سيدوني كيليرِر: هايدغر وارتباك قراءته

26 مايو 2018
الصورة
(من ملصق فيلم وثائقي عن هايدغر)
هل يمكننا أن نقرأ مفكّراً أو كاتباً بعيداً عن سيرته وخيارات حياته؟ في بعض المجالات، العلم على وجه الخصوص، تبدو الإجابة وقد حُسمت فلا تحاسب النظريات بمعايير المواقف الشخصية والسياسية، غير أن الأمر يبدو مختلفاً حين ندخل مناطق الفكر والكتابة.

يظهر ذلك جلياً في سجال معرفي لم يهدأ منذ أربعينيات القرن الماضي، مع سقوط النازية، حول الموقع الذي ينبغي أن يوضع فيه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1889 – 1976) الذي كان مقرّباً منها، ولم يُحسم الأمر حتى بعد رحيله. في هذا الإطار، ألقت الباحثة الألمانية الفرنسية سيدوني كيليرِر محاضرة بعنوان "هايدغر أو تاريخ من الارتباك" في "بيت العلوم الإنسانية – لورين" في مدينة نانسي الفرنسية يوم الثلاثاء الماضي.

قدّمت كيليرِر محاضرتها باعتبارها تندرج في مجال معرفي لم يتبلور بشكل نهائي، وهو "تاريخ التقبّل"، وتعتبر أن "تقبّل هايدغر يمثل مسألة نشطة للغاية ولها قابلية توسّع كبيرة، وهو ما سيفيد بشكل كبير هذا المجال المعرفي الناشئ"، مشيرة مثلاً إلى وجود أكثر من تاريخ لتقبّل الفيلسوف الألماني، فهايدغر في فرنسا غيره في ألمانيا، وحتى في ألمانيا نفسها يمكن أن نجد فروقات أساسية بين الفضاءات الثقافية المتنوعة، فلا تطابق كثيراً صورة هايدغر في مدينته فرايبورغ صورته في برلين أو كولونيا.

انطلقت المحاضرة من تاريخ قريب، 2014، حين جرى نشر ما عُرف بـ"الكراسات السوداء" والتي أعادت السجال حول علاقات هايدغر بالنازية إلى الواجهة، لسببين؛ الأول متعلّق بالراهن السياسي مع صعود التيارات اليمينية ما يدلّ لدى البعض على أن الإرث النازي لم يجر تصفيته.

والسبب الثاني يتعلق بتاريخ الفكر نفسه باعتبار أن هايدغر ظل مقسِّماً لأهل الفلسفة بين من يرى بضرورة الاعتماد على فكره بغضّ النظر عن مواقفه السياسية وبين من يرى بوجوب إقصائه لأن فكره أحد محامل مواقفه السياسية، وهنا تذكّر كيليرِر بمواقف مفكرين كثيرين مثل كارل ياسبرز الذي رأى بضرورة إقصاء هايدغر من ممارسة التدريس، ومن الجانب الآخر تذكّر بآراء جاك ديريدا وحنة أردنت التي قدّمت شهادة حاسمة حين اعتبرت فكره الفلسفي غير حامل لنزعة سياسية، أو موقف هابرماس الذي قال بأنه "يمكننا التفكير مع هايدغر ما قبل الـ 1929".

الفكرة الرئيسية التي تقدّمها كيليرِر في محاضرتها هي أنه قد "آن الأوان إلى اعتماد مناهج من خارج الفلسفة لتحليل علاقة فكر هايدغر بحياته"، ومنها بالخصوص علم تحليل الخط بالعودة إلى مخطوطات صاحب "الكينونة والزمان"، والتي تشير إلى أنها خلال بحوث سابقة وجدت تنوّعاً في أشكال الخط، فهناك صفحات مكتوبة بخط واضح، وأخرى على العكس صعبة القراءة، وقد وضعت فرضية بأن هناك علاقة بين مضامين هذه النصوص ومواقف هايدغر، فهناك المحسومة منها وهناك أخرى كان يتردّد فيها وربما يترك البتّ الفكري حولها لوقت لاحق.

غير أن الدَفعة التي يمكن أن توفّرها قراءة المخطوطات من أجل إضاءة مواقف هايدغر السياسية تقف حيالها العديد من العوائق؛ أولها -بحسب المحاضرة- أن هايدغر ليس بالكاتب الهيّن، فهو قد حظي باعتراف سريع بمكانته كمفكر أساسي في عصرنا، وبالتالي فمن المتوقع أن يضع في اعتباره أن مخطوطاته ستكون محلّ دراسة، كما أنه يمكن أن تكون المخطوطات والكتابات الذاتية حاملة لتوجيهات من أجل قراءة دون أخرى، مشيرة في هذا الصدد أن هذه الروح التوجيهية لا نجدها فقط في مخطوطات الفيلسوف الألماني بل أيضاً لدى المترجمين، إذ أن هؤلاء وهم ينقلون أعماله كثيراً ما يسرّبون مواقفهم من مسألة علاقته بالنازية.

الإشكالية الثانية التي تعرضها كيليرِر تتعلق بالمسائل القانونية، مشيرة إلى أن مخطوطات هايدغر ليس من السهل الوصول إليها، وبالتالي دراستها، نظراً للوصاية التي فرضتها أسرته وناشره، بتعلة أن هناك وصية من هايدغر بعدم نشر مخطوطاته والاكتفاء بما أصدره. لكنها من جهة أخرى ترجّح أن ابتعاد سنة رحيله، وربما رحيل المقرّبين المباشرين منه قد يتيح مستقبلاً فتح هذا الباب.  

في خاتمة حديثها، تعود كيليرِر إلى التأكيد على أن التقدّم في فهم "تاريخ تقبّل هايدغر" أصبح مسألة أبعد من حدود الفلسفة، فمجالات علم الاجتماع والدراسات اللسانية سيكون لها بالتأكيد مساهمات مستقبلاً. وتأمل المحاضرة أن تتاح قريباً إمكانية عقد مقارنات بين ثلاثة عناصر: المخطوطات، والمؤلفات المنشورة، والدروس.