سيدي بوسعيد... امتزاج فاتن للأبيض بالأزرق

سيدي بوسعيد... امتزاج فاتن للأبيض بالأزرق

02 يونيو 2016
منظر بانورامي للواجهة البحرية لمدينة سيدي بوسعيد السياحية (Getty)
+ الخط -

لا تستطيع أن تقول إنك زرت تونس، إذا لم تزر ضاحية سيدي بوسعيد على بعد 20 كيلومترا شمال شرق العاصمة، حيث تختلط الروحانيات والطرق الصوفية بالياسمين وبأمواج البحر وحيث يطغى الأزرق والأبيض.
في ضاحية سيدي بو سعيد، يختلط اللونان الأبيض والأزرق، ويندمجان معاً مع أمواج شاطئ المتوسط الذي يحيط بالضاحية التي تقع في أعالي المنحدر الصخري، المطل على قرطاج وخليج تونس، فيسكنك التاريخ، وترحل بك الأسطورة إلى وليٍّ صالح، يدعى أبو سعيد الباجي، تنسب الضاحية إليه، حيث لا يزال أثره باقياً في الضاحية، من خلال ضريحه في مسجد الزاوية. وفي مظاهر احتفاليةٍ، تقام في فصل الصيف، "خرجة سيدي بوسعيد"، وبمشاركة فرقٍ فنيةٍ من العيساوية، تسرد قصائد ومدائح وتدق الدفوف وتطلق البخور والزغاريد.
تعد ضاحية سيدي بوسعيد أول موقع محمي فــي العــالم، ويعـود تأسـيسها إلى القرون الوسطى، ويقطنها اليوم حوالي 5000 شخص، من أثرياء تونس ونخبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتمثل مكاناً سياحياً، يتميز بفن معماري خاص، يجذب السياح، حيث تجد جل البيوت في هذه الضاحية بيضاء ذات أبوابٍ عتيقةٍ، يغلب عليها اللون الأزرق. كما تحتوي هذه الأبواب على نقوش وزخارف عتيقة غاية من الجمال. ولتدرك هذا الجمال عن قربٍ، لا بد لك من تجربة دخول القهوة العالية، حيث الشاي التونسي اللذيذ، والجلوس على المصاطب الإسمنتية التي تعلوها البسط التراثية والوسائد التي تتكئ عليها، وأنت تترقب أمواج البحر المتوسط، وأسفل منك اليخوت الفاخرة لموسري تونس التي تصطف في المرسى.
وفق روايات التاريخ، كان جبل سيدي بوسعيد يسمى جبل المرسى، ويسمى جبل المنار، وما فتئ هذا الجبل الصغير يوفّر الأمن والمراقبة والدفاع عن قرطاج الفينيقية في القرن السابع قبل الميلاد، ولمدة طويلة عن مدينة تونس، من بداية الفتح الإسلامي إلى القرن الثاني عشر، حيث كان جبل سيدي بوسعيد يقوم بدور الحصن. ومنذ نهاية القرن الماضي، عوّضت هذه التسمية (جبل المنار) رسمياً باسم سيدي بوسعيد، لدى إحداث بلديةٍ في هذا المكان سنة 1893، نسبة لوليٍّ صالح، اسمه أبو سعيد، خلف ابن يحي التميمي الباجي (1231-1156)، والذي ولد في باجة القديمة، وهي قرية صغيرة كانت في أحواز تونس قرب منوبة واندثرت الآن. وأقام في بداية حياته في تونس الزيتونة لتلقي الدروس. في عصر انتشرت فيه الصوفية في شمال إفريقيا، بعد ظهورها في الشرق الأدنى، إلى أن تجذّرت في المغرب العربي. وفضلاً عن ذلك، وهب بوسعيد نفسه للتأمل الروحي، فعندما ينهي دوره في المراقبة، كان يتفرغ للصلاة، ويقدم دروساً لتلاميذه الكثيرين، ومنهم أبو الحسن الشاذلي (سيدي بلحسن)، وينظم اجتماعاتٍ تثار فيها مناقشاتٌ في علوم الدين.
وبعد وفاته، استمرت الضاحية في اجتذاب كل من كانت له استعداد للسعي وراء التأمل. ومن ثم وجد متزهدون كثيرون ملجأ هناك، مثل سيدي الظريف وسيدي بو فارس وسيدي الشبعان... وقد كان لا بد من انتظار بداية القرن الثامن عشر، ليبادر حسين باي، إلى بناء جامع الزاوية الذي يشمل ضريح أبي سعيد. حيث بنى محمود باي (1824-1814) مسكناً بالقرب من مسجد الزاوية، أصبح فيما بعد دار ثامر.
في سيدي بوسعيد تستوقفك النقوش والزخارف العتيقة التي امتزجت مع أشجار الياسمين والفل، ومع ألوان القطع الأثرية التي غطت أبواب المحلات، وتكاد تكون صورةً لمشهدٍ من العصور القديمة.
تضج اليوم شوارع سيدي بوسعيد، بالحياة، فثمّة نزل ومقاه ومطاعم تنتشر في جنباتها، وهناك مئات المحلات التجارية التي تبيع النحاسيات وقطع الزجاج المعشق، وكل ما يمت إلى التراث التونسي، بأسعارٍ مقبولة، ولا يمكن أن تزور سيدي بو سعيد، من دون أن تشتري المشموم التونسي من الباعة الذين يلاحقونك، وهو باقة تتكون من أزرار (أو أكمام) زهرات الفل أو الياسمين أو كليهما معاً، تتميز ببياضها الناصع ورائحتها الفواحة، ويحملها الرجال والنساء على السواء، في اليد أو فوق إحدى الأذنين، أو في جيب القميص، ومن دون أن تأكل "البامبلوني"، وهذه أكلة تونسية من العجين والسكر التي تقلى في الزيت، وتسكت جوعك بحلاوتها. ويعتبر السمك من الأكلات الأساسية في منطقة سيدي بوسعيد، ويقدّم بطريقةٍ بسيطةٍ جداً، تحافظ على نكهته الطازجة، وتقدم معه الصلصات المؤلفة، مثل الحامض والطماطم والصنوبر والزيتون والأعشاب الطبيعية التي تضفي نكهةً خاصة.
ولا تنسى قبل أن تودع سيدي بو سعيد، أن تحضر مشهد مغيب الشمس، المشهد الذي لا يُضاهى، حيث تختفي الشمس رويداً رويداً وراء الأفق، ويحرص مئات السياح يومياً ألا يفوتهم ذلك.

المساهمون