صيادو الكورنيش... طلب الرزق ينافس التسلية في بيروت

28 يونيو 2019
الصورة
الازدحام الأكبر عند المجرور (حسين بيضون)
"شو؟ بلحمة أو بدجاج؟" يسأل مسنٌّ من المشاة مسنّاً آخر من صيادي السمك على كورنيش المنارة في العاصمة اللبنانية بيروت، بكلام أقرب إلى المزاح عن الطُعْم الذي يستخدمه للحصول على السمك في عصر سبت حارّ.
يمدّ الآخر قصبة الصيد، أو الصنارة البلدية، من الرصيف الذي يعلو المياه بستة أمتار، والتي يضع في منتصف خيطها بلبلاً (فلين) وفي نهايته ثقالات من الرصاص، واثنين من الغدّارت (خطافات)، ويجيب أنّ النهار ناشف مهما كان الطُعْم.
لكنّ النهار ليس "ناشفاً" في أماكن أخرى من الجهة المطلة على البحر مباشرة، من الكورنيش نفسه، أي من عين المريسة إلى منارة بيروت البحرية، وهي مسافة تمتد نحو كيلومترين. وكورنيش المنارة هذا مكان معروف للتنزه والجري والركض وتنس الريشة، وبحره يستقبل كثيراً من السباحين ممن يجدون بين الصخور الناتئة مكاناً يجلسون فيه، أو يقصدون جزءاً منه معروفاً بشاطئه المفروش بالحصى.
وبينما يتفنن بعض هؤلاء في القفز إلى المياه من ارتفاعات مختلفة قد تصل إلى الرصيف نفسه، يغطس آخرون بالأوكسجين، أو من دونه، وبالبنادق البحرية أو من دونها، فيبحثون عن سمك وأخطبوط وصدف (محار وبطليموس) وتوتيا (قنفذ البحر) مما يفتقده كثيرون أخيراً في المكان، إذ تضاءلت كمياته السابقة لأسباب مختلفة لعلّ التلوث من بينها.
لكنّ السمة التي تكاد تكون الأبرز للكورنيش يمثلها الصيادون، بنوعي قصباتهم؛ البلدية التي جاء ذكرها، والمولينيت أو الماكينة أو البكرة، وهي التي يمكن أن يصل خيطها إلى مسافة بعيدة، لاستهداف أنواع مختلفة من السمك منها المرمور والشيليمون. ينتشر هؤلاء في كثير من الأماكن، أبرزها درج عين المريسة، والرصيف التحتاني عند مياه البحر تماماً، والصخور بالقرب من المنارة، والصخور المتناثرة على جهتي مسبح الجامعة الأميركية، لكنّ المكان الأكثر استقطاباً لهم هو مصب المياه الآسنة.
يقول الشاب، مدحت (29 عاماً) إنّه يصطاد السمك منذ 12 عاماً على الأقل. لا يأتي إلى المكان في غير يومي الإجازة الأسبوعية. هي هوايته التي يريح فيها رأسه من تعب العمل والأرقام الكثيفة المتداخلة في وظيفته الإدارية المتواضعة في إحدى جامعات العاصمة. لكنّه يرفض تماماً أن يصطاد عند المجرور (مصب المياه الآسنة): "الرائحة نتنة ولا أطيق الوقوف هناك خمس دقائق، فما بالك بالصيد وتناول السمك الذي يختلف طعمه تماماً عن السمك هنا!؟".



يشير مدحت إلى أنّ السمك نفسه، وهو المواصطة في معظمه، وهي السمكة الشهيرة بأشواكها والتي لا بدّ من إمساك رأسها لإخراج الغدارة منها، إذ إنّ مجرد لمس تلك الأشواك يسمح لسمّها المزعج جداً والمسبب للألم والتورم أحياناً، بالانتقال إلى اليد: "عند المجرور يخرجون سمكاً في كلّ مرة ينزلون خيطانهم إلى المياه، وهنا أنتظر فترة أطول بكثير كي ألتقط سمكة، لكنّي أعرف أنّها نظيفة قبل كلّ شيء، كما أنّي أمرر الوقت أساساً ولست أجمع المال من هذا النشاط".
أما محمود (38 عاماً) في المقابل، فلا يتسلى هنا، بل يحاول ما أمكنه أن يجمع المال لعائلته، وفي أسوأ الأحوال يحمل السمك الذي اصطاده من المجرور، ولم يتمكن من بيعه على الكورنيش، إلى المنزل ليبيعه لأحد الجيران، أو يأكله مع زوجته وأطفاله: "أبيع الكيلوغرام الواحد بخمسة آلاف ليرة (3.33 دولارات أميركية) وأحياناً بسبعة (4.66 دولارات)... نعمة كريم".
صيد المواصطة هو الأغلب على الصخور، لكنّ الأنواع الأخرى التي تخرج بالقصبة البلدية تتنوع ما بين سرغوس ويستخدم لصيده طُعْم القريدس (جمبري) أو الصبيدج أو حتى العجين مع الزبدة، وغبّص، وزلّيق، وخنزير بحر، ولقز وبوري بحسب الموسم. يؤكد أحد الصيادين بعيداً عن المجرور، بينما ينتظر بصبر سمكة سرغوس يضع لها بعض الزبدة في العجينة التي حضّرها في المنزل من الخبز الجاهز والدقيق والماء، لافتاً إلى أنّ أكبر سمكة اصطادها في حياته هنا كانت "بوري وزنها 2 كيلوغرام".




السمكة الأكثر إزعاجاً هي المنفاخ، ذات الأسنان الحادة التي لا يجرؤ كثيرون على إخراج غداراتهم من فمها، حين يلتقطونها من دون رغبة في ذلك. فهذه السمكة التي يمكن أن تنفخ نفسها، يرميها كثيرون أو يعطونها لغيرهم، والسبب انتشار معلومة أنّها سامة. لكنّ مدحت يأكل لحمها، وقد أجرى تجارب قبل ذلك، كما يقول، إذ أطعم سمكة منها لقطّ فمات، لكنّه عندما قرأ عن الأمر وعلم أنّ في إمكانه أكلها بعد إزالة الرأس والأحشاء جميعها، جرب ذلك على قط أيضاً، فأكلها ولم يصب بشيء، وهكذا تأكد هو نفسه من سلامة الأمر.
صياد آخر، هو الستيني السوري، سلمان، يقول إنّه يتمنى أن يصطاد الكثير من أسماك المنفاخ هذه، إذ إنّه عدا عن أكلها، بات لديه زبون ينتظره انتظاراً لشراء جميع ما معه من منافخ: "في المرة الأخيرة أعطاني خمسة وثلاثين ألف ليرة (23.33 دولاراً) ثمناً لثلاثة كيلوغرامات تقريباً".

دلالات