عجز الأطبّاء في مصر... موسم الهجرة إلى السعودية

04 ابريل 2019
الصورة
ضعف الإمكانات الطبية أحد أسباب هجرة الأطباء(فرانس برس)

فوجئت الستينية المصرية نبيلة محمود بعدم وجود بديل لطبيبها المعالج، أستاذ الغدد الصماء والسكر الدكتور شريف إبراهيم، الذي اعتادت الذهاب إليه في مشفى التأمين الصحي برمسيس، لمتابعة مرض الغدة الدرقية، ما تسببب في أزمة للحالات التي كانت تتابع مع الطبيب، إذ أبلغتهم إدارة المشفى بعدم وجود بديل له بعد انتهاء تعاقده، ما أجبرها على الذهاب إلى أحد مشافي التأمين الصحّي بمحافظة الجيزة، بعدما فشلت في إيجاد التخصص المطلوب في مشافي التأمين الصحي في القاهرة التي تسكن بها في منطقة حلمية الزيتون.

ولا تمتلك نبيلة مقدرة مالية تمكّنها من العلاج على نفقتها كما قالت لـ"العربي الجديد"، مضيفة أنها وغيرها من المرضى الذين خرجوا على المعاش من الفئة التي لا تتجاوز قيمة راتبهم التقاعدي 1200 جنيه (70 دولاراً أميركياً)، غير قادرين على العلاج لدى الأطباء خارج مستشفيات التأمين الصحي نظراً لفقرهم، متسائلة: "هل بعد خدمة البلد طيلة هذه السنوات يكون جزاؤنا هذه المعاملة والبهدلة بحثاً عن الطبيب".

ولا تقتصر أزمة العجز في أعداد الأطباء على القاهرة، إذ تتفاقم في مشافي الصعيد كما يقول الخمسيني حسين القناوي، الذي يقطن في مدينة إسنا بمحافظة قنا (جنوب العاصمة بنحو 600 كيلومتر)، موضحاً أن قريته "كيمان المطاعنة" يصل تعداد سكانها إلى 23927 نسمة، وفيها مشفى يسمى "التكامل" لكنه يفتقر إلى الأطباء بشكل دائم، وحتى الموجودون بعضهم يوقع في الصباح لإثبات حضوره ثم ينصرف إلى عيادته، ليقتصر الوجود على طبيب ممارس عام وآخر طبيب طوارئ، في حين تختفي بقية التخصصات وهو ما يتكرر في مشافٍ أخرى، نتيجة هجرة الأطباء للخارج واستقالتهم من أجل العمل بالمشافي الخاصة، وفق تصريحات مسؤولي وزارة  الصحّة.

%60 من الأطبّاء المصريين يعملون في السعودية

يقل عدد الأطبّاء في مصر عن المعدل العالمي لعددهم مقارنة بالسكان، إذ يوجد 10 أطبّاء لكل 10 آلاف مواطن، بينما المعدل العالمي 32 طبيباً لكل 10 آلاف مواطن، بحسب إفادة الدكتورة حنان جرجس الخبيرة السكانية ونائب رئيس المركز المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة"، التي تؤكد أهمية مضاعفة عدد الأطباء ليصل حتى 5 أضعاف المعدل الحالي، لافتة إلى أن عدد الأسرّة في المستشفيات يقدّر بسرير ونصف لكل ألف من السكان، بينما تحتاج مصر إلى مضاعفة هذا العدد 4.5 مرات حتى تصل إلى المعدل العالمي.

ويمكن فهم أحد أسباب المعدل المتدني السابق، في ضوء أن عدد الخريجين من كليات الطبّ لا يتناسب مع عدد السكان، بحسب تصريحات الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة والسكان أمام مجلس النواب المصري في سبتمبر/ أيلول الماضي، التي أكدت فيها أن مصر بها 103 آلاف طبيب لـ100 مليون مواطن، وأن 60% من الأطباء المصريين سافروا للعمل في السعودية، وهو ما تؤكده إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء الصادرة عن عام 2016، التي كشفت أن 80 ألف طبيب يعملون في مستشفيات ووحدات مديريات الصحة والمستشفيات والمعاهد التعليمية، ويزيد العدد السابق عن عدد الأطباء المصريين العاملين في السعودية بـ15 ألف طبيب، بحسب الدكتور هشام شيحة الملحق الطبّي بالسفارة المصرية بالسعودية سابقاً، ووكيل أول وزارة الصحة الأسبق، الذي قال في تصريحات صحافية بأن عدد الأطباء المصريين في السعودية بلغ 65 ألف طبيب في نهاية عام 2017، إضافة إلى 25 ألف صيدلي.

ويبلغ إجمالي عدد الأطباء المصريين العاملين بالخارج 100 ألف طبيب، يسدد كل منهم 1000 دولار سنوياً نظير التأمينات والمعاشات بمتوسط مئة مليون دولار، إضافة إلى تحويل مدخراتهم إلى داخل مصر وهي ما لا تقل عن 3 مليارات دولار سنوياً، بحسب تصريحات الدكتور أحمد حسين عضو مجلس نقابة الأطباء.


موجة استقالات

تقدم 6300 طبيب وطبيبة باستقالاتهم من العمل في وزارة الصحة منذ عام 2016 وحتى اليوم، وفق ما أكده الدكتور محمد عبد الحميد أمين صندوق نقابة الأطباء في تصريحات خاصة، محذراً مما سماه الوضع المأسوي للأطباء، قائلاً: "هؤلاء خلافاً لمن ترك الوزارة وسافر إلى الخارج سواء تقدم بإجازة أو لم يتقدم وسافر، من أجل تحسين دخله".

وارتفع عدد الأطباء المستقيلين من 1044 طبيباً خلال عام 2016، ليصل حتى 2049 طبيباً في 2017، وازداد إلى 2397 طبيباً في عام 2018، وهي موجة استقالات تهدد مهنة الطبّ في مصر إذا استمر الحال على ما هو عليه، كما يقول الدكتور محمد عبد الحميد لافتاً إلى أن "مشاكل الأطبّاء كثيرة منها ضعف الرواتب، وإمكانات المستشفيات المتواضعة، وعدم حماية الطبيب أثناء عمله".

الوضع السابق دفع الدكتورة منى مينا الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، لدق ناقوس الخطر قائلة: "زيادة المرتبات وبدل العدوى ليست مجرد مطالبة، لكنها حق أصيل وضروري للأطباء لما يواجهونه من مخاطر".

ولا تزيد رواتب الأطباء بعد تخرجهم وتعيينهم في وزارة الصحّة عن 3 آلاف جنيه (173 دولاراً أميركياً)، ورغم أن القانون يسمح لهم بفتح عيادات خاصة لتحسين الدخل، إلا أن تكلفة تجهيز وفتح عيادة كبيرة كما يقول الدكتور طارق كامل عضو مجلس نقابة الأطباء، في تصريحات صحافية موضحاً أن "ضعف الرواتب يدفع النسبة الكبرى من الأطباء إلى السفر والهرب إلى دول الخليج للعمل هناك، فلا يعقل أن تجد أستاذاً جامعياً قارب على الستين عاماً، وله من الخبرة والكفاءة الطبّية العالية ولا يتقاضى غير 10 آلاف جنيه".




التخصصات الحرجة والنادرة

جانب آخر لظاهرة عجز الأطباء يراه الدكتور كريم مصباح، عضو مجلس نقابة الأطباء الذي وثق استقالة 593 طبيباً بشرياً من وزارة الصحة خلال الأشهر الثمانية الماضية، قائلاً "إنّ هذا معناه أن هناك 75 طبيباً يتقدمون باستقالاتهم كل شهر، والعدد في ازدياد، كما أن معظم هؤلاء الأطباء من التخصصات الحرجة والنادرة. وخلال عام أو عامين، سنكتشف أن هناك نيابات وتخصصات كاملة لم يخترها شباب الأطباء، ما قد يحول أكبر مستشفى حكومي لمركز صحّي ريفي بدائي دون هذه التخصصات ومنها الرعاية المركزة والطوارئ"، وهو ما يتفق معه الدكتور أحمد زهران ‎الأمين العام لنقابة الأطباء بالدقهلية، الذي قال في تصريحات صحافية أن نسبة أطباء الطوارئ والعناية المركزة والتخدير بين المستقيلين كبيرة جداً، وهؤلاء يجدون فرصاً وظيفية في الخارج، في مقابل راتب يتراوح من 3000 دولار ويصل حتى  10000 دولار شهرياً، أي 100 ضعف مرتبه في مصر، وفق ما يقوله الدكتور محمد سلامة عضو مجلس نقابة الأطباء، قائلاً: "أي طبيب مصري يستطيع السفر للخارج بكل سهولة سواء شرقاً أو غرباً، كل ما هو مطلوب منه شهادة معادلة أو زمالة أو لغة، وبعض هذه الشهادات لا يستغرق مدة الدراسة والحصول عليها سوى 6 أشهر".

ولا تقتصر أسباب السفر على الرواتب المتدنية بحسب الدكتور إيهاب الطاهر، عضو مجلس نقابة الأطباء، الذي قال في تصريحات خاصة إن "بيئة العمل وعدم توافر الإمكانيات والمستلزمات الطبية، وأخيراً عدم وجود قوانين تحمي الطبيب في أثناء عمله أسباب هامّة لهجرة الأطبّاء المصريين". محذراً من "العجز الشديد في تخصصات طبّ الطوارئ والرعاية المركزة، لأن أطباءها يفضلون السفر إلى الخارج". مشيراً إلى أن "ما تقدمه وزيرة الصحّة من حلول عبر مخاطبة المشاعر والعواطف الوطنية من قولها: "إن الدولة قامت بتعليم الأطباء مجاناً فيجب عليهم رد الجميل"، لا يعدّ حلاً للمشكلة لأنّ الطبيب لديه مسؤوليات كما أن الحكومة لا تستخدم نفس هذه المقولة مع كافة فئات المجتمع فلماذا تستخدمها مع الأطباء؟"، وتابع: "ما طرحته وزيرة الصحّة من زيادة عدد كليات الطبّ لا يعدّ حلاً، لأن الطبيب حتى يتم تأهيله لمباشرة المرضى يجب أن يدرس فترة 7 أعوام ومثلها 7 أعوام أخرى في التدريب والدراسات العليا، وبعد مرور هذه الفترة إذا ظلت الظروف مثل التي عليها حالياً فهؤلاء الأطباء سيقومون بالسفر للخارج أيضاً".


ما الحل؟

تدعو الدكتورة حنان جرجس إلى وضع حوافز للأطباء، لتشجيعهم على العمل بالمستشفيات الحكومية وداخل البلاد لسدّ العجز الحالي، وهو ما يتفق معه الدكتور إيهاب الطاهر قائلاً: "يجب زيادة الأجور وتحسين بيئة العمل، وتوفير المستلزمات والأجهزة الطبّية، ووضع قوانين تحمي أعضاء الفريق الطبي أثناء عمله". وشدد على "ضرورة وجود قوانين متابعة لعمل الأطباء، تقيّم ما يقوم به الطبيب طوال فترة عمله اليومي من مباشرة المرضى، وهل اتبع بروتوكول العلاج الصحيح أم لا، بدلاً من تفقد المحافظين والمسؤولين لحضور وغياب الطبيب".