سيول طهران.. مخالفات عمرانية تهدد بإغراق العاصمة الإيرانية

02 فبراير 2016
الصورة
تساقط الأمطار شتاءً وذوبان الثلوج صيفاً يهددان طهران بالغرق(Getty)
+ الخط -
عقب هطول الأمطار، ترك المواطن الإيراني، محمد أحمدي، سيارته التي لم يعد يستطع التحرك بها بسبب تراكم مياه الأمطار في الطرقات الرئيسية، وهو ما تكرر عدة مرات، خلال الفترة الأخيرة في العاصمة الإيرانية طهران، إذ تسبب ارتفاع معدل هطول الأمطار، خلال الأشهر القليلة الفائتة، في سيول، أدت بدورها إلى وقوع خسائر مادية.

"منذ أشهر عديدة، لا تتوقف الأخبار التي تتحدث عن مفقودين ووقوع إصابات وقتلى، إثر سيول ضربت مناطق مختلفة في إيران"، كما يقول أحمدي، قبل أن يضيف "بالطبع طهران تعرضت للأمر عدة مرات، التنقل في السيارات وبوساطة وسائل النقل العامة خلال السيول صعب للغاية ويهدد الحياة".

اقرأ أيضا: عصابات إيران.."المطابخ" تغرق طهران بالمخدرات

ضحايا السيول

في نوفمبر/تشرين الماضي، تساقطت أمطار غزيرة في مدينة آمل شرق طهران، وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إرنا، فقد لقي شخصان مصرعهما وتسببت الأمطار في حدوث سيول هائلة، وهو ما أصاب أبنية عديدة بالضرر، وفي الشهر ذاته أدى سيل آخر في إيلام جنوباً إلى أضرار في البنى التحتية، كما عطل شبكة الكهرباء والمياه وتضررت الجسور التي تربط القرى ببعضها بعضاً.

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ضربت السيول ثماني محافظات إيرانية وأودت بحياة ستة أشخاص، وتسببت بخسارة مادية كبيرة، وفق ما نقلته مواقع رسمية إيرانية، وفي شهر سبتمبر/أيلول، كانت طهران واحدة من المحافظات العشر التي هاجمتها السيول، ما أدى إلى فقدان ثمانية أشخاص، وفق تصريحات صدرت عن مسؤولين من مؤسسة الهلال الأحمر الإيراني، واشتدت السيول آنذاك شرق العاصمة، أما في مناطق أخرى من إيران فقد دخلت السيول إلى 150 وحدة سكنية، وتضررت منازل تؤوي 830 شخصاً في تلك المحافظات، كما تسبب سيل آخر هاجم شوارع طهران في 20 سبتمبر الماضي بوفاة 11 شخصاً، ولام كثيرون حينها مؤسسة الأحوال والأرصاد الجوية كونها لم تنبه المواطنين للأمر.

أسباب التهديد

بحسب تقرير نشره موقع مؤسسة إدارة الكوارث، فإن 17 منطقة في إيران معرضة لتساقط وافر للأمطار، وهو ما يجعلها عرضة للسيول، وتعد طهران واحدة من أبرز هذه المناطق، لكنّ أسباباً عديدة جعلت العاصمة الإيرانية، أكثر تعرضاً لخطر السيول خلال فترات متقاربة، "إذ تتحرك المياه من المناطق الأعلى ارتفاعاً شمالاً نحو الأكثر انخفاضاً جنوباً، ومنذ القدم تم شق قنوات على طرفي الطرقات في غالبية شوارع العاصمة، الرئيسية منها وحتى الفرعية، بسبب وجود جبال تغطيها الثلوج في الشتاء، وتحيط بالعاصمة، التي تقع في منطقة منخفضة جغرافياً، لكن هذه القنوات أغلقت"، كما يقول المتخصص في هندسة المدن والطرقات، مصطفى بودراتشي، قبل أن يكشف أن الأتربة التي تجمعت في هذه القنوات بسبب عمليات العمران المتزايدة في كل مناطق العاصمة، فضلاً عن تراكم النفايات فيها، تعيق سير مياه الامطار ومياه الثلوج الذائبة ما يجعل الماء يتراكم ويعلو مستواه حتى وإن كانت معدلات الهطول قليلة أحياناً.
ويضيف بودراتشي في تصريحات خاصة لـ "العربي الجديد"، إن بعض قنوات الأمطار تم سدها بهدف تشييد أبنية أو مد طرقات عليها، هو ما يرفع من خطورة تهديد السيول للعاصمة، موضحاً أنه تم توسيع طرقات رئيسية تربط مناطق كبرى في العاصمة، بهدف مرور عدد أكبر من السيارات، بالإضافة إلى فتح طريق خاص للحافلات العامة.

ولفت المختص في هندسة المدن والطرقات، إلى أن انخفاض معدلات هطول الأمطار، خلال الأعوام الماضية وجفاف المياه في القنوات، أدى إلى سد وردم عدد منها كون المعنيين رأوا أنه لا داع لتواجدها على أطراف الطرقات الرئيسية، ولكن تزايد معدلات سقوط الأمطار مجدداً، أدى إلى تراكم المياه في هذه الطرقات التي صممت بالأساس لمرور المياه في قنوات ردمت تحتها أو على جانبيها، وهو ما قد يؤدي إلى حوادث خطيرة للغاية، وخاصة إذا ما تراكمت المياه في أوقات متأخرة وكانت السيارات تتحرك بسرعة هائلة على هذه الطرقات الرئيسية.

من ناحية ثانية، يذكر بودراتشي، أن مسارات أنهار تمر من العاصمة، وخاصة من مناطقها الغربية، تم تضييقها بفعل عمليات البناء أيضاً، وما يزيد المشكلة تعقيداً أن ارتفاع مستوى الأنهار بسبب الأمطار، يهدد المحال والمنازل بالغرق.

ودعا المعنيين إلى التركيز على هذه القضية الجدية حسب وصفه، قائلاً "الأهم هو فرض الرقابة على المشاريع العمرانية ومنع التوسع العمراني على حساب مجاري الأنهار، فتساقط الأمطار بغزارة لأيام قليلة، سيرفع مستوى المياه فيها ويزيد شدة حركتها".

اقرأ أيضا: الأفغان في سورية.. جنود "آيات الله" في خدمة الأسد

غياب جهوزية المؤسسات

ينتقد عضو مجمع ممثلي محافظة إيلام، علي محمد أحمدي، نقص جهوزية مؤسسة الهلال الأحمر، ومؤسسة الكوارث والأرصاد الجوية، قائلاً: إن كل هؤلاء أكدوا جهوزيتهم وقدرتهم على التعامل مع الحوادث الطبيعية، إلا إن السيل الذي وقع في إيلام غرب إيران، أثبت بطء استجابة هذه الجهات، متخوفاً من وقوع المزيد من الخسارات المادية والبشرية في مناطق ثانية، في حال تكرر الأمر.

بينما لا ينكر رئيس مؤسسة إدارة الكوارث، إسماعيل نجار، جدية التهديد، الذي تشكله الأمطار على طهران، إذ نقلت عنه وكالة "إيسنا" الإيرانية، أن مسارات الأنهار الطبيعية تبدلت إلى طرقات، وهو ما يؤدي إلى تهديد جدي لطهران في حال تساقط الأمطار بغزارة، ودعا المواطنين بالمقابل إلى عدم رمي نفاياتهم في قنوات المياه التي مازالت مفتوحة على جانبي بعض الطرقات، وهو ما سيساعد في حركة سلسلة للمياه.
ويحمل الخبراء، مؤسسة الأرصاد الجوية المسؤولية أيضاً، إذ بإمكانها تنبيه المواطنين للتقليل من الخسائر، لكن المؤسسة قدمت سبتمبر/أيلول الماضي، تقريراً تعترض فيه على تحميل كادرها المسؤولية، لأنها غير قادرة على رصد الأحوال بدقة في العاصمة طهران بسبب الإشارات الصادرة عن أجهزة الاتصالات اللاسلكية وأبراج الاتصالات المنتشرة بكثافة في كل أرجاء المدينة، فضلاً عن وجود أجهزة تشويش، وكلها تعطل عمل أجهزة الرصد وفقاً لتصريحات صادرة عن المؤسسة نشرت في صحيفة شرق الإيرانية.

وفي شهر نوفمبر/تشرين الماضي، نقل موقع اقتصاد أونلاين عن مدير شركة مياه طهران، خسرو ارتقايي، تحذيره من خطر السيول في طهران، والذي لا يرتبط بشدة الأمطار وحسب، إذ شهد فصلا الصيف والربيع الماضيان حدوث سيول متفاوتة التأثير، قائلاً "الثلوج على الجبال المحيطة بالعاصمة تذوب عندما ترتفع الحرارة، لذا يجب على مؤسسة الأرصاد أن تتنبه أكثر وتنبه المواطنين من التبعات، بل عليها بذل جهود بهدف التوعية".

اقرأ أيضا: هيئة الأمر بالمعروف الإيرانية تثير مخاوف الإصلاحيين

إجراءات الحد من الخطر

بسبب المخاطر السابقة، يبدو أن خطر التخلص من تهديد السيول صعب، لكن إجراءات استباقية يحاول المعنيون اتخاذها تعمل على محاولة تقليص النتائج السلبية على الأقل، وفقاً لما نقله موقع "ايسكا نيوز" عن رئيس مؤسسة الكوارث إسماعيل نجار، الذي حذر من أن السيول خطرة على طهران بقدر الزلازل، مؤكداً أنه سيتم تزويد مناطق العاصمة بأجهزة رصد تضمن توقعات أفضل لحال الطقس، مشيراً كذلك إلى أن هذه المشكلة ليست حديثة وإنما تعود لعامين ماضيين، حيث تعرض مترو الأنفاق في طهران للغرق إثر اندفاع المياه داخله، وكانت من أخطر الحوادث، التي يجب تجنبها مستقبلاً حسب قوله.

أخيراً، شارك مسؤولون من وزارة الطاقة، وبلدية طهران، ودرسوا الحوادث الأخيرة، بحضور خبراء وأساتذة جامعيين في محاولة لإيجاد حلول لتجنب التبعات المرتقبة بحسب ما نقلت وكالة إيسنا الإيرانية. كما توجه رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني بكلمة واضحة للمسؤولين في الحكومة، داعياً إياهم لمساعدة من تعرض لخطر السيول من المواطنين، ومحاولة إيجاد حل لهذه الظاهرة. ونقلت وكالة فارس الإيرانية عن لاريجاني طلبه من لجنة العمران التابعة للبرلمان الإيراني للاهتمام بالأمر، كما عليها إقرار خطط مناسبة تلزم بها الأجهزة والمؤسسات الأخرى.

تشكيل لجنتين لحل المشكلة

يكشف النائب في البرلمان وعضو لجنة العمران مهرداد لاهوتي، لـ"العربي الجديد"، عن تشكيل لجنتين ضمن لجنة العمران واحدة للإشراف على تطبيق خطط رقابة على المشاريع العمرانية داخل المدينة، والثانية تعنى بهذه الأمور في ضواحي طهران. ودعا لاهوتي المؤسسات الحكومية إلى القيام بما عليها، والالتزام بوظائفها، كما أكد أهمية مراعاة البلديات في المدن أن القوانين المنظمة لعمليات العمران وهو ما سيقف بشكل حقيقي في وجه أخطار السيول التي تهدد الإيرانيين.

في ذات السياق، أكد النائب سيد مهدي هاشمي لـ "العربي الجديد"، ضرورة اتخاذ مؤسسة الأرصاد الجوية إجراءات جدية، وهو ما سيساعد على التأهب وتلافي وقوع خسائر كبرى مستقبلاً، مضيفاً أن المؤسسة الوطنية لإدارة الكوارث أقرت سابقاً قانوناً خاصاً بالجهوزية والرقابة ولكنه لم يطبق بحذافيره حتى الآن.

وحذر النائب البرلماني من أن 90% من الطرقات المشيدة في إيران معرضة لأخطار طبيعية، كالزلازل والسيول وما إلى ذلك، وهو ما يحتاج إلى قرارات رسمية جدية، وتنسيق بين المؤسسات المسؤولة عن هذه الأمور، والأهم هو تشديد الرقابة على الطرقات والمخالفات العمرانية، والتي تتحمل مسؤوليتها مؤسسة "إعمار المدن" والموجودة في طهران حسب قوله.

دلالات