سينما الناس.. تحية للثنائي جان شمعون وميّ المصري

سينما الناس.. تحية للثنائي جان شمعون وميّ المصري

17 مايو 2016
الصورة
جان شمعون ومي المصري
+ الخط -
لم تكن المرّة الأولى التي يتيح "نادي لكلّ الناس" فيها إمكانية مشاهدة نتاجات الثنائي السينمائي العربي، المؤلّف من اللبناني جان شمعون والفلسطينية مي المصري. فالأيام الـ4، التي أقيمت في بيروت بعنوان "سينما الإنسان والذاكرة" بين 9 و12 مايو/ أيار 2016 الجاري، منحت هواة هذا النمط السينمائيّ فرصة مشاهدة، أو إعادة مشاهدة أفلام تمزج التسجيلي بالتوثيقيّ، وتطرح أسئلة الهوية والانتماء، وتكشف بعض سمات العلاقات القائمة بين لبنانيين وفلسطينيين، إذْ إن الغالبية الساحقة من أفلامهما تلك تروي فصولاً من التاريخ اللبناني ـ الفلسطيني المشترك، إنسانياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً، وهو ليس ـ بالضرورة ـ إيجابياً دائماً.

اهتمامات إنسانية

12 فيلماً أنجزهما الثنائي شمعون ـ المصريّ بين العامين 1978 و2007، تمّ اختيارها لعرضها في التحية هذه. 12 فيلماً تُشكّل تكثيفاً بصرياً للاهتمامات الإنسانية التي يلتزمها الثنائي منذ اشتغال كلّ واحد منهما على حدة أولاً، ثم معاً ثانياً. تكثيف يقول شيئاً من همّ فرديّ مفتوح على الجماعة، ويبوح بانفعال ذاتي معطوف على قسوة الحياة ومرارة التشرّد والقلق والألم. فالنوع التوثيقيّ أساسيّ، بالنسبة إليهما، في مقاربة الحكايات، وتأريخها كحالةٍ آنية، أو كفعلٍ تاريخي له امتداداته المختلفة في الزمن (ماضياً وراهناً)، وله حيّزه الجغرافي المنفلش بين لبنان وفلسطين: في الأوّل، يظهر الفرد الفلسطيني في صورته الإنسانية المحضة، داخل مخيّمات تتحوّل إلى صورة مختزلة عن بلدٍ مفقود، وتُصبح يوميات العيش فيها مرايا تفضح واقعاً، وتقول شيئاً من بشاعة ما يجري. في الأول أيضاً، تذهب كاميرا الثنائيّ إلى تفاصيل العلاقة الملتبسة بين اللبناني والفلسطيني، وإلى مكامن الصدام المبطّن والعلني بين الطرفين، وإلى فعل المواجهة الحتمية للبنانيين عديدين في تحدّي العنجهية الإسرائيلية مراراً وتكراراً، أو في مواكبة التحوّل الملتبس، الناتج من اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، في 14 فبراير/ شباط 2005، وما تلاه من تبدّلات خطرة في البنيان الاجتماعي ـ السياسي ـ الثقافي اللبناني.

لن تبقى الاشتغالات السينمائية لجان شمعون ومي المصري محصورةً في لبنان. ففلسطين، كبلدٍ محتل، وقضية عادلة، وأناسٍ يكافحون ـ في المستويات كلّها ـ من أجل حياة كريمة، تُشكّل جزءاً جوهرياً في المشروع السينمائي الخاصّ بهما. داخل المخيمات أولاً، لكن أيضاً في فلسطين المحتلّة نفسها، خصوصاً عبر اشتغالات ميّ المصريّ منفردةً، إذ إن الكاميرا لن تتوقّف عن ملاحقة وحشية الإسرائيليّ في التعامل مع أبناء البلد، وفي الوقت نفسه ترافق الفلسطيني في يومياته، وإنْ يتمّ التركيز ـ أكثر فأكثر ـ على مقارعة العدوّ، ضمن خطابٍ إيديولوجيّ يسيطر، غالباً، على النَفَس البصريّ لأفلامهما.

فلسطين حاضرة في أفلامهما، كما في حياتهما اليومية. فالشعور بانتماء مادي وروحي وثقافي وأخلاقي إليها محرِّكٌ أساسيّ ليومياتهما، ولمشاريعهما السينمائية، ولتحدّياتهما الدائمة شتّى أنماط القمع والضغوط، لمنعهما ـ إنتاجياً على الأقلّ ـ من تحقيق ما يرغبان في تحقيقه، كعناوين تفضح وتبوح وتؤرّخ. فالحصول على تمويل أو إنتاج غربيّ لمشاريع معنية، مباشرة، بالهمّ الفلسطيني، دونه عوائق عديدة يتوصّل شمعون والمصريّ إلى تجاوزها غالباً، استناداً إلى قناعة أخلاقية وثقافية بانتمائهما إلى فلسطين، وبالتزامهما الفني والفكري والجمالي حالاتها ومشاغلها وهموم ناسها وأسئلتهم وأحلامهم وتفاصيل عيشهم.

ذاكرة

على مدى أعوام مديدة من العمل المشترك بينهما، تُصبح أفلامهما أشبه بمسار يتميّز بلغة تنبض بذاكرة وواقع، وتعاين ـ إنسانياً ـ وقائع وحالات وانفعالات ومسائل. فبين العامين 1983 (بداية التعاون السينمائيّ بينهما) و2000 (الخروج الإسرائيلي من لبنان ونهاية احتلال إسرائيل أجزاء واسعة من أراضيه، في 25 مايو/ أيار 2000)، لن تنفصل هواجس جان شمعون ومي المصري، الحياتية والثقافية والسينمائية والجمالية والإنسانية، عن المعاينة الدقيقة لمختلف التبدّلات الحاصلة، والسياقات الفاعلة والمؤثّرة في صلب اليوميّ، والآثار المتنوّعة التي يُخلّفها الفعل الجُرمي للاحتلال أولاً، والنزوع اللبناني ـ الرسمي والشعبي بغالبيته الساحقة ـ إلى التنكّر للفلسطيني ثانياً، وممارسة أسوأ أشكال القمع واللامبالاة والإنكار بحقّه ثالثاً.

قبل العام 1983، وبعد النهاية الواضحة للاحتلال الإسرائيلي للبنان، لن يتناقض الهمّ الفرديّ للثنائي جان شمعون وميّ المصريّ مع تطلّعات الآخر، أقلّه في عناوين عامة للعملين الثقافي والفني: معنى السينما في مواكبتها حركة المجتمع والناس، وآلية مسار المجتمع والناس أيضاً، وتطوّر الآلية تلك، كما في المعالجة البصرية مآزق وأوجاع وقهر، وتوقّفها الدائم عند ملامح، ولو قليلة، لأملٍ لن يتخلّى عنه الفلسطيني أو اللبناني المنصرف إلى الهموم الفردية والجماعية، الخاصّة والعامة.

تختصر تعليقات نقدية مختلفة، تتناول نتاجاتهما السينمائية، جوهر اشتغالاتهما: ذلك أن إحدى أبرز الصفات المطلقة على أعمالهما تتمثّل بانتمائها إلى "تيار سينما الناس"، تلك السينما التي تهتمّ بالمضمون الإنساني البحت، وإنْ يرتفع منسوب النضال والإيديولوجيا أحياناً في الخطاب البصريّ. مع ذلك، فإن نقّاداً عديدين يقولون إن شمعون والمصري لم يُلغيا أبداً "موقع" اللغة السينمائية في نتاجهما. ففي التجربة المشتركة بينهما، "الأهمّ دائماً أن نعيش الواقع، لا أن ننطلق من أفكار مسبقة"، كما تردّد ميّ المصري في حوارات عديدة لها، مضيفةً في بعضها أن "الواقع يفرض اللغة، ويُحدِّد مناخ الفيلم". تشير المصريّ أيضاً إلى أنه "قبل التفكير في كيفية التأثير في الناس، علينا أن نتأثّر نحن أولاً". في المقابل، تتلخّص وجهة نظر جان شمعون بـ"وجوب نقل آراء الناس الذين يتحمّلون، وحدهم، وزر المشاكل". يؤكّد على ما يلي: "كلّما كنا صادقين في ذلك، كان في وسعنا نقل آراء الناس. فأنا لا أستطيع فبركة فيلم ليس له علاقة بالآخرين".


ملامح سينمائية

في الإطار العام لأي قراءة نقدية تتناول أفلام الثنائي شمعون ـ المصري، يُمكن تبيان ملامح أساسية لن يتخلّى عنها المخرجان في كامل أعمالهما، المفضية بجان شمعون إلى فيلم روائيّ طويل واحد، يُحقّقه في العام 2000 بعنوان "طيف المدينة"، والمؤدية بمي المصري إلى إنجاز مشروعٍ روائيّ طويل أول لها هي أيضاً، بعنوان "3000 ليلة" (2015)، يُعرض في أكثر من مهرجان سينمائي عربي ـ دولي، أو ضمن احتفالات ثقافية أو جماهيرية متنوّعة؛ علماً أن العرض التجاري اللبناني ينطلق في صالتين بيروتيتين فقط، في 12 مايو/ أيار 2016.

إذاً، فإن الملامح تلك محدّدة بالتزام أساسي بالواقع الإنساني، وبضرورة الانطلاق منه لقراءة الحاضر والماضي معاً، بهدف تحصين الذاكرتين الفردية والجماعية من خطر التغييب. محدّدة هي أيضاً بمعاينة بصرية توثيقية للذات (اللبنانية والفلسطينية) ولعلاقاتها المختلفة. هنا، يُمكن استعادة التقديم الرسميّ لجان شمعون لفيلمه الطويل "طيف المدينة"، إذْ يبدو خلاصةً لمجمل المشروع السينمائي لهما: "إنه (الروائي الطويل) العالم اللاواعي للذاكرة التي تمتلكنا. إنه ما يتبقّى في ذواتنا ممن نفتقدهم، فيستمرّ طيفهم جزءاً من كياننا. إنه قصّة السرّ الذي يعيش فينا، وفي الآخرين". لكن، عندما يذهب باتجاه الفيلم بحدّ ذاته، يرى أن "الطيف" هو "ظلال التهديد التي يفرضها مغتصبو المدينة، وكوابيس الحرب التي تحطّم أحلامنا المضيئة". يشير بالتالي إلى أن "طيف المدينة" يثير "في مخيلتنا صُوَر التدمير الذي ألحقته الحروب بالمدينة"، لكنه الطيف نفسه الذي "يحفر في ذاكرة رامي (الشخصية الرئيسية) أحداثاً يعيشها في المدينة، فتعطيه القدرة على الاستمرار من أجل المساهمة في إعادة البناء بالأسلوب الذي يراه".
الذاكرة، اللاواعي، المدينة، الحرب وكوابيسها، المواجهة، إعادة البناء، السرّ، إلخ. ألا يُمكن القول إن الـ"ثيمات" كلّها هذه (وغيرها أيضاً) ركائز جوهرية في العمارة السينمائية التي يصنعها الثنائي جان شمعون ومي المصري؟ ألا يُمكن العثور عليها، أو على بعضها على الأقلّ، في أفلامهما التسجيلية ـ التوثيقية، المجتهدة في الخروج من تقنية السرد الوثائقي التبسيطي، إلى ما هو أرقى، فنياً، من مجرّد التسجيل المباشر لواقع أو حالة أو حكاية أو انفعال أو شخص أو بيئة؟
هذا جوهر حكايتهما، وحكاية أفلامهما معاً.

الأفلام المختارة

الأفلام المختارة للاحتفال التكريمي البيروتيّ الأخير تتناول مواضيع مختلفة بين لبنان وفلسطين، كعادة الثنائي في مقاربة الحكايات والمسائل والأفراد. 12 فيلماً، يتناوب شمعون والمصري على إخراجها وإنتاجها، في عمل سينمائي مشترك ومتين البنية: "أنشودة الأحرار"، "أطفال شاتيلا"، "طيف المدينة"، "أحلام معلّقة"، "مصابيح الذاكرة"، "33 يوما"، "أطفال جبل النار"، "أرض النساء"، "زهرة القندول"، "أحلام المنفى"، "بيروت جيل الحرب"، "يوميات بيروت".


(كاتب لبناني)

المساهمون