتغييرات، قد لا ينجح هذه المرّة في ذلك بسبب القيود المفروضة على حركة الأشخاص (مثل مقدّمي الخدمات) وعلى السلع. كما أنّ تراجع التوظيف يعني أيضاً خسائر كبيرة في دخول العمال". وقدّرت هذه الخسائر بما بين 860 مليار دولار و3.4 تريليون دولار مع نهاية عام 2020، لافتة إلى أنّ هذا سيترجم انخفاضاً في استهلاك السلع والخدمات ويؤثّر بدوره على آفاق قطاع الأعمال وعلى الاقتصادات.



وتوقّعت المنظمة أن يزداد عدد العمّال الواقعين في الفقر زيادة كبيرة كذلك، لأنّ الضغوط على المداخيل بسبب تراجع النشاط الاقتصادي ستترك أثراً مدمّراً على العمال الذين يعيشون على خط الفقر أو دونه. يُذكر أنّه بحسب تقديرات منظمة العمل الدولية، فإنّ ما بين 8.8 ملايين شخص و35 مليوناً إضافياً من العمّال حول العالم سيعيشون في فقر، بالمقارنة مع التقدير الأصلي لعام 2020 وهو 14 مليوناً في كلّ أنحاء العالم. وحذّرت الدراسة من أنّ ثمّة فئات ستتأثر بأزمة الوظائف أكثر بكثير من فئات أخرى، الأمر الذي يفاقم عدم المساواة. ومن هذه الفئات العاملون في وظائف أقلّ حماية وأدنى أجراً، لا سيّما الشباب والعاملين الأكبر سناً والنساء والمهاجرين كذلك.