صلاح هنية: ‏إصرار على مكافحة الفساد الغذائي

25 يناير 2015
رئيس جمعية حماية المستهلك صلاح هنية (العربي الجديد)
+ الخط -
ترتفع كل فترة صرخات المستهلكين الفلسطينيين ضد الأغذية الفاسدة، والمنتجات المهربة من المستوطنات. ويؤكد رئيس جميعة حماية المستهلك الفلسطيني صلاح هنية على محاربة هذه الظواهر، لافتاً الى وجود الكثير من المعوقات
وهذا نص المقابلة:

*هل من غطاء قانوني للمستهلك الفلسطيني؟ 
يتمتع المستهلك الفلسطيني بحقوق حمائية، إذ يتم تطبيق قانون حماية مستهلك عصري يحمل ‏الرقم 21 لعام 2005، ويغطي بشمولية قضايا المستهلك المحورية. وتتمثل هذه القضايا بضرورة إشهار الأسعار، ومحاربة الغبن ‏التجاري والغش والتلاعب بالأسعار والأغذية والسلع. وينظم القانون آلية حماية المواطنين، من خلال تأسيس جمعية ‏حماية المستهلك، والمجلس الفلسطيني لحماية المستهلك، ويتيح للجمعيات رفع قضايا نيابة عن المستهلك دون أي ‏حاجة لتوكيل كونها جمعيات تمثيلية، ويركز على قضايا تنسيقية بين الجمعية والقطاع العام‎.‎
والجانب الثاني الإيجابي، ورغم حداثة عمر جمعية حماية المستهلك الفلسطيني، ورغم ضعف مواردها المالية إلا أنها ‏استطاعت تحقيق إنجازات، واستطاعت الضغط والتأثير على العديد من القرارات الحكومية بما يضمن حقوق المستهلكين.

‎*لكن، هل القانون والجمعية يردعان الغش والفساد فعلاً؟
لدينا ثغرات في ما يتعلق بالملاحقات القانونية. حيث لا يوجد عقوبات رادعة ضد مروجي الأغذية الفاسدة والمتلاعبين بسلامة الغذاء. ولا تطال العقوبات ممارسة بعض ‏مظاهر الاحتكار الجماعي لتحديد سعر سلعة ارتفاعاً، كما حدث في سلعة الارز مثلاً. وبدلاً من اعتماد المادة 27 في قانون ‏المستهلك المتعلقة بالعقوبات، يتم اعتماد قانون العقوبات عام 1960 الذي ينص على عقوبات مخففة ولا تتناسب مع تقدم ‏الجرائم الاقتصادية.

*ما هي الأسباب الكامنة وراء غياب الرقابة الفاعلة؟
يعودُ غياب الرقابة الفاعلة في السوق الفلسطينية، إلى نقص الكوادر البشرية في الفرق الرقابية التي تحمل صفة الضابطة القضائية. وأيضاً نتيجة تشابك السوق الفلسطينية مع السوق الإسرائيلية، حيث يسيطر الاحتلال الإسرائيلي على المناطق المصنفة قسراً (ج). الأمر الذي يتيح لضعاف النفوس من التجار، القيام بعمليات تهريب لسلع ومنتجات اسرائيلية سيئة النوعية، وبيعها في السوق الفلسطينية بشكل غير قانوني.
ونظل رغم ذلك، مصرين على رفض المبررات بغض النظر عن واقعيتها، سواء أكانت تتذرع بوجود الاحتلال الإسرائيلي، أو بسهولة عملية التهريب، وبالتالي تحويل السوق الفلسطينية إلى مكب نفايات للسلع الاسرائيلية الرديئة.
ونعمل عبر الشراكة مع الحكومة، لمواجهة حالات الفساد هذه، ولكن الأمر يحتاج إلى إسناد قانوني حقيقي. كما نحتاج إلى "فدائي اقتصادي" على مستوى مسؤول حكومي يعلن اسماء المتلاعبين ‏المتوافرة لديه... وهذا سيخلق رادعاً كبيراً ومثالاً لمنع الغش والفساد.

*هل هناك إمكانية لبناء استراتيجية وطنية لحماية المستهلك؟
نسترشد عملياً بالمبادئ الدولية المنصوص عليها في الأمم المتحدة لحماية المستهلك، ونؤقلمها مع الواقع الفلسطيني. ونحاول أن نؤسس قوانين لحماية المستهلك من خلال مؤتمر حماية المستهلك الفلسطيني الذي يعقد منذ عام 2009 كل سنة في يوم المستهلك العالمي. وقد وضعنا استراتيجية عمل على صعيد جمعية حماية المستهلك. وتواصلنا مع القطاع الخاص والحكومة، لوضع ملامح استراتيجية وطنية لحماية المستهلك، توّجت بلقاءات مفتوحة موسعة، حيث وضع كل شريك دوره ورؤيته. ولا زلنا في بدايات العمل الذي يتجسد ميدانياً، ولكننا لا زلنا بحاجة لصياغة هذه الاستراتيجية التي تحتاج لتطوير من عام لأخر.

*كيف يمكن تفعيل التواصل وبناء الثقة بين المستهلك، وبين الدوائر الرسمية وجمعيات حماية المستهلك؟
حماية المستهلك هي عبارة عن مثلث، أضلاعه الحكومة والقطاع الخاص والمستهلك. ويجب أن يكون المستهلك جوهر اهتمام سائر الشركاء، كونه الحلقة الأضعف والمحتاج إلى حماية وتوعية، وإلى إطار ممثل بجمعية حماية المستهلك التي تدافع عن مصلحته. فيجب أن يتزامن ذلك مع رؤية حكومية متكاملة، إضافة إلى البيئة القانونية والإجراءات وسبل الحماية وبرامج التوعية. وتتطلب الحماية أيضاً من القطاع الخاص شراكة حقيقية في بناء الثقة بين أضلاع المثلث.
ومن المتعارف عليه عالمياً، أن المستهلك لا يثق بالإجراءات الضابطة، لأنه لا يرى نتيجتها على أرض الواقع، من حيث وضع حد للغش التجاري والتلاعب في الأسعار. وهذا المعيار في بناء الثقة يعتبر عالمياً. لكن في فلسطين، هناك إجراءات احتلالية تضرب غالبية التوجهات لحماية المستهلك ‏والاقتصاد الوطني‎.‎
إلا أنَّ الجمعية تعمل على برامج التوعية، وتركز على الشراكة، وبناء الثقة وتركز على المستهلك لكي يخرج من حالة التذمر إلى مرحلة تقديم الشكوى ومتابعتها.

*هل هناك تداخل أو عدم وضوح أو تنافس في بعض الصلاحيات بين الجهات الرسمية العاملة في مجال حماية المستهلك؟ وما تأثير ذلك على منظومة حماية المستهلك الفلسطيني؟
يحتوي القانون رقم 21 لعام 2005 على تقسيم واضح للمهام والصلاحيات والأنظمة الداخلية لكل جهة حكومية. وقد برزت حالة تداخل أدوار بين الجهات الحكوميّة، هدفها التسابق على مكافحة الفساد وتحقيق إنجازات على الأرض، ولكن لحظة الكشف والتدقيق، يقوم كل طرف بوضع اللوم والتقصير على الطرف الآخر.
وهناك شواهد على ذلك، حيث إن وزارة الاقتصاد الوطني تصدّت لموضوع إضافة مادة "الشيفارو" على الخبز في بعض المخابز. وتسبب مادة الشيفارو ببعض الأمراض السرطانيَّة. وقد تم إصدار قرار من وزارة الاقتصاد بوقف استخدام مادة الشيفارو تحت طائلة المسؤولية، وتم تحويل عدد من المتورطين إلى النيابة والقضاء. ولكن وفي النهاية بات واضحاً أن قانون الصحة العامة لعام 2004 يمنح صلاحيات متابعة حالات كهذه لوزارة الصحة، الا أن الوزارة لم تتدخل لحين تدخل رئيس الحكومة آنذاك. كذلك، يوجد أمثلة أخرى، كتداخل الصلاحيات في مواضيع الثروة الحيوانية وارتفاع أسعار اللحوم الحمراء ‏والدواجن، بين وزارة الاقتصاد الوطني من جهة، ووزارة الزراعة من جهة أخرى، ما أدى إلى عدم متابعة هذه القضية وبقاء الاسعار على ارتفاعها.‎

*هل هناك نقص في طواقم ومعدّات الرقابة والتفتيش، في الدوائر الرسمية العاملة في مجال ضبط وإتلاف الأغذية الفاسدة؟ وهل المختبرات الفلسطينية معتمدة وقادرة على إجراء الفحوصات اللازمة على المواد الغذائية؟

يوجد ضعف ناتج من أسباب موضوعية أهمها قلة الموارد المالية، وضعف التجهيزات المؤهلة لإجراء فحوصات للسلع والمنتجات والأدوات الكهربائية والملابس. إضافة إلى غياب المعايير الفنية الإلزامية لكل ما يباع في فلسطين، وضعف الإجراءات القانونية بعد عمليات الضبط. كما يوجد مشكلة تتعلق بغياب القدرة على نشر أسماء المخالفين نتيجة لانتظار الحكم القضائي، بالتزامن مع طول فترة الإجراء القانوني... كل ذلك يؤثر عل سير عمليات الرقابة والتفتيش.
وهناك عشرات المبادرات من أجل الانتقال من نقطة الضعف إلى نقاط القوة، خصوصاً في ضوء وجود خبرات بشرية وفي ضوء وجود امكانيات في الجامعات الفلسطينية ووجود المختبرات المركزية التي تحتاج إلى تقوية. ويبقى الامل معقود على تأسيس مختبرات في مؤسسة المواصفات والمقاييس، وتقاسم الادوار بين جهات الاختصاص.
إلا أننا لا زلنا نراوح مكاننا في مجال الإمكانات التي تسند الكوادر البشرية المؤهلة، وهناك برامج واعدة تتعلق بمعايرة المختبرات في فلسطين، وبرامج المواصفات والمقاييس التي تشكل حماية للمستهلك الفلسطيني.

* ما الدور الذي تلعبه المستوطنات في تهريب الاغذية الفاسدة إلى السوق الفلسطينية؟
تعتبر المستوطنات المصدر الأساسي للتهريب في فلسطين عبر المناطق المصنفة (ج) وعبر المناطق القريبة من جدار الفصل العنصري، إذ إن "ضعاف النفوس" يقومون، عبر آليات تم تطويرها منذ سنوات، بتهريب السلع الاسرائيلية لخلق منافسة غير متكافئة مع الزراعة ومع الصناعة الفلسطينية الأمر الذي يضر بالاقتصاد الوطني. وهناك حالات ضبط لهذه العمليات، وخصوصاً في ضوء القانون الذي يمنع ويحظر منتجات المستوطنات.
وبرغم الجهود، الا أن التهريب لم يتوقف الا انه تراجع نسبياً في ما يتعلق ببعض السلع، ويعتبر الشعب الفلسطيني صمام أمان في رفض هذا النوع من الممارسات. الا أننا نشهد تصاعد التهريب في البيض والدواجن والبطاطا والأغذية الفاسدة في محاولة لتحقيق ربح سريع. كما أن بعض الأشخاص الفاسدين ينصاعون لإغراء المستوطنات، ويحاولون تهريب منتجاتها الى السوق الفلسطينية.
فعلياً، لقد تمكنا من محاربة ظاهرة تهريب تمور المستوطنات وضبطها. ومنعنا اتمام عمليات الانتاج في المستوطنات وفتحنا حرباً على المنتجات التي تصدرها مؤسسات الملياردير الاسرائيلي رامي ليفي. ولا يزال الجهد باتجاه منع العمل في المستوطنات لصالح ايجاد فرص عمل دائمة في الاقتصاد الفلسطيني.

*في الآونة الأخيرة أعلن عن ضبط آلاف الأطنان من الأغذية الفاسدة في السوق الفلسطينية؟ كيف تم ذلك؟
معظم عمليات الضبط كانت ولا تزال تنفّذ عبر بلاغات من المستهلك الفلسطيني الذي اختار طريق حماية نفسه وحماية الاقتصاد الوطني، وهذا موثق لدى وزارات الاختصاص. إن وعي المستهلك ساهم ويساهم في هذا المجال، الا أن الإجراءات القانونية وخلق روادع فاعلة ضد من يتاجرون بهذه السلع لا زال ضعيفاً، الأمر الذي يسبب احباطاً لدى الرأي العام الفلسطيني. إلا أن الأمل لا يزال قائماً، والعمل لا يزال جارياً، وسنسعى إلى الوصول لمرحلة تأمين الحماية الكاملة والفعلية للمستهلك الفلسطيني، ضد كل من يحاول تهديد صحّته واقتصاده.