علاء أبو أسعد وأولوفير تشِليك: تأمُّلات في إرث لغوي

22 يوليو 2019
الصورة
(من الكتاب)
+ الخط -

كما يحدث في كلّ احتكاكٍ بين ثقافتَين أو لغتَين، أثّرت الثقافتان العربية والتركية إحداهما بالأخرى، وتبادلتا طيلة قرابة أربعة قرون من التواصل المستمرّ بينهما، جملةً من العناصر التي تمسّ جميع نواحي الحياة، وفي مقدّمتها اللغة.

إلى اليوم، لا تزال المفردات ذات الأصل التركي مستخدمةً في العربية الفصيحة ولهجاتها المختلفة، وخصوصاً في الشام ومصر وبعض بلدان المغرب العربي. وفي المقابل، يُقدّر باحثون بأنّ اللغة التركية الحديثة تمثّل منها الكلمات العربية قرابة ثلاثين بالمئة، وهو رقمٌ كبير، لكنه ليس أكبر من سبعين بالمئة؛ وهي نسبة العربية في اللغة العثمانية القديمة.

اهتمّ كثيرٌ من الباحثين بهذا الموضوع، فألّفوا كتباً ترصد المشتَرك بين اللغتَين، لكنّها في الغالب أعمالٌ تأخذ منحىً أكاديمياً، وكثيراً ما يجري التركيز فيها على العربية الفصحى، فتُهمَل اللهجات المحكية التي يبدو أنَّ لها حصّة الأسد في هذا التبادل. من هذه "الثغرة" انطلق الفنّانان البصريّان، الفلسطيني علاء أبو أسعد والتركية أولوفير تشِليك، في إنجاز عملٍ حول المشترَك والمتقارِب بين اللهجة الفلسطينية واللغة التركية.

بدأت الفكرةُ بمحادثاتٍ جمعت الفنّانَين خلال دراستهما في "المعهد الهولندي للفنون" بمدينة أرنهيم، الذي تخرّجا فيه بماجستير في الفن سنة 2018؛ حين كانا يتبادلان الكلمات المشتركة، قبل أن يُفكّرا بجمعها في كتاب. وهكذا انطلق المشروع بعشرين كلمةً ليصل اليوم إلى 210 كلماتٍ، وهو عددٌ مرشّحٌ للارتفاع.

في حديثه إلى "العربي الجديد"، يقول أبو أسعد إنَّ الهدف من المشروع يتمثّل في "وضع مرجعٍ يُعنى بالكلمات المشتركة والمتقاربة بين اللهجة الفلسطينية واللغة التركية، خصوصاً أنّ ما هو متاحٌ من مراجع يركّز على العربية الفصحى وما انبثق منها من تعابير دينية؛ مثل "الحمد لله" في التركية، أو كلمات ترتبط بفترة الحكم العثماني في فلسطين مثل "فرمان"، بينما يستثني اللهجات المحكية في البلاد العربية، ومنها اللهجة الفلسطينية".

علاء أبو أسعد

يلفت أبو أسعد إلى أنَّ المشروع يشتغل على الكلمات التي يجري تداولها يومياً دون أن تُدوّنها المراجع الأكاديمية واللغوية غالباً، بسبب وجودها ضمن منطقة "التاريخ الشفاهي" (oral history)، وإن كانت بعض المراجع قد دوّنت كلماتٍ شهيرةً مثل "طُز"، وهي كلمةٌ تركية تعني في الأصل "الملح"، لكنّها اكتسبت معنىً غير لطيف في اللهجة الفلسطينية (ولهجات عربية أُخرى)؛ إذ كان المزارعون خلال الحُكم العثماني يخفون محاصيلهم خلف أكوامٍ من الملح، لأنه معفىً من الضرائب، ثمّ يقابلون الجباة بتلك العبارة التي تعني: "لا يوجد لدينا غير الملح".

يُشير المتحدّث إلى كلمةٍ أُخرى هي "حُرمة"، التي تعني في المحكيات العربية "امرأة" بينما تعني في التركية "التمر"، قائلاً إنّ مثل هذه الكلمة قد تُسبّب مواقف محرجةً أحياناً، كأن يطلب تركيٌّ من عربيٍّ "حرمةً" ليتذوّقها.

المشروع عبارةٌ عن كتابٍ سمعي بصري يتضمّن رسوماتٍ رقميةً أنجزها الفنّانان نفسهما، مع كتابة معناها في اللهجة الفلسطينية واللغة التركية وإرفاق ذلك بتسجيلٍ صوتي. هنا يوضّح المتحدّث: "كان من المتعذّر رسم بعض الكلمات المجرّدة مثل عِشق وحضور، لكنّنا أدرجناها جميعاً. ومن جهة أخرى، ثمّة كلمات لها معانٍ مختلفة رسمناها مرّتَين بحسب المعنى".

أولوفير تشِليكيتضمّن العملُ أيضاً ثلاث مقدّماتٍ تضيء فكرته، من النواحي اللغوية والفنية والأدبية والثقافية والتاريخية والسياسية، أنجزها كلّ من الباحثة في فنّ الأداء هيباتيا فولروميس، ومؤرّخة وقيّمة الفن المعاصر روث نواك، والكاتب المصري هيثم الورداني.

يأخذ الكتاب شكلاً فنّياً، لكنه يرتكز في الأساس على عملٍ بحثي. عن ذلك يقول أبو أسعد: "كلّ عمل فنّي بالنسبة إلينا هو عمل بحثي، أو أنّه على الأقلّ يتطلّب بحثاً. إضافةً إلى ما سبق ذكره، يهدف المشروع إلى التشكيك في معنى البحث وكيفية إجرائه؛ إذ لا يأخذ مساراً واحداً ومحدّداً في إدراج المعلومات والتوصّل إلى الاستنتاجات بطريقة ميكانيكية".

يُذكر أنّ علاء أبو أسعد من مواليد مدينة الناصرة في فلسطين، حصل على بكالوريوس في التصوير من جامعة القدس، وعمل في مؤسّسات فلسطينية من بينها "المتحف الفلسطيني" في بيرزيت، قبل أن يكمل دراسته في هولندا حيث يُقيم اليوم.

أمّا أولوفير تشِليك فتخرجت في قسم الهندسة المعماريّة بجامعة إسطنبول، وحازت ماجيستير في الفنّ من "المعهد الهولندي للفنون".

المساهمون