صراعات أجنحة الحكومة اليمنية تخرج إلى العلن

30 مارس 2020
الصورة
الجبواني شخصية محورية في الصراع مع "الانتقالي"(صالح العبيدي/فرانس برس)
+ الخط -

بدأ صراع الأجنحة داخل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بالخروج إلى العلن بعد أشهر من معارك الظل، وذلك عقب تقديم وزير النقل صالح الجبواني، ووزير الخدمة المدنية نبيل الفقيه، خطابي استقالة منفصلين إلى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، المقيم في العاصمة السعودية الرياض منذ 5 سنوات. وعلى الرغم من أن الحكومة اليمنية تقيم بأكملها في المنفى، إلا أن تصدّع الشرعية، في ظروف بالغة الحساسية، يُحارب فيها العالم عدواً واحداً، هو فيروس كورونا، قد يفاقم من تردي الأوضاع الاقتصادية والصحية، ويصرف الأنظار عن مواجهة التفشي المحتمل للجائحة في البلد المضطرب، الذي لم يسجل أي إصابات مؤكدة حتى صباح أمس الأحد.

وكانت المفارقة أن بروز الخلافات إلى السطح، جاء بعد أيام من خطاب متلفز لرئيس الحكومة اليمنية معين عبد الملك، دعا فيه الأطراف والمكونات كافة، بمن فيها الحوثيون، إلى التسامي والتكاتف من أجل التصدي لفيروس كورونا. ومن المؤكد أن يتبدد ذلك الهدف، وخصوصاً مع انشغال معسكر الشرعية بردم الهوة داخل صفوفه، وتلافي الثغرات التي وجهها وزير الخدمة المستقيل لرئيس الوزراء في خطاب الاستقالة. ولم تشكّل استقالة وزير النقل المثير للجدل صالح الجبواني مفاجأة للشارع اليمني، وخصوصاً أنها جاءت غداة يومين من إيقافه عن العمل على خلفية "إخلاله الجسيم في أداء مهامه"، وفقاً لمذكرة رسمية مذيلة بتوقيع رئيس الحكومة إلى نائبه، فيما عدّد خطاب استقالة نبيل الفقيه، غير المتوقع، جملة من الإخفاقات في أداء الحكومة جراء ما وصفها بـ"السياسات العقيمة" لرئيس الوزراء.

وخاض الجبواني معارك إعلامية طويلة مع رئيس الحكومة التي ينتمي إليها منذ نحو عام. ومنذ انقلاب أتباع الإمارات في "المجلس الانتقالي الجنوبي" على الشرعية، في أغسطس/ آب الماضي في عدن، تحوّل الجبواني إلى شخصية محورية في الصراع مع "المجلس الانتقالي" الانفصالي، وصدر عنه عدد من المواقف السياسية، التي كانت تتهم معين عبد الملك بالولاء للإمارات، ودعم الانفصاليين الجنوبيين.

وبعد إدراجه في قائمة المحظورين من العودة إلى عدن، ضمن قائمة مسؤولين من الشرعية و"الانتقالي"، صُنفت بأنها مؤججة لأحداث أغسطس، استغل الجبواني وجوده في الخارج لتوجيه رسائل سياسية فقط، وفي الغالب، كان رئيس الحكومة هدفاً لها. ووصلت المعركة إلى مرحلة كسر العظم بين الرجلين مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، عندما تبرأت الحكومة من تصريحات أطلقها الجبواني من إسطنبول، عن ترتيبات لعقد اتفاقيات في قطاعي الموانئ والمطارات مع تركيا، وقالت إنها شخصية ولا تمثلها. بل اعتبرت تصريحات الجبواني أنها "غير مسؤولة، ولم يُرجَع فيها إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء"، وهو ما دفع الوزير المستقيل إلى اتهام رئيس الوزراء بالغدر بهادي من خلال تطلعه الجامح إلى السلطة.


وأكد مصدر سياسي لـ"العربي الجديد"، أنه لا توجد صراعات بالمعنى الحرفي داخل أروقة حكومة الشرعية، بل أجنحة تؤدي أدواراً يطلبها منها هادي بنفسه، وبمقدوره إقالتها جميعاً إذا خرج ذلك الصراع عن سيطرته. واستبعد المصدر أن يكون إقصاء الجبواني من الحكومة سببه مواقفه السياسية ضد التحالف السعودي الإماراتي عموماً، وأبو ظبي خصوصاً، لافتاً إلى أن "هادي لو كان يريد إقالته لفعل ذلك منذ أول انتقادات وجهها إلى السعودية والإمارات".

ومنذ أواخر العام الماضي، تشهد دهاليز الحكومة اليمنية صراعات أجنحة، طرفاها عبد الملك، ورجل الأعمال النافذ الذي عُيِّن نائباً لمدير مكتب رئاسة الجمهورية، أحمد صالح العيسي. وقال مصدر إعلامي حكومي لـ"العربي الجديد"، إن ما جرى ختام لجولة صراع طويلة، لكن جولات جديدة قد تتولد، خصوصاً مع بقاء شخصية أخرى مثيرة للجدل، هي وزير الداخلية أحمد الميسري. وأضاف المصدر: "كل القرارات التي يتخذها رئيس الحكومة هي بضوء أخضر من هادي، لكن الرئاسة، التي باستطاعتها إخماد هذا الصراع، ربما كان يستهويها هذا النوع من المعارك، ووضع رئيس الوزراء أمام فوهة المدفع، على الرغم من أنه كان الأولى صدور قرار جمهوري بإقالته وتعيين بديل له، كما يجري في كل المناسبات أو الشخصيات الحكومية غير المرغوبة".

ويُتهم رئيس الحكومة اليمنية بأنه رجل السفير السعودي في اليمن محمد آل جابر، في هيكل الشرعية، وأن قرار إزاحة الجبواني لم يكن ليحصل لولا دعم وتأييد سعودي كبير. وأكد مصدر في مجلس الوزراء اليمني لـ"العربي الجديد"، أن إقالة الجبواني سيجري استيعابه في إطار اتفاق الرياض، الذي كان قد بدأ بالترنح خلال الأسبوعين الماضيين، وخصوصاً منذ أحداث مطار عدن ومنع قيادات انفصالية بارزة من العودة إلى العاصمة المؤقتة. وعلى الرغم من إخفاقه في مهمته الرئيسية على رأس حقيبة وزارة النقل طوال السنوات الماضية، إلا أن هادي كان من أشد المتمسكين ببقاء الجبواني، نظراً للمكانة القبلية التي يتمتع بها في محافظة شبوة. ومنذ أحداث أغسطس في العاصمة المؤقتة عدن، كان أشبه بلسان حال الرئيس في المواقف السياسية، التي لا يمكن هادي شخصياً الخوض فيها، وخصوصاً توجيه الانتقادات اللاذعة إلى الإمارات واتهامها بتنفيذ أجندة مشبوهة داخل اليمن.

ورأى الكاتب والمحلل السياسي اليمني، ماجد المذحجي، أن نمط شخصية الجبواني لا تتناسب مع مسؤول رفيع المستوى يتقلد حقيبة وزارة، معتبراً أنه "خفيف سياسياً، ووجد نفسه في جبهة مفجري الصراعات، ولا سيما ضد الانتقالي الجنوبي". وأضاف المذحجي، في تصريحات لـ"العربي الجديد": "الجبواني أحد اسمين أساسيين استبعدهما اتفاق الرياض من الحكومة المرتقبة، باعتبارهما من مفجري الصراعات. ومن المتوقع أن قرار إقالته، الذي جاء على شكل إيقاف عن العمل، قد يكون ضمن خطوات بناء ثقة لتنفيذ الاتفاق المتعثر مع الانتقالي الجنوبي".

وطغت استقالة وزير النقل على استقالة وزير الخدمة المدنية نبيل الفقيه، الذي تحول إلى مادة للتهكم في وسائل التواصل الاجتماعي، عندما تساءل ناشطون عن توقيت تعيينه وزيراً وانضمامه إلى تشكيلة الحكومة، في إشارة إلى غيابه التام عن أي نشاط يذكر منذ تعيينه في أغسطس 2018. وفيما انتشرت تسريبات عن أن استقالة الفقيه كانت نوعاً من التضامن مع وزير النقل لإيقافه عن مهامه، أكدت مصادر لـ"العربي الجديد" أن علاقة وزير الخدمة المستقيل كانت متوترة كثيراً مع رئيس الوزراء، ولكن لم يكن متوقعاً أن تظهر إلى العلن بهذا الشكل. وشنّ الفقيه هجوماً لاذعاً على رئيس الحكومة في خطاب الاستقالة، وقال إنه ينتهج سياسات عقيمة في تسيير أعمال الدولة، ولا يكترث بتصحيح الاختلالات التي ترافق عملها. وبعد أن وصف الحكومة بأنها مجرد "أشلاء"، انتقد الوزير المستقيل سلبية رئيس الوزراء في إدارة موقعه، معتبراً أن دوره "اقتصر على صرف المرتبات في بعض المناطق المحررة، وعقد لقاءات هامشية ذات صبغة إعلامية، والتفرغ لإصدار البيانات دونما شعور بأدنى حد من المسؤولية تجاه ما يعانيه الوطن والمواطن من كوارث وأزمات".

المساهمون