شراكة كييف وبروكسل تقلق موسكو

18 سبتمبر 2014
الصورة
بوروشنكو: لا وجود لأوروبا من دون أوكرانيا (سبنسر بلات/Getty)
ظهر سبب جديد لعودة التوتر إلى العلاقات بين موسكو وكييف، على خلفية تصديق البرلمان الأوكراني على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. إذ حاولت موسكو مع (العاصمة البلجيكية) بروكسل (مقرّ المفوضية الأوروبية) طوال الأشهر الماضية التي سبقت إبرام الاتفاقية، التخفيف من انعكاساتها الاقتصادية على روسيا، بعد فشلها في إقناع شركائها في رابطة الدول المستقلة بفرض رسوم جمركية على السلع الأوكرانية، واتخاذ إجراءات تمنع دخول السلع الأوروبية من الأراضي الأوكرانية إلى الاتحاد الجمركي الأوراسي، لأن ذلك سيعني دخولها إلى السوق الروسية، ويُبطل تلقائياً فاعلية الإجراءات التي اتخذتها موسكو رداً على العقوبات المفروضة ضدها.

موسكو متخوفة من إمكانية تراجع كييف وبروكسل عن التزاماتهما، تحت ضغط واشنطن عليهما. فهل نشهد حلقة جديدة من التصعيد، تُعجّل في اشتعال الجبهات في جنوب شرق أوكرانيا؟

وتناقلت وسائل الإعلام، يوم الثلاثاء الماضي، خبر تصديق اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، ووُقّع الاتفاق، بصورة متزامنة، في كل من كييف وستراسبورغ الفرنسية (مقرّ البرلمان الأوروبي). وللدلالة على أهمية تصديق الاتفاقية، التي كانت أحد أسباب تأجيج الصراع داخل أوكرانيا، وبينها وبين روسيا، جاءت ردّة فعل الرئاسة الأوكرانية عليها مغالية، إلى درجة أن الرئيس، بترو بوروشينكو، اعتبر لا وجود لأوروبا من دون أوكرانيا، وغرّد في حسابه على موقع "تويتر"، معبراً عن بهجته بالحدث: "المصادقة المتزامنة اليوم، ستكون عيداً لكل أوروبا، لأن أوروبا لا وجود لها من دون أوكرانيا". وأوعز إلى الحكومة أن تقوم في اليوم التالي باعتماد خطة تنفيذ الاتفاقية والبدء بتحقيقها دون إبطاء.

في المقابل، عبّر الكرملين عن شكوكه في نوايا كييف وخشيته من أن تتنصل من التزاماتها، فطالبها بتأكيد التزامها بما تم الاتفاق عليه في بروكسل، لتأجيل تنفيذ بعض بنود الاتفاقية التي تثير مخاوف موسكو.

ونقلت وكالة "إنترفاكس" الروسية عن المتحدث الرسمي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، قوله، رداً على سؤال عما إذا كانت كييف مستعدة لتنفيذ ما اتفقت عليه مع موسكو: "إننا ننتظر تأكيدات". علماً أن مخاوف موسكو لا تأتي من فراغ، فقد استبق رئيس الوزراء الأوكراني، أرسيني ياتسينيوك الأمور، ونقلت عنه "انترفاكس" في 15 من سبتمبر/أيلول الجاري، عبر إحدى القنوات التلفزيونية الأوكرانية، عن أنه لا يجدر انتظار أي شيء من أوكرانيا، قائلاً: "اليوم، أعلن (رئيس وزراء روسيا ديمتري) مدفيديف أنهم يريدون أن يعتمد البرلمان الأوكراني قراراً خاصاً حول تأجيل تنفيذ الاتفاقية. وأريد هنا الإعلان رسمياً عن موقف الحكومة الأوكرانية: لن يعتمد أيٌّ كان أيَّ قرار بتأجيل العمل بالاتفاقية. ولا مجال لأي نقاش في هذا الأمر". ووفقاً لياتسينيوك، فإن الحكومة الأوكرانية على العكس من ذلك، مستعدة لتنفيذ الاتفاقية من اليوم الأول لدخولها حيز التنفيذ.

يدور الحديث على وجه التحديد عن اتفاق ثلاثي تم التوصل إليه بين موسكو وبروكسل وكييف، على تأجيل إنشاء منطقة تجارة حرة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2015، وعلى أن تعمل كييف خلال هذه الفترة باتفاقية التجارة الحرة في إطار رابطة الدول المستقلة.

وبعد لقاء ثلاثي ضم ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا وروسيا، في 12 سبتمبر/أيلول الجاري، تم التوصل في بروكسل إلى اتفاق على عدم دخول اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا حيّز التنفيذ قبل عام 2016، على أن تُصدّر كييف سلعها إلى الاتحاد الأوروبي بشروط ميسّرة، وتلتزم بفرض رسوم جمركية على السلع الأوروبية، وأن يبقى نظام التجارة بين روسيا وأوكرانيا كما كان سابقاً حتى 2016. فما الذي ينتظر هذا الاتفاق؟

عبّرت روسيا، من جهتها، غير مرة عن قلقها من أن تؤدي اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا إلى إغراق السوق الروسية ببضائع أوروبية مهربة عن طريق أوكرانيا، وصعوبة ضبط ذلك. وفي جو من عدم الثقة، ينتظر الكرملين الأسوأ، وقد لا تفيد هنا التطمينات الملتبسة التي تقدمها المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وهي الأقرب إليه بين الأوروبيين. فقد نشر موقع الكرملين الرسمي خبراً عن محادثة هاتفية جرت في 15 سبتمبر/أيلول الجاري بين الرئيس الروسي والمستشارة الألمانية، بمبادرة من الأخيرة، وقال، إن الطرفين ثمّنا خلالها الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 12 سبتمبر/أيلول الجاري في بروكسل، على مستوى الوزراء، بين روسيا والاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، وأكدا ضرورة متابعة العمل المشترك لتدقيق تفاصيل اتفاق بروكسل.

إلا أن المتابعين الروس، يخشون من أن تؤدي الضغوط الأميركية على كل من كييف وبروكسل، إلى تحللهما من التزاماتهما حيال موسكو، وربما يكون الحديث عن ضرورة تدقيق التفاصيل خطوة نحو ذلك. فالشيطان يكمن في التفاصيل، كما يُقال. وفي انتظار ذلك، تعلن موسكو عن مزيد من الدعم للانفصاليين، فيما يتم تزويد الجيش الأوكراني بعتاد أطلسي جديد، ويعزز بخبراء من الحلف الذي يتمدد على حدود روسيا وتهدد منظومة دفاعه الصاروخي أمنها.