سياسة ترامب التجارية والنقدية

08 مارس 2018
الصورة
ترامب مجتمعاً بأعضاء من إدارته اليوم الخميس (Getty)
+ الخط -

لا يكاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يخرج من وسط زوبعةٍ، حتى يدخل أخرى جديدة. إنه خالق للفوضى، لكنه غير قادرٍ، طوال الوقت، على التحكم فيها أو بنتائجها.

ومنذ دخل البيت الأبيض، سعى بكل قوة لكي يحسن من وضع الميزان التجاري الأميركي، وقد اتخذ إجراءات عديدة نحو ذلك. فقد بادر فوراً بطرح اتفاقية باريس للبيئة أرضاً، وتخلى عنها على الرغم من الاحتجاجات المريرة التي وُجِهت ضده في هذا الشأن.

وسمح، في الوقت نفسه، ببناء خط نفط ألاسكا، وشجع الاستثمار في آبار نفط جديدة، أو تحسين إنتاجية الآبار الحالية. وشجع أكثر وأكثر على الاستثمار في الزيت الصخري، حتى قاربت الولايات المتحدة في إنتاجها النفطي أكبر دولتين منتجتين للنفط، وهما المملكة العربية السعودية وجمهورية روسيا الاتحادية، أو ما يقرب من عشرة ملايين برميل يومياً.

وهكذا أصبحت الولايات المتحدة غير محتاجةٍ لاستيراد نفط جديد، إلا لأغراض دفاعية، كتزويد سفنها في المحيطات، أو لتنويع الوزن النوعي للنفط حتى يصبح قابلاً للتصفية والتحويل إلى المشتقات النفطية التي تحتاجها. وهكذا لم يبق عجز تجاري في مجال النفط في الولايات المتحدة.

وألزم الرئيس دونالد ترامب شركات أميركية كثيرة تنتج خارج الولايات المتحدة مثل السيارات، والمعدات والآليات الزراعية، والهواتف النقالة، وغيرها بالعودة إلى الولايات المتحدة تحت طائلة إخضاع تلك السلع للرسوم الجمركية المرتفعة. وكذلك أقنع الشركات التي تصنع بعضاً من مدخلات إنتاجها في الأسواق التي تربطها مع الولايات المتحدة اتفاقية تجارة حرة، أو غيرها بإعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة.

وأما الخطوة التي احدثت ردود فعل غاضبة داخل الولايات المتحدة وخارجها، هي عزمه فرض ضريبة جمركية بنسبة 25% على الحديد ومنتجاته، و10% على الألمنيوم، بهدف حماية مصانع الحديد والألمنيوم داخل الولايات المتحدة. وقد هدّدت دول أوروبية بفرض ضرائب على النبيذ والملابس الجينز والسيارات الأميركية، فهددها بإجراءات مماثلة. 
وقال ترامب معلقاً على ناقدي سياساته إن الحرب التجارية أمر جيد للجميع.


هذه بعض من إجراءاته، والتي ستؤدي إلى التقليل من مستورداته وزيادة صادراته بأقل من ذلك. ولضمان تحقق تخفيض كبير على العجز التجاري الأميركي، صار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) يضارب على الدولار، وأوقف رفع أسعار الفائدة عليه، ما خفض من قيمة الدولار في الشهر الأخير بنسب كبيرة حيال اليورو والجنيه الاسترليني والين الياباني واليوان الصيني، وغيرها من العملات.

وبالطبع، سيؤدي إلى تخفيض سعر تبادل الدولار إلى تخفيض أسعار الصادرات الأميركية بالدولار ورفع أسعار المستوردات بالدولار داخل السوق الأميركية، وهكذا تزيد صادرات الولايات المتحدة، وتقل مستورداتها.

وتقدر الدولارات الأميركية خارج الولايات المتحدة، والناجمة عن العجز التجاري المتراكم بحوالي 8.5 تريليونات دولار، يقول الرئيس الأميركي إنه يريد استعادتها للولايات المتحدة.

إن العجز في الميزان التجاري الأميركي يؤدي إلى إرسال هذه الدولة العظمى دولاراتٍ إلى العالم أكثر مما تستعيد، وحيث أن الدولار هو العملة الغالبة على التعاملات الدولية، فإن سياسة الرئيس ترامب سوف تؤدي إلى تراجع المتاح منها في الأسواق خارج الولايات المتحدة.
السؤال هنا: ماذا ستكون ردة فعل الاقتصاد الدولي حيال هذا الأمر؟

ستسعى دولٌ، مثل أعضاء الاتحاد الأوروبي والصين، لكي تجعل عملتيهما (اليورو واليوان) البديلتين اللتين تعملان داخل الأسواق العالمية، كعملات قابلة للتحويل في أي بلد وأي لحظة. وقد اعترف صندوق النقد الدولي باليوان الصيني عملة رئيسية قابلة للتحويل. وهذه خطوة مهمة على طريق عولمة العملة الصينية.

أما العملات المهمة الأخرى التي ارتفعت حيال الدولار في الفترة الأخيرة، فهما الين الياباني والجنيه الاسترليني. ومع أنهما عملتان لدولتين متينتين اقتصادياً، إلا أنهما لا يضخّان سيولة كافية في الأسواق العالمية، وليس لديهما الاستعداد الكافي لعمل ذلك في المستقبل. ومن هنا، فإن اليورو واليوان هما العملتان المنافستان للدولار.

ولكن الولايات المتحدة الأميركية لن تقبل بهذا الأمر، فالربح الذي تجنيه من أن الدولار العملة الدولية الأولى كبير، يأتي معظمه من "السينيوراج"، أو الفرق بين كلفة طباعة ورقة الدولار أو أي فئة أخرى، والقيمة الظاهرة على العملة، فأميركا مثلاً تكسب حوالي 99.9 دولاراً من طباعة ورقة عملة من فئة المائة دولار، وهو الفرق بين هذه المئة وكلفة طباعتها البالغة 10 سنتات أميركية.

ولكن الأهم هو التحول الذي سيحصل من العملة الورقية إلى العملة الإلكترونية، سواء كانت بتكوين أو غيرها. وهي قد شرعت في التحذير من استخدام البتكوين الذي تراجعت أسعاره في الأسواق العالمية.

وتريد الولايات المتحدة، بفضل قوة الشبكة الإلكترونية الدولية، أن تسيطر على إصدار العملات الإلكترونية، ما يعطيها فرصة كبرى لتتحكم ليس فقط في حجم العملة المصدر، ولكن في كل عملية شراء وبيع، وكل معاملة قيد أو مقاصّة بين ما في الحسابات المصرفية من أرصدة وما ينفق أو يسحب منها، وما يدخل إليها. وإذا حصل هذا، فإنها تصبح الدولة المسيطرة خلال عقدين على نظام الإيداع والمدفوعات الدولي.

نحن أمام حرب عملات إلكترونية، لا ندري كيف ستدار، ولا ماهية عواقبها على الاقتصاد العالمي.

المساهمون