طلاق بالثلاثة بين "النهضة" والسلفيّين في تونس

طلاق بالثلاثة بين "النهضة" والسلفيّين في تونس

16 مارس 2014
الصورة
من تحركات السلفيين في القيروان عام 2012 (فتحي بلعيد)
+ الخط -

لم يكن زعيم حركة النهضة الاسلامية، الشيخ راشد الغنوشي، قاطعاً كهذه المرة في حديثه عن المسألة السلفية، حين رأى أن "السلفيين حمقى أطاحوا حكومتين". تصريحات أدت الى الاعتقاد، بوضوح، أن حركة النهضة حسمت أمرها مع التيار السلفي التونسي المتشدد، وقطعت بذلك الطريق امام كل محاولة احتواء او إقناع لأفراد هذا التيار بإلقاء السلاح والدخول في اللعبة السياسية.

 مع قيام الثورة في تونس، أطلق سراح جميع المعتقلين في إطار العفو التشريعي العام. وقد حرص معظم قادة حركة النهضة على استقطاب السلفيين وتحويلهم الى حلفاء، وعملوا في الفترة الأولى على رصّ الصفوف تحت خيمة "حماة الإسلام"، ومحاولة إقناعهم بالعمل السياسي بعيداً عن العنف.

وبدأت متاعب حركة النهضة مع السلفيين، عندما اعتبر هؤلاء أن تخلي الحركة عن اعتماد الشريعة الاسلامية في مسودة الدستور الجديد، "خيانة للمشروع الاسلامي، وتنازل غير مقبول للقوى الغربية والعلمانية". أما الخلاف الثاني، فيتعلق باعتماد الديموقراطية كنظام سياسي. وكان الخلاف الثالث الذي أفاض الكأس، لجوء "التيار الجهادي" الى استعمال العنف المسلح ضدّ أجهزة الدولة، وتصفية الخصوم العقائديين والسياسيين من خلال الاغتيال، وهو ما جعل "النهضة" تقرر الدخول في معركة حاسمة مع رافعي السلاح ضد الدولة.

ويرى المحلل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي، أن حركة "النهضة" دخلت في معركة "كسر العظم" مع الفصيل الجهادي في التيار السلفي، وهو ما عمّق الأزمة بين الطرفين، وكشف الطريق أمام باقي المنافسين السياسيين لحركة النهضة، لاتهامها بـ"ازدواجية الخطاب" و"التكتيك". ويرى الجورشي أن العلاقة بين "النهضة" والتيار السلفي فرضت نفسها بعدما انتقلت من "صيغة التعايش، وبعد فشل الطرفين في اخضاع أحدهما للآخر".

وكانت الاغتيالات السياسية وذبح الجنود وقتل الأمنيين هي الضربة القاضية للتحالف الحاكم الذي تزعّمته "النهضة"، ولهذا يعتقد جزء من "النهضويين" أن تيار"السلفية الجهادية" قد شارك بقسط وافر في إفشال تجربة النهضة في الحكم، وهو ما دفع بالغنوشي إلى اعتبار "أنهم (السلفيين) حمقى اسقطوا حكومتين".

  

سياسة الأيادي المفتوحة

يُجمع عدد من الفاعلين السياسيين والنشطاء في المجتمع المدني التونسي، على مسؤولية غير مباشرة لحركة النهضة في تضخّم وضع التيار السلفي في تونس بسبب ما اعتبروه "تساهلاً"، إذ قللت الحركة من خطرهم في البداية، بل وطالبت بـ"احترام مقدسات المجتمع التونسي" إبان الهجوم الذي قامت به مجموعات سلفية على معرض لوحات فنية في قصر العبدلية بضواحي العاصمة. في حينها، اعتبرت "النهضة" أن المعرض شكل استفزازاً للسلفيين، ولغيرهم من المتدينين. كل ذلك في سعي متواصل من "النهضة" لإقناع الفصيل السلفي بضرورة التفاعل "مدنياً"، بحسب عدد من المراقبين.

 

رسالة الظواهري وبداية المواجهة

يشير البعض إلى أن بوادر العنف السياسي في تونس بدأت ملامحها تظهر مع الرسالة التي وجهها زعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري، التي دعا فيها "أحرار تونس إلى نصرة شريعتهم"، بمثابة الضوء الأخضر للسلفية الجهادية في تونس، التي تضم عناصر تنتمي لـ"القاعدة". وتتالت أحداث العنف، فكان الهجوم على السفارة الأميركية في العاصمة تونس، وأسفر عن سقوط أربعة قتلى في 14 سبتمبر/أيلول 2012. ودافع الغنوشي عن استراتيجيات الاستيعاب التي اتبعتها "النهضة" في التعامل مع التيار السلفي في تونس منذ وصوله إلى السلطة، مفنداً الانتقادات التي وجهتها الاحزاب المدنية الى الحكومة بسبب ما اعتبرته "التغاضي" عن النشاط السلفي الذي رأت أنه يساهم في تفشي العنف.

ورغم اعتماد حركة النهضة سياسة "الأيادي الممدودة" بفتح حوار مع التيار السلفي، ازدادت أعمال العنف والتحركات بصورة مطردة بين العامين 2012 و2013. وبعد تأجيل المواجهة خوفاً من أن يؤدي القمع الى جنوح السلفيين نحو المزيد من التشدد، حسمت الحكومة أمرها، وبدأت بالتحرك تحت ضغوطات داخلية وخارجية لمواجهة العنف السلفي.

 

النهضة أكبر المتضررين من السلفيين

في آخر تصريحات له في وسائل الاعلام الاقليمية والمحلية، اعتبر الغنوشي أن حركته هي "أكبر المتضررين من الارهاب والسلفيين"، موضحاً أن حكومتي الائتلاف الحاكم الأولى والثانية مع حمادي الجبالي وعلي العريض، "أُسقطتا بسبب الأعمال الارهابية". وأكد الغنوشي أن السلفيين ليسوا "احتياطياً" عند الحركة، بل إنهم "تسببوا في أزمة في البلاد". كما اتهمهم بـ"جرّ البلاد الى دائرة العنف والفوضى بسبب حماقتهم وقلة حكمتهم". وقال الغنوشي، في آخر حوار أجراه مع إحدى الاذاعات المحلية، إن "لدى السلفيين فهماً خاطئاً للإسلام، فتصوروا أن الاسلام هو نفي للآخر، واستخدموا السلاح لحلّ الخلافات السياسية".

 

المساهمون