شيخ الأزهر يقلب الطاولة

06 فبراير 2020
الصورة
ها هو الرجل، بعد سبع سنوات من الحصار المهذّب ظاهريا أحيانا، والقول الخشن، على الهواء مباشرة، من رأس السلطة "أنت تعبتني يا مولانا" إلى إطلاق "ذئاب السابعة والثامنة مساء على الشيخ"، والفرقة موجودة ومدرّبة، ابتداء من المفتي نفسه ووزير الأوقاف، مرورا بإسلام بحيري وإبراهيم عيسى وخالد منتصر ومحمد الباز وسعد الهلالي ومحمد عبدالله الشهير بالشيخ ميزو وفاطمة ناعوت إلى آخره. وكلها حيل للمناكفة في الشيخ، تجيدها السلطة وعيالها "ترهيبًا" في الفضائيات، غمزا ولمزا وتعريضا بفضيلته، "وترغيبا" بجوائز الشيخ زايد للشيخ، كي يتم تأميم الشيخ كاملا لصالح رغبات السلطة، وتسييد خطابها الدعائي وحده من دون غيره، وقد تجاهلوا تماما أن الأزهر احتضن ما بين أعمدته درسا وتعليما المذاهب الأربعة. ولكنه الجشع السلطوي والرغبة الجامحة في استلاب الرجل، حتى هيبته وضميره وعلمه، فأرسلوا له أستاذا يسمى الخشت إلى عقر "أزهره الذي تربّى فيه وسافر منه إلى السوربون"، كي يعلمه "تجديد الخطاب الديني" في معيّة المفتي وعمرو موسى ومساندتهما. 
وواضح أنه كُتب علينا أن كل طبخة لا بد أن يكون بها خميرة ما من عمرو موسى، ابتداء من جبهة الإنقاذ مرورا بـ"تغيير الدستور" وصولا إلى "تجديد الخطاب الديني"، فالرجل صالح لكل زمان ومكان وحالة، متعدد الدلالة ثورة وإنقاذا وانقلابا ودستورا وتجديدا للخطاب الديني أيضا، وما خفي كان أعظم.
وضّح الشيخ الطيب للدكتور الخشت بنبرةٍ، تعليمية مهذبة قدر الإمكان، بعضا من النقاط، أن الأمة التي تخاف الآن من تراثها ماذا كانت تعيش قبل الحملة الفرنسية إلا على تراثها، ولا حتى الحملات الصليبية ما كانت لتكون إلا من خلال "نبشهم" في تراثهم، وركز على أن المحرّك الأساسي للوقيعة ليس هو ما في جعبة التراث، ولكن ما في جعبة السياسة، كي يسكت الشيخ كل هذه الألسنة التي هي دائما تحت الطلب للسياسي، سواء أراد من التراث حربا، أو أراد سلاما. الفقيه بجوار ذهب السلطة دائما يمتلك الإجابتين.
بعد سبع سنوات من الاستخدام هل ملّ الشيخ الطيب اللعبة تماما؟ وخصوصا، ولم يعد في العمر متسع للمظالم، بعدما حمل الرجل على صدره ذنب انقلابٍ في ليلٍ هو فيه السند والشريك، حتى وإن تبرأ من الدم، وهل هناك انقلاب يتم من غير دم؟ وهل هناك انقلاب بلا مظالم؟ هل بدأت النفس اللوّامة في الشيخ تأخذ مكانها في إرادة الرجل، بعدما كثرت المظالم، وها هي تطول الدين نفسه في عقر داره؟ هل الشيخ بعد سبع سنوات من القلق يفتح باب المعركة بيديه مع السلطة المحرّكة لكل هؤلاء الذئاب. وهل هذا الشيخ الآن في حمل معركة؟ خصوصا أن العسكر لن تأخذهم شفقة على الكبار في السن والمقام مثله، ولو حتى من رفقة السلاح، وما سامي عنان ببعيد.
سبع سنوات من المناكفة والصبر من الشيخ، وحيل مقابلة من السلطة وضحت واتضحت في تحديد النسل، وعدم شرعية الطلاق الشفوي، مع إطلاق سيول الجن والعفاريت في البرامج، مع بخور علي جمعة وعصاه الفضية تارة، وناب الفيل تارة، أو قلنسواته متعدّدة الأشكال والألوان، وكأنه هو شيخ الأزهر الحقيقي (من الباطن)، والشيخ صامت.
هل ملّ الشيخ اللعبة، بعدما وصل ماء الغرق إلى ما فوق منخاره، فأعلن الرجل العصيان (الفقهي) في وجه الجميع؟ هل يريد الرجل، وهو في هذه السن، أن يكون بطلا وشهيدا بعدما رأى ما رأى، وهل وصلت الرسالة إلى عبد الفتاح السيسي بكل وضوحها؟ بالقطع، وصلت حتى إلى العبيط. وستأتي الأيام المقبلة بفصل الخطاب في صحوة شيخٍ تساهل سبع سنوات، وأراد الآن أن يقلب الطاولة على الجميع.