عباس فاضل (2/ 2): "السينما هي الإيقاع والفضاء مجتمعان"

15 نوفمبر 2019
الصورة
فاضل: لا للمسافة بل لعيش الحدث (بير ماركو تاكا/Getty)
+ الخط -
في الجزء الثاني من حوار "العربي الجديد" معه، يتابع المخرج العراقي عباس فاضل سرد حكاياته مع السينما والأفلام، ويتناول أحوال العالم والفن، والمقبل من الأيام.

هل هناك شيء من التطيّر في هذا؟
لا. هذا ليس تطيّرًا، بل أسئلة وجودية. ماذا كنتُ سأصبح عليه لو لم أختر المجيء إلى فرنسا لدراسة السينما؟ ليس سهلا على العراقي أن يختار دراسة السينما، وأن يُكرّس حياته لصنع أفلام في بلد لم تعد توجد فيه صالات سينمائية. لا يتمّ عرض أفلامي في العراق. عمليا، العراق من البلدان القليلة التي لم تُعرض فيها أفلامي. هذا ليس خيارا سهلا. كان يمكنني أن أصبح وزيرا أو سفيرا. لدينا، كلّ في حياته، فرصا لاتّخاذ خياراتٍ، حاسمة أحيانا، وخطرة أحيانا أخرى. آمل أن أكون اتّخذت الخيارات الصحيحة.

دعنا نذهب إلى "وطن: العراق سنة صفر" (2015). هذا يسمح لي بالتحدّث عن إعداد الفيلم الوثائقي في تصوّرك. نقول دائما إنّ الفيلم الوثائقي هو ثمرة لقاء عشوائي مع الواقع. لكنّي أتصوّر أنّ هناك شيئا من الإعداد قبل بدء تصويره.
لا. ربما الحدّ الأدنى، في الواقع. نشرت قولا لشانتال أكرمان على "فيسبوك"، عندما اقترحَتْ موضوعا وثائقيا. حينها، كان تييري غاريل مديرا للوثائقيات في "آرتي" (بين عامي 1988 و2008 ـ المحرّر). شخص جيد حقا. طلب منها ما يُسمّى بـ"تصريح نوايا"، يشرح ما يريد المخرج القيام به، وكيفية القيام به. أجابت أكرمان: "إذا كنتُ أعرف ما أريد فعله، وكيف أقوم به، فلن تعود عندي رغبة في القيام به". هذا هو الفيلم الوثائقي. مثلا، أنا هنا في الدار البيضاء. إذا كنتُ أرغب في عمل فيلم، سأحمل كاميرا، وأتوجّه إلى السوق، وأجد أشخاصا، وأتحدّث إليهم. لأجل هذا تصلح الأفلام. لكن، إذا قلتُ: "سألتقي بائع القفاطين، وسأطرح عليه هذه الأسئلة، وسيجيبني بهذه الطريقة"، إلخ، يفقد الفيلمُ أهميته.

المشكلة أنّهم يطلبون منّك أن تكتب سيناريو لفيلم وثائقي. هذا عبث. الآن، يُجيبك مسؤولو المؤسّسات والقنوات التلفزيونية والمنتجون، عندما تقدّم لهم موضوعا: "نريد سيناريو، وموجزا طويلا أو قصيرا". لكن، بحقّ الآلهة، ماذا يعني ملخّص طويل لمشروع وثائقي؟ لا أستطيع فعل ذلك. لذا، أصبحتُ منتج أفلامي، لأتجنّب هذا. ينتظرون منك أن تكذب، وأنا لا أريد أن أمضي وقتي في الكذب.

تحافظ أيضا على الجانب اللعوب، الذي يتكرّر كثيرا في أفلامك، على غرار تلك اللحظة السحرية في "عودة إلى بابل" (2002)، حيث تتابع الأطفال بالكاميرا الخاصة بك، ونسمع ضحكك الطفولي الذي يمتزج بضحك الأطفال.
نعم . كنتُ سعيدا.

هل تهتم كثيرا بهذا الجانب اللعوب في أفلامك؟
نعم بالتأكيد. اخترتُ السينما حبّا بها. لا أستطيع إنجازها إلّا بدافع الحب. سعيد بن سعيد، المنتج الكبير، اتصل بي، وعندما التقينا، أعطاني كتابا لأقرأه. هو يعمل هكذا. عندما يعثر على كتابٍ جيد، يبحث عن مخرجٍ يتوافق مع موضوع الكتاب، ويعرضه عليه. يحلم كلّ مخرج سينمائي في العالم بأن يعرض عليه سعيد بن سعيد موضوعا. طلبتُ منه أسبوعا لقراءة الكتاب، والتفكير به. وجدتُ أنّ الموضوع مثير للاهتمام. له علاقة بالإسلام، وبالمشاكل الراهنة، لكنّه ليس لي. لم يؤثّر بي، ولم أشعر أني سأخصّص له عامين أو 3 أعوام من حياتي. كان يُمكنني الحصول على مالٍ كثير، كما أنّ أفلام بن سعيد تذهب بسهولة إلى مهرجانات كبرى، كـ"كانّ" وغيره. قلتُ له هذا، فاحترمني أكثر.

أضف إلى ذلك، أنّي كنتُ سأشرع في تصوير "يارا"، وشرحت له أنّي لست بحاجة إلى سيناريو أو منتج، فتفهّم ذلك جيدا. ظللت الطفل البالغ من العمر 5 أعوام. أجد هذه البراءة فيك أيضا بالمناسبة. الحبّ الكبير والصافي للسينما، من دون حسابات. هذا نادرٌ اليوم، لأنّ هناك ضغوطا سياسية، وإغراءات شهرة ومال ونجومية، وأشياء أخرى. أحاول تجاهل هذا كلّه.

الجيّد أنّك جرّبت وتخلّصت من هذه الإغراءات، مع أول فيلمين لك، الوثائقي والروائي. لأنّ المرور في هذا، ورفضه، يختلف عن أمر شخص يرفضه من دون اختباره. نتعلّم دائما شيئا، حتّى من التجارب التي لا نحبّها.
نعم بالتأكيد.

ما أعجبني في "يارا"، أنّه يأخذ الوقت للالتصاق بإيقاع القرية، والإيقاع برأيي أهم شيء في السينما.
السينما هي الإيقاع والفضاء مجتمعَان. عندما تتاح لك الفرصة لإحساسٍ جيّد، ولالتقاط هذين البعدين، فهذا رائع.

كيف تحصل على إيقاع أفلامك؟
الأمر حسيّ إلى حدّ ما. شيء أحاول الحصول عليه أثناء التصوير، وأحاول إعادة خلقه أثناء المونتاج. بالنسبة إلى "يارا"، صوّرنا كثيرا لقطات طويلة متواصلة، وبكاميرا محمولة على الكتف. مثلا، مشهد يارا مع جدّتها في المطبخ، مقطوعٌ 3 أو 4 مرات. في الواقع، تمّ تصويره لقطة واحدة. لكنّي كنتُ أتحرّك في الفضاء لأحصل على خيارات مختلفة للقطع أثناء المونتاج. هذا صعب بعض الشيء، لأنّ المشهد مرتجَل، ما حتّم عليّ منحهما حرية الكلام. لم أكن أعرف كيف أدير حركاتي وفقا لمن يتحدّث. عندما يكون هناك توقّف لثوانٍ، أتحرّك بسرعة من دون إزعاج الممثّلتين، لكي لا تشعرا بحضوري. هذه رياضة أيضا، وأداء بدني، أنْ تحمل الكاميرا بنفسك. وأيضا كيف تتجنّب عدم ظهور الميكروفون في الصورة، وكيف لا يكون هناك انعكاس لظلّ الفريق عليها. لكن هذا يصبح طبيعيا، تقريبا، مع مرور الوقت.




إنّها تقنية تعلّمتها من جان روش، ومارستها كثيرا في "وطن..."، الذي، كما تعلم، يحدث في مساحة محصورة داخل البيت، مع أشخاص عديدين، وهذا لا يترك أي مجال للخطأ في التأطير. في كلّ ثانية، كان هناك شيء مهمّ يحدث، وعليك تأطيره. ليس الشيء المجاور أو المقابل له. عليك أن تكون متنبّها للغاية طول الوقت، وفي اندماج كامل مع ما تصوّره.

لكن، مع كونك أنتَ من يحمل الكاميرا، ألا يوجد خطر فقدان المسافة اللازمة مع ما يحدث؟
لكنّي لا أريد أي مسافة، بل أنْ أعيش ما يحدث. بالنسبة إليّ، السينما هي الحياة. لا أفهم كيف لا يُصوّر المخرج بنفسه، ولا يؤطّر بنفسه، ولا يولِّف أفلامه بنفسه. الرسّام لا يعطي الفرشاة لشخصٍ آخر كي يرسم بدلا عنه. لا يسمح لأي شخص آخر باختيار اللون بدلا عنه، بل يقوم بالعمليات كلّها حتى النهاية. الكاتب كذلك. لماذا يتعيّن على المخرج السينمائي أن يفوّض آخرين بتحقيق جزء من الاشتغال الفني، بحجّة أنّ السينما صناعة؟

هذه أعمال تتعلّق بالخلق، وليست تقنية كما يدّعي البعض. أحيانا، تجد أمثلة جيّدة للغاية عن التعاون بين مخرج ومدير تصوير، مثلا. لكنّي لم أعثر على هذا بعد. كما أنّي لا أستطيع تحمّل التكاليف. إذا تولّيت التصوير بنفسي، فلأسباب اقتصادية أيضا. أحاول القيام بأقصى حدّ من المهمّات بنفسي. بالنسبة إلى الصوت، بدأتُ تدريب نور (نور بلّوق، زوجة عباس فاضل، ومنتجة "يارا" - المحرّر)، التي سجّلت معظم صوت "يارا".

في الواقع، تُصنع قصص كثيرة عن السينما، خاصة من السينمائيين أنفسهم. "مهنيّو المهنة"، كما سمّاهم جان ـ لوك غودار، يحاولون عبرها إعطاءك انطباعا بأنّ السينما معقّدة للغاية، وأنّك تحتاج إلى الدكتوراه، أو إلى العمل كمساعد مخرج 15 عاما، كي تصبح مخرجا. لكن، في الحقيقة، إذا توفرّ لديك الشغف والأذن الصاغية، يمكنك أن تتعلّم بسرعة.

كيف تمكّنت من إدارة الأشخاص الذين يؤدّون أدوارا تشبه حياتهم، خاصة عندما يمثّلون مع محترفين؟
بالنسبة إليّ، هذا طبيعي للغاية. لم أتصوّر أبدا الفيلم مع ممثلين محترفين. إحضار ممثلين من بيروت لتأدية أدوار فلّاحين، يبدو لي غريبا. شاهدْتَ الجدّة. لا توجد ممثلة في العالم يمكنها أن تكون حقيقية مثلها. هي هناك، كما الأشجار هناك. هي في مكانها. الصعوبة هي في جلب هؤلاء نحو شيء من التخييل. هذا يعني شيئا مختلفا عمّا همّ عليه. لا يمكنهم القيام بذلك. بالنسبة إليهم، الأمر مُعقّد. لكن هذا ليس هدفي. فهدفي أنْ أكون أقرب إلى الواقع.

إذا اخترتُ مكانا ما، فلا بدّ أنْ أحصل على المكان كلّه، مع الأشخاص الذين يعيشون فيه، وليس إحضار شخص للتمثيل على الطريقة الهوليوودية.

أخيرا، ربما يكون الأمر أقل تعقيدا من أن تلقّن ممثلا محترفا كيف يؤدّي دور فلاح. عانيت هذا في "فجر العالم". هذه إحدى عيوب النظام الكلاسيكي، الذي يفرض ممثّلين ذوي شهرة عالمية لتأدية الأدوار.

آخر سؤال عن "يارا"، يخصّ وجود سمة متكررة أيضا في السينما الخاصة بك: الرغبة في التقاط ما اختفى، أو ما هو في طور الاضمحلال.
نعم. هذا هاجس بالنسبة إليّ: الاحتفاظ بآثار. لديّ شعار: "أنْ تنظر وتحتفظ". لماذا أنا مهووس بهذا؟ ربّما لأنّي أنتمي إلى جيل من الناجين. 80 بالمئة من أصدقاء طفولتي ماتوا، أو فُقدوا خلال الحروب. في "عودة إلى بابل"، أبحث عن مسقط رأسي، فأجده مختفيًا. مدرستي في حالة خراب. هذا كلّه يعطيني الرغبة، أو الحاجة إلى التصوير، قبل اختفاء الأشياء، لأنّي أدرك الآن أنّ كلّ شيء يضمحل، وأنّ لا شيء يدوم. هذا كلّ شيء. "أن تنظر وتحتفظ"، دائما. لذا، أنشر الصُوَر التي ألتقطها، كلّما ذهبت إلى مكان ما في العالم.

أخيرا، لنقل بضع كلمات عن فيلمك الأخير، الذي عُرض مؤخّرا في "مهرجان نيويورك"، ما يتيح لنا التقرّب من نهجك الخاص في تقفّي الأفكار وراء أفلامك، لأنك تصوّر غالبا شيئا ما، فتنجذب فجأة إلى شيء آخر.
في الحقيقة، بعد "يارا"، كنتُ أرغب في إنتاج فيلم روائي تدور أحداثه في سهل البقاع (لبنان). بالنسبة إليّ، لقاء مكان، وأشخاص يعيشون فيه، يُثير الرغبة في إنتاج فيلم. بعد "يارا"، كنا نعيش في قرية، هي الأقدم في لبنان، تسمّى "دير القمر"، حيث صوّر يوسف شاهين مَشاهد من فيلمه "المصير". إنها إحدى القرى القليلة التي تُحافظ على الطابع العتيق: منازل حجرية رائعة، مساجد، إلخ. لذا، قرّرنا الإقامة هناك. كنا نتجوّل في السيارة بنواحيها، فاكتشفنا وادي البقاع. هذا مذهل.

لبنان بلد جبلي. تجد غالبا وسط الجبال سهلا شاسعا يُثير الإعجاب. تقود سيارتك في طريق مستقيمة، على جانبيها الأشجار، وتلوح الجبال في الأفق. المنظر بديع. قلت لنفسي إنّه يجب عليّ إنتاج فيلم هناك. كان العثور على الموضوع ضروريا. الموضوع يأتي بسهولة. تخيّلت اقتباسا ما لـ"ساعي البريد يرنّ دائما مرّتين". فتاة تعمل في محطة وقود في سهل البقاع، تلتقي شخصا غريبا، هو في الواقع لاجئ سوري، لأنّي أردتُ أيضا أن ترتبط القصّة بالراهن اللبناني.

برفقة نور، بحثت عن أمكنة مناسبة، فعثرنا على محطة الوقود، وصوّرناها. لكن، في الأيام الثلاثة التي اكتشفنا المكان فيها، مررنا أمام مخيم للاجئين، على جانب الطريق، تمرّ أمامه السيارات بسرعة كبيرة، من دون توقّف. كان الجو باردا، والثلج يتساقط على الجبال. فكّرنا: "لكن، كيف يعيش هؤلاء الناس؟". التقيناهم وتحدّثنا معهم، من دون فكرة صنع فيلم، فقط لمجرّد الفضول. تأثّرنا بهم فورا، خاصة مع الأطفال الذين حضروا اللقاء. قلت لنفسي: "لن أضيع وقتي في إنجاز (ساعي البريد يرنّ دائمًا مرّتين). النسخة لبنانية، وهؤلاء الناس يستحقّون منّي أفضل من ذلك". بعد أسبوع تقريبا، بدأنا التفكير في عمل الفيلم. ذهبنا إلى هناك كلّ يوم، والتقينا الناس، وانتهى المطاف بنا بإنجاز الفيلم، بموافقتهم وثقتهم.