صراع العروش.. تاريخ الواقع يفرض نفسه على عالم الخيال

16 يوليو 2015
الصورة
+ الخط -

ممالك وإمارات وأسر حاكمة.. مقاتلون همج، موتى أحياء، كاهنة لإله النار، تنانين تنفث اللهب.. مرحبًا بك في عالم "صراع العروش" Game of thrones.

لا أرى القارىء في حاجة لمقدمة طويلة عن هذا المسلسل الأميركي المأخوذ عن سلسلة روايات للكاتب "جورج آر. مارتن" وهو العمل الذي يحظى بواحدة من أعلى نسب المشاهدين على مستوى العالم منذ بدء عرضه في  عام 2011، والحاصل على تقييم 9.5 من 10 على موقع IMDB.

ولكن على سبيل التعريف به فإن أحداثه تدور في عالم آخر، في إطار زمني يشبه عالم القرون الوسطى حيث الأسر الإقطاعية وصراعات السيطرة ومؤامرات المال والسلاح، ولكن مع إضافة تفاصيل أسطورية تذكّر المتابع بعوالم تولكين صاحب رائعة "سيد الخواتم" Lord of the rings، ففي عالم "صراع العروش" تتصارع عدد من العائلات ذات الطموح السلطوي على التربع فوق "العرش الحديدي" المسيطر على "الممالك السبع"، أبرز أطراف هذا الصراع هم "آل ستارك" (شعار الذئب)، "آل لانيستر" (شعار الغزال)، "آل باراثيون" (شعار الأسد)، و"آل تارجاريان" (شعار التنين)، وتتداخل معهم ألاعيب جانبية من بعض الشخصيات التي تحاول وضع موطىء قدم لنفسها على طريق العرش.

رغم أن المشاهد يعلم من البداية أنه يشاهد أحداثًا مؤلَّفة تدور في عالم خيالي، إلا أن القارىء في التاريخ - بمراحله المختلفة - يدرك ببساطة شديدة تأثُّر مؤلّف العمل ببعض معطيات هذا التاريخ، وهو الأمر الذي اعترف به بالفعل.

لا أزعم أنني أعلم بالضرورة كل ما تأثر به جورج آر. مارتن في صياغته عمله العبقري، ولكن في ما يلي بعض التشابهات التي لاحظتها كقارىء للتاريخ ومتابع شغوف لهذا المسلسل.

***

-حرّاس الليل.. الرهبنة المقاتلة:

عند حدود شمال المملكة، يقع الجدار العملاق الشاهق المغطى بالثلوج، ليحمي البلاد من هجمات الهمج أو من هم أخطر: الموتى الأحياء الذين لا تقتلهم إلا النار.

خلف هذا الجدار مباشرة تنتشر تمركزات "حراس الليل" Night’s watch، وهم رجال أقسموا أن يكرّسوا حياتهم لحماية ما وراء الجدار، لا يتزوجون، يعيشون حياة خشنة قاسية، لا حياة شخصية لأحدهم، كل منهم أخ للآخر، ولا نهاية لخدمة أحدهم إلا بالموت.

هذه التفاصيل عن حراس الليل تستحضر إلى الذهن مصطلح "الرهبنة القتالية" المرتبط بالحروب الصليبية، ففي العصور الوسطى، نشأت في المشرق حركات رهبنة صليبية كانت أشهرها "فرسان الهيكل"، "فرسان القديس يوحنا"، و"التيوتون".

هذه الحركات كانت تقوم على أن يقدم الراغب في الانضمام إليها نفسه كمقاتل يكرّس حياته لخدمة قضية الرب، لذا كان بمثابة "راهب مقاتل"، يعيش حياة قاسية، لا يملك إلا جواده وسلاحه، ولا يأمل في زواج أو تكوين أسرة أو تحقيق مكسب شخصي.

تعاظم مع الوقت دور هذه الحركات حتى ساهمت في أهم الأحداث والمعارك خلال فترة الصراع العربي - الفرنجي بالذات في عهديّ صلاح الدين والظاهر بيبرس، وهو تشابه إضافي يلاحظه المتابع للمسلسل، حيث يبدأ دور "حراس الليل" بمجرد الحماية، ثم تجرهم الأحداث لأن يصبحوا في طريقهم لأن يكونوا طرفًا فاعلًا في صراع العروش.

ثمة تشابه آخر، فبينما المنضم لـ"حراس الليل" في المسلسل يكون غالبًا مجرمًا سابقًا تقرر وضعه في هذا الموقع تكفيرًا عن جريمته، فإن نسبة لا بأس بها من المنضمّين لحركات الرهبنة المسلحة كانوا ممن يرغبون في نيل الغفران الإلهي وبركات السماء بأن يقضوا ما تبقى من حياتهم في القتال لأجل الإله.



-دايناريس تارجيريان وصقر قريش:

هي مثل صقر قريش، عبد الرحمن الداخل، فأسرتها فقدت في مجزرة رهيبة قامت بها الأسرة الحاكمة المستولية على العرش، كذلك فإنها عبَرت البحر بحثًا عن ملك ضائع وهربًا من مصير أسود، كما استطاعت تجييش الجيوش وضم المدن واحدة تلو الأخرى لإقامة مملكة كبيرة.

من يتابع خط سير شخصية، دايناريس تارجيريان، ويقرأ سيرة عبدالرحمن الداخل (صقر قريش) مؤسس الدولة الأموية في الأندلس يلاحظ بسهولة هذا التشابه، إذ إن دايناريس هي آخر شخص قابل للحكم على قيد الحياة في آل تارجيريان، الذين سقط حكم آخر ملوكهم، أبوها المعروف بالملك المجنون، على يد تحالف الأسر الثلاث الأخرى، باراثيون ولانيستر وستارك، وهي تعبر البحر مع أخيها الذي يرغب في استغلال جمالها لحشد جيش قوي من المقاتلين القبليين لاستعادة عرش أبيه، وتؤدي الأحداث لمقتل الأخ إلا أن الفتاة تستمر في القتال سعيًا لهدفها وتخوض المعركة تلو الأخرى فوق تلك الأرض البعيدة، حتى تصبح ملكة قوية تمهيدًا للصدام مع من اغتصبوا عرش أسرتها.

بنفس الطريقة، مع بعض الاختلافات، جرت قصة عبدالرحمن الداخل، فبعد الثورة التي تزعمها العباسيون وإسقاط حكم بني أمية وقتلهم، هرب عبدالرحمن مع أخيه الأصغر الذي لقي مصرعه خلال رحلة الهرب، واستمر الأمير هاربًا مطاردًا من العباسيين حتى وصوله إلى أرض المغرب العربي، وتحالفه مع بعض قبائل البربر، ثم عبوره البحر إلى الأندلس واستغلاله تمزق السلطة المركزية فيها ليخوض معركة تلو الأخرى وصولًا للتربع على عرش البلاد كلها، وهي تيمة ألهبت خيال المؤلفين (تيمة الناجي الأخير من أسرة حاكمة والذي يعود لينتقم)، وتصادف تطابق رؤية جورج آر. مارتن لها مع قصة صقر قريش.



-أتباع الإله ذي الألف وجه، والحشاشون:

بعد أن تؤدي الأحداث إلى مقتل عميد آل ستارك وتشتت أسرته، تضع الظروف أصغرهم، الفتاة "آريا"، في وسط مجموعة هم "أتباع الإله ذي الألف وجه".

أكثر ما يعنينا هنا هو أن هؤلاء الأتباع يكرسون جزءاً هامًا من حياتهم لنشاط مثير: الاغتيال، إذ إن بداية معرفة آريا بمن جذبها إليهم، كانت قيامه باغتيال ثلاثة أشخاص من أعدائها كخدمة لها جزاء إنقاذها إياه سابقًا، ثم بعد أن تدخل الفتاة إلى هذا العالم تفاجأ بأنها في قلب مجموعة تنقسم حياة الفرد منها بين التعبد الخاشع لإله واكتساب القدرة الخرافية على التنكر والتلون والكذب والخداع لتحقيق هدف الاغتيال.

القارىء في تاريخ حركة "الحشاشين" في العصور الوسطى يدرك مدى التشابه، إذ إن هذه الحركة، التي أنشأها حسن الصباح في إيران، بدأت كطائفة من الشيعة الإسماعيلية النزارية (أي الشيعة المنحازين لإمامة كُلٍّ من إسماعيل بن جعفر الصادق، ونزار بن الخليفة الفاطمي المستنصر) تستخدم الاغتيال كسلاح في مواجهة خصومها، ثم تحولت مع الوقت إلى حركة للاغتيال المأجور.

كان معروفاً عن الحشاشين أنهم لم يكونوا مجرد قتلة، بل كانت فئة "الفداوية" منهم عبارة عن كتيبة من القتلة القادرين على التنكر وتحدث لغات العدو والاندساس وسطه، بل ومعايشته لسنوات واكتساب ثقته وصولًا للحظة تنفيذ المهمة. الواحد منهم كان يمكن أن يتنكر في شكل شحاذ أو شيخ أو راهب أو حطاب أو حتى حارس خاص للضحية، وبلغت من براعتهم تلك أن تحول معنى كلمة "حشاشين" في اللغات الأوروبية إلى "قاتل" Assassin، وهي نفس المهارات التي تبهر من يتابع "أتباع الإله ذي الألف وجه" في مسلسل صراع العروش.



-"العصافير".. المتطرفون:

يفاجئنا الموسم الخامس من المسلسل بفئة جديدة تنضم للصراع هي "العصافير"Sparrows

يظهرون كفرقة متدينة ساخطة على تردي الأوضاع في عاصمة المملكة وانتشار الدعارة والفساد والشذوذ، يرتدون الخرق ويحملون على جباههم رسمًا بحد السكّين لشعار الآلهة، يحملون الهراوات لردع من تسول له نفسه مخالفة قانون الإله.

تحاول الملكة الأم الاستعانة بهم لصالحهم وتطويعهم لضرب خصومها، لكنهم يتحولون إلى السحر الذي انقلب على الساحر وينقلبون عليها، ويسيطرون على شوارع العاصمة.

هي فئة نصادفها في التاريخ كثيرًا، يمكن أن يكونوا اليهود الفرّيسيين في مملكة بني إسرائيل القديمة، أو المسيحيين المتشددين الذين قتلوا هيباتيا ودمروا المعابد اليونانية في الإسكندرية خلال العصر القبطي، وقد يكونون الخوارج الذين تمردوا بحجة أن الحكم يجب أن يكون لله، وربما هم المتطرفون الكاثوليك ضد البروتستانت في أوروبا القرون الوسطى، أو هم الوهابيون في جزيرة العرب في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، أم هم إسلاميو السادات الذين انقلبوا عليه؟ بل يمكننا كذلك أن نعتبرهم "داعش" هذه الأيام.

أحد المواقع ذكر أن المؤلف اعترف بالفعل بتأثره بالحركات الكاثوليكية المتعصبة ضد البروتستانتية في أوروبا نهايات العصور الوسطى، ولكن هذا لا يمنع أن نموذج "العصافير" هو أكثر إسقاطات الواقع على المسلسل انتشارًا عبر التاريخ!.



-جون سنو..ابن الجارية المحروم من الحق في الحكم:

هو الوحيد من أبناء "نيد ستارك"، عميد آل ستارك الراحل، الذي تأخر في دخول صراع العروش.. لماذا؟ لأنه لا حق له في العرش باعتباره ابن زنا، ولا حق في العروش إلا للابن الصريح من حرة، ومع ذلك فهو أشجع وأقوى وأعدل آل ستارك وأكثرهم شرفًا وثباتًا على المبدأ.

تزدحم قصص الأسر الحاكمة بنماذج الأبناء غير الشرعيين وتأثيرهم على مجريات الأمور، بل لقد قامت أسرة بورجيا الإيطالية في بدايات عصر النهضة على أكتاف بعض الأبناء غير الشرعيين لعميد العائلة الذي كان بابا روما لفترةٍ ما!.

في التاريخ الشرقي، نرى نموذجًا شديد التشابه مع جون سنو، تحديدًا في بني أمية، هو الأمير مَسلَمة بن عبدالملك بن مروان، مع فارق أن هذا الأمير لم يكن ابن زنا وإنما كان ابن جارية، وكان الأمويون يتجنبون تولية العهد لابن أمة خوفًا من نبوءة قالت إن نهاية حكمهم ستكون ضياع الخلافة من يد حاكم ابن أمة (وقد كان، فآخر خلفائهم مروان بن محمد هو ابن جارية).

والأمير مسلمة كان قد كرس حياته للجهاد والقتال بعد أن يئس من دخول عالم السياسة، وكان بشهادة الجميع أكثر آل بيته استقامة وشرفًا وشجاعة ومروءة.

بالطبع يصعب أن يقال أن مؤلف "صراع العروش" قد تأثر بهذه الشخصية إن كان خبرها قد بلغه، ولكن لديّ نظرية تقول إنه ربما تأثر بأمر آخر مرتبط بالعهد القديم هو ابنا النبي إبراهيم إسحق وإسماعيل، فالأول وفقًا للمصدر سالف الذكر، هو ابن الحرة الذي يرث أبيه والآخر هو ابن الجارية الذي لا يحق له أن يرث مع ابن الحرة، ولهذا فبينما نشأ أبناء الحرة على التجارة والسياسة نشأ أبناء الجارية على القتال والحرب، وهو أمر يتشابه فيه نموذج جون سنو مع أحد أهم مصادر التاريخ.

-الموتى الأحياء.. المغول.. يأجوج ومأجوج.. آخر الزمان:

يبدأ المسلسل بظهورهم، الموتى الأحياء، أو حسب اسمهم في المسلسل The white walkers، أقرب ما يكون للزومبي، لا يموتون إلا بالنار، أعدادهم لا نهائية وكل من يصرعونه يتحوّل إلى واحد منهم، في البداية ينكر الجميع ظهورهم ثم يتحولون إلى خطر واقع يتصاعد مع الوقت، والكل يعرف أن هجومهم يعني "نهاية التاريخ" أو "آخر الزمان" بالنسبة لهذا العالم كله، فهم ليسوا أسرة حاكمة بل مجرد جحافل لا تحمل سوى الفناء، وهم السبب الرئيسي في بناء "الجدار" منذ آلاف السنين.

الفكرة أقرب ما تكون لنظرة الإنسان في الشرق العربي لهجوم المغول: لا نهائيون، متوحشون، ووصولهم يعني النهاية لا ريب، وقد كان ذلك جزءاً من حرب الدعاية التي استخدموها قبل قيامهم بغزو المشرق العربي، والقارىء في حديث المؤرخ ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" عن المغول يدرك أن نظرة معاصريهم لهم هي أقرب للنظرة إلى "يوم القيامة"في الثقافات المختلفة.

كذلك فإن فكرة "الموتى الأحياء" تعيد لذهن المتابع العربي بالذات ما نقلته كتب التراث الإسلامي من نبوءات آخر الزمان عن قوم يأجوج ومأجوج وزحفهم على كل مكان كنهاية "أبوكاليبتية" لهذا العالم، وعامة فإن تيمة "جحافل الغزاة المرعبين الذين سيأتون على الأخضر واليابس" و"المعركة الأخيرة"، غير مرتبطة بثقافة محددة، فهي من موروثات الإنسانية منذ بداية التاريخ المعروف.

-خاتمة:

الخيال هو دائمًا نتاج للواقع بشكل أو بآخر، إذ إن خيالية العالم والأحداث لا تنفصل عن منشأ من عالم الواقع والتاريخ.

والكاتب جورج آر مارتن اعترف بالفعل بتأثره ببعض تفاصيل التاريخ، وبشكل عام فإن كثيراً من الأعمال الأدبية والدرامية الواقعة في عوالم افتراضية أو خيالية هي انعكاس لتأثر بحدث أو ظرف أو شخصية في عالم الواقع، وهو أمر يؤكده الدارسون للسير الشعبية والملاحم الخيالية وغيرها، وعمل بحجم صراع العروش من حيث تعقيد وتشابك الأحداث وعمق بناء الشخصيات والكيانات الفاعلة في القصة، من الطبيعي أن يثير فضول المتابع حول انعكاسات الواقع التاريخي على العمل سواء جاء هذا الانعكاس بقصد أو بمحض الصدفة.

--------
اقرأ أيضا :
الناصر صلاح الدين.. بين دراما يوسف شاهين والواقع التاريخي
"التهمة كتاب".. 10 كتب تخشاها أنظمة الحكم في مصر

دلالات