عمليات تغيير ديموغرافي في العراق تحت أنظار الحكومة

24 يناير 2016
الصورة
التهجير يطاول أهالي مناطق عراقية متعددة (محمد دميرهان/الأناضول)
+ الخط -

مع استمرار الحرب على الإرهاب في العراق، تتسارع وبشكل مخيف عمليات التغيير الديموغرافي في البلاد المعروفة بتنوعها الديني والقومي والثقافي، كما يقول برلمانيون عراقيون، وهي عمليات تُنفذ من قبل زعماء الحرب وأصحاب القرار وأحزاب سياسية، مخلّفة بذلك مئات الآلاف من المشردين والقتلى والمفقودين. يأتي التحذير من هذه العمليات بعدما أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً اتهمت فيه أطرافاً في الصراع العراقي، بتنفيذ عمليات تطهير في عدد من مناطق البلاد بدوافع طائفية وعرقية متعددة.

ووفقاً لتقارير محلية وبرلمانية عراقية، فإن ما لا يقل عن 20 مدينة ونحو 300 قرية عراقية شمال وغرب ووسط وشرق البلاد، تعرضت لعمليات تغيير كبيرة في بيئتها السكانية، من قِبل جهات مسلحة تتبع جهات سياسية في البلاد، نجحت إلى حد كبير في إحداث عمليات تغيير ديموغرافية، رافقتها جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان.

ويصرّ القادة العراقيون على أن تلك العمليات بدأت بشكل مبكر بعد الاحتلال الأميركي للبلاد، ويرجعونها لعامي 2005 و2006، إلا أن هذه العمليات بدأت تتسع في العامين الأخيرين وتأخذ شكلاً أكثر همجية، وفقاً لقولهم. وتشير أصابع الاتهام في هذا الإطار إلى مليشيات "الحشد الشعبي"، وقوات البشمركة الكردية وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).

وتُعتبر كركوك ونينوى وبابل وصلاح الدين وديالى وبغداد والبصرة، أبرز المناطق العراقية التي نشطت بداخلها عمليات التغيير الديموغرافي، التي تنّوعت أساليب تنفيذها من مكان لآخر، وفقاً للنائب، لقاء مهدي وردي، التي تؤكد في حديث مع "العربي الجديد" أن عمليات التغيير تلك تتم بصورة مدروسة منذ سنوات، وتنفذ كخطة تقف وراءها جهات معروفة.

وتضيف وردي: "منذ عام 2011 عندما تسلّمتُ منصب رئيسة لجنة المهجرين في البرلمان، لاحظت عمليات التغيير الديموغرافي التي تحدث في البلاد، ووثّقنا ذلك بالأدلة التي ما زلنا نملكها، فهناك مدن كاملة مُسخَت وحتى اسمها جرى تغييره، كما في جرف الصخر في محافظة بابل التي تحولت إلى جرف النصر".

وترى أن "التغيير الديموغرافي طائفي في الغالب، تنفذه جماعات مسلّحة لصالح جهات سياسية"، موضحة أن "هناك مناطق كاملة هُجر أهلها ولم يُسمح لهم بالعودة إلى منازلهم ومزارعهم وقراهم، فيما مدن ومناطق أخرى جرى قصفها بالهاون وهرب أهلها ولم يعودوا إليها، كما أن بعض المناطق يتم استهداف الشخصيات البارزة بها وقتلها، ثم تهديد الباقين من الطائفة نفسها بالخروج أو القتل أو اصطناع فيضانات ومشاكل، كما في محيط بغداد، لتهجير أهلها وعدم السماح لهم بالعودة تحت حجة خطر الإرهاب"، معتبرة أن "كل تلك العمليات ترتقي إلى جرائم حرب دولية".

وتشير وردة إلى "أننا سعينا إلى إعادة العوائل والمواطنين إلى مدنهم ومدن آبائهم وأجدادهم، لكننا فشلنا في ذلك، وحتى عندما كتبنا التقرير الخاص بالملف أصرّت بعض الأحزاب على تجيير الملف ضد مجهول أو إغلاقه ووضع عبارة جهات غير معلومة بدلاً من عبارة مليشيات"، لافتة إلى أن عمليات التغيير "صاحبتها تفجيرات استهدفت دُور عبادة ورموزاً تشير إلى الطائفة التي تسكن تاريخياً في المناطق المستهدفة، كما في حال إخوتنا المسيحيين على يد داعش، أو السنّة في ديالى والبصرة على يد المليشيات"، مؤكدة أن دور الأمم المتحدة من هذا كله "بيانات قلق أو استنكار، وهو موقف بات سياسياً بدبلوماسية أكثر من كونه انسانياً".

اقرأ أيضاً: أمنستي تتهم "البشمركة" بتهجير العرب في شمال العراق

من جهته، يؤكد النائب عن محافظة ديالى، رعد الدهلكي، أنّ "ديالى واحدة من المحافظات التي تعاني من سيطرة المليشيات الطائفيّة عليها". ويوضح الدهلكي، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "تلك المليشيات تسيطر على أغلب مناطق المحافظة، وتعمل وفقاً لأجندات خاصة تقوم على سياسة التغيير الديموغرافي في مناطق المحافظة"، مشيراً إلى أنّ "المشكلة الحقيقيّة أنّ تلك المليشيات لا سلطة لأحد عليها، فلا الأجهزة الأمنيّة تستطيع محاسبتها ولا أيّة جهة أخرى، فقد أصبحت فوق السلطة والقانون".

ويلفت إلى أنّ "تحالف القوى، ونحن كنواب عنه، أوضحنا ذلك الأمر مراراً وتكراراً للحكومة ولرئيسها حيدر العبادي، لكنّنا لم نلمس تحركات جديّة للجم هذه المليشيات ووقفها عند حدّها"، مؤكداً أنّ "انتهاكات المليشيات ليست محصورة بمحافظة ديالى، بل على شاكلتها تنفّذ في جرف الصخر في بابل وفي مناطق محافظة صلاح الدين".

ويشدّد على أنّ تحالفه "حذّر الحكومة من ترك المليشيات والجهات الخارجة عن القانون تجول في ديالى والمناطق الأخرى، وأنّ انسحابنا من جلسات البرلمان ومجلس الوزراء جاء بسبب تلك الانتهاكات"، محمّلاً الحكومة المركزيّة في بغداد، مسؤوليّة "كل ما يجري من انتهاكات من قبل تلك المليشيات".

أما النائب عن محافظة الموصل، أحمد الجربا، فيحذر من أنّ "أعمال التغيير الديموغرافي التي تُقدِم على ارتكابها باستمرار المليشيات في بعض المناطق، والبشمركة في مناطق أخرى، هي انتهاكات قد تخلق جيلاً داعشياً جديداً في العراق".

ويؤكد الجربا، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "محافظة الموصل، كما وضع محافظات أخرى، تعاني من سطوة قوات البشمركة وسيطرتها على المناطق التي حرّرتها من داعش، والتي ارتكبت انتهاكات كبيرة وتغييراً ديموغرافياً في تلك المناطق". ويشير إلى أنه "من غير المنطقي أن تسيطر المليشيات على المناطق التي تحرّرها، والبشمركة على المناطق التي تحرّرها بحجة محاربة داعش، فنحن في بلد يجب أن تحكمه قوانين ولا يجوز تجاوزها من أيّة جهة كانت، ويجب الاحتكام إلى القانون والدستور في حل النزاعات والاختلافات". ويلفت إلى أنّ "هذه التصرفات تثير الأحقاد والضغائن في نفوس أهالي تلك المناطق"، داعياً إلى "فتح مرحلة جديدة وترك الأعمال الخارجة عن القانون، وعدم تكرار تلك التصرفات والانتهاكات".

من جهته، يؤكد القيادي في حركة "نينوى الغد"، سنان الفضلي، "تعرّض قرى وبلدات كاملة في المحافظة إلى التغيير من قبل (داعش) بعد طرد التنظيم الإرهابي عشرات الآلاف من المسيحيين وتفجير كنائسهم ودور عبادتهم". ويضيف الفضلي أن "اللاعبين الثلاثة على وتر التغيير الديموغرافي هم الحشد والبشمركة وداعش، ولدينا قرى عربية ابتلعها الأكراد، وأخرى ايزيدية وتركمانية مسحها داعش عن الخريطة، وهناك بلدات حدودية مع كركوك نفّذت الحشد فيها جرائم دموية بقيت بعيدة عن الإعلام كونها نائية"، معتبراً أنه "لا يجب أن نتوقّع بقاء صورة العراق التاريخي المطبوعة بالأذهان بعد الآن، في حال عدم التدخّل الدولي وإيقاف عمليات التغيير التي تجري ضمن مخططات لتقسيم العراق مستقبلاً وفقاً لأسس قومية وطائفية معروفة"، مطالباً "بتدخّل غير خجول وصريح للأمم المتحدة وتصحيح الأوضاع على ما كانت عليها قبل الاحتلال".

اقرأ أيضاً: استنكار محلي ودولي لهجمات المليشيات الطائفية في ديالى