صالح مصباح: نقد التفكير في كورونا

02 يونيو 2020
الصورة
صالح مصباح

مهما تكن اختصاصات المفكرين فإن حدثاً يخترق العالم مثل جائحة كورونا لا بدّ أن يفرض نفسه ضمن خارطة انشغالاتهم، وها أن مفكرين من مجالات بحث متنوّعة للغاية قد انبروا يقدّمون قراءاتهم حول كورونا وما ستخلفه من تحوّلات؛ من يورغن هابرماس (1929) إلى ميشيل أونفري (1959). تلعب المقولات التي يقدّمها مشاهير المفكرين أدواراً كثيرة في عالمنا المعاصر بخلق جدل في الإعلام أو الاستئناسس بها في إدارة الأزمة، لكن ماذا لو تفحّصناها من داخل حقولها، من الفلسفة مثلاً. أي مشروعية لها؟ وأي تماسك داخليّ لأطروحاتها؟ وعلى أي وجه لنا أن نستفيد منها في ثقافتنا؟

أسئلة حملناها إلى أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية؛ صالح مصباح، الذي يقول في حديثه إلى "العربي الجديد": "الفلسفة جهد يتطلّب بعض "التروّي". أكاد أقول إنها "تأتي دائماً متأخرة" كما قال أحد كبار الفلاسفة الذي كان يعتبر قراءة الصحف "صلاة الصباح"، وذلك حتى لا تكون الفلسفة ترداداً لـ"مبتسرات" (أي أحكام مسبقة كما يقال) بصدد الوافد من الظواهر، وإلا فإن "المتفلسف" يصبح معلّقاً إخبارياً Chroniqueur لا فيلسوفاً. أنا لا أحطّ من قيمة المعلقين الإخباريين، بل فقط أريد أن أفصل بين الفلسفة، والتعليق على الأحداث، فالمعلق على الحدث إما متخصّص في مجال، أو من الجمهور، وهو في كل الحالات غير الفيلسوف. ثم إن التفاعل ليس ممارسة للفلسفة بما هي كذلك".

يضيف: "أكثر الأفكار جذرية تصبح مبتسرات عندما تردّد ببغاوياً. وهذا ما يصدق على أغلب ما راج من نصوص مكتوبة ومرئية، نُسبت إلى الفلسفة: ترديد "تيولوجي" لاقتراحات وُلدت في سياقات تاريخية ونظرية وسياسية مخصوصة، لم تكن لها مزاعم الكونية - بل كانت في بعض الأحيان مجرّد "تجريب تفكري" تخلّى عنه أصحابه لاحقاً؛ ليصبح في مقامنا حقائق تردّد أو تفترض".

يوضّح ذلك بالقول: "خذ لك أمثلة ميشيل فوكو، وجورج كانغليم، وجيورجيو أغامبن، وسلوفوي جيجيك من المشاهير الذي ترددت أقوالهم أو معانيها أو عدتها "المفهومية" (السوي واللاسوي، السلطة الحيوية، البيوسياسي، الفانتازم، البارالاكس، الخ..) "للتفكير" في كورونا، لقد أنتجوا هذه المفاهيم في سياق النقد الذاتي الذي مارسته المؤسسات الغربية المنتجة للمعرفة الطبية والنفسانية، والتاريخية نتيجة مأزقها التاريخي والسياسي، وذلك قصد محاولة تخطي هذا المأزق، ثم يستجلبها "الجنوب" باعتبارها "علماً صارماً" للتطبيق. دونما تفكير في "محلية" تلك المجهودات، وامتحان قابليتها للتعميم، وهو ما قد تم إنجازه في أمكنة أخرى من قبل بصدد الذين ذكرتهم".

سألنا صاحب كتاب "فلسفة الحداثة الليبرالية الكلاسيكية: من هوبز الى كانط": هل يعني ذلك عدم صلاحية تلك المقولات نتيجة موطن ميلادها، وهو الغرب؟ يجيب قائلاً: "كلا، ليس الأمر بهذا التبسيط، علينا أن نعرف أن ابستمولوجيا كانغاليم محلية، وأن مقولة "أوربا أفق تفكير" لـ فوكو محلية أيضاً؛ وقل الشيء ذاته عن "الإنسان مهدور الدم" (أغامبن) فهو يقدم توصيفاً لا صلاحية له خارج سردية تاريخية عن غرب استيهامي يبدأ من الإغريق ليصل إلى المحرقة وإلى الشبكة العنكبوتية ما بعد الحداثيين في "خيط رفيع" متصل، ليربط التاريخ المسيحي الغربي الوسيط بالحداثة الغربية، وكل هؤلاء لم يفكروا في صلة تلك المشاكل بمشاكل خارج مجتمعاتهم. ويأتي تابعوهم، فيضفون الكونية على تلك التجارب الفكرية المحلية".

بهذا المعنى قد تكون كل مقولات المفكّر الغربي غير وجيهة لتدبّر الراهن عندنا، ومنها "الجائحة". يقول مصباح: "لا أذهب إلى هذا الحد، ولكن ما الجديد مع كورونا؟ لست متخصّصاً في الأوبئة البيولوجية، بل أتابع الجديد في حدود قدرة فهمي لفهم المستجد المستغلق: كورونا جائحة مستحدثة نعم، ولكن واقع العولمة أفقاً اقتصادياً وتواصلياً وسياسياً جعلها تبدو "مستحدثة تماماً"، والحال أنها لا تكاد تمثل عُشر ما أنتجته الحمى الإسبانية من ضحايا من الإصابات والوفيات، والذين تماثلوا للشفاء".

يتابع صاحب كتاب "مباحث في التنوير موجوداً ومنشوداً": "بالتالي تضافرت سرعة انتشار الجائحة بفعل سهولة السفر في العالم، وقدرة صناعة الميديا على صناعة الخوف العام، والتفكيك الذي أنتجته النيوليبرالية لكل القطاعات العمومية، وإرسائها المفرط للفردانية الاستهلاكية الموغلة، لتظهر الجائحة بمظهر ما يسبق "يوم القيامة". وقد أسرع مفكرون كثيرون للتباري حول قدرة ما اقترحوه من "حدوسات" للإحاطة "بعد لأي" بالجائحة - فكانوا ضرباً من "الأنبياء العلمانيين"، وهذا ما جعلهم يصبحون من أدوات صناعة الخوف، عوض أن يكونوا من أطباء الروح ومعاضدة الطب الجسماني".