سورية: خروقات لا تلغي الهدنة ومخاوف من تعويم النظام

سورية: خروقات لا تلغي الهدنة ومخاوف من تعويم النظام

14 سبتمبر 2016
يعتقد مواطنون سوريون بأن الهدنة لن تنجح (بهجت نجار/الأناضول)
+ الخط -
تبدو الهدنة التي اتفقت عليها كل من روسيا والولايات المتحدة في سورية، والتي بوشر تطبيقها بدءاً من الساعة السابعة من مساء الإثنين، وكأنها اتفاق على إعادة تأهيل للنظام السوري، ومحاولة من الدول الراعية لها الذهاب بالنظام والمعارضة إلى جنيف من أجل استئناف المفاوضات وسط ضغوط على المعارضة تتجلّى بسحب معظم أوراق قوتها السياسية، وشقّ صف المعارضة المسلحة وحصارها ضمن منطقة محددة وترك احتمال ضربها قائماً بحجة محاربة الإرهاب. في المقابل، تحاول المعارضة على الرغم من الشروط المجحفة بحقها، ألا تظهر بمظهر الخارج عن الإرادة الدولية، وذلك من خلال الموافقة على الهدنة ورمي الكرة في ملعب النظام الذي قام بعدد من الخروق منذ الساعات الأولى لتطبيق الهدنة.

في هذا السياق، يُمكن اعتبار الساعات الـ24 الأولى للهدنة، ناجحة، خصوصاً أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أكد أمس الثلاثاء، أن "الاتفاق الأميركي الروسي يُشكّل الفرصة الأخيرة المتوفرة لإنقاذ سورية". ورسم كيري صورة قاتمة لسورية في حال عدم التزام الأطراف باتفاق الهدنة، متوقعاً دخول البلاد في "نفق أكثر ظلامة، ولن نستطيع أن نوقف ذلك، في حال انهيار الاتفاق".

ولا يبدو أن الاتفاق بين واشنطن وموسكو قد ردم هوّة عدم الثقة بين الطرفين، إذ قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن "موسكو تخشى من توجّه بعض الجهات لشطب جبهة فتح الشام من قائمة الإرهاب الدولي"، في إشارة منه إلى الولايات المتحدة. ولفت إلى أن "موسكو تخطط لإجراء حديث جاد وصريح مع واشنطن بشأن الوضع حول جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً)". في المقابل، نفت روسيا وجود خلافات مع حليفتها إيران حول الاتفاق، في وقت أعلنت فيه وكالة الإعلام الروسية أن "الاتفاق سيكون محور المحادثات بين نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، ونظيره الإيراني حسين جابري أنصاري".

وكان لافتاً الاتفاق شبه التام لدى المعارضة السورية، حيال الاتفاق الروسي ــ الأميركي الأخير. في هذا الصدد، أصدر 21 فصيلاً من "الجيش السوري الحر"، و"حركة أحرار الشام الإسلامية" بياناً مشتركاً، هو الأول من نوعه، جاء متماشياً مع بيان "الائتلاف الوطني السوري"، لناحية وحدة المواقف التي لم ترفض الاتفاق صراحة، لأن "رأس أولوياتنا دائماً، السعي لتحسين الوضع الإنساني للشعب السوري الثائر، خصوصاً في المناطق المحاصرة"، ولكنها في نفس الوقت أبدت موقفاً حذراً، يلفت إلى "ضرورة تجنّب المكاسب السريعة والمؤقتة، والتي يقابلها وجود مخاطر مؤكدة". لكن بيان المعارضة السورية لم يخل من نبرة تهديد، وإن كان أبدى موافقة متحفظة على الاتفاق، إذ أشار إلى أن "الجيش السوري الحر وفصائل الثورة التي ستتعامل بإيجابية مع الهدنة، تملك حق الدفاع عن الشعب والثورة في حال قيام النظام وحلفائه والمليشيات الإرهابية بأي عدوان جوي أو بري، أو محاولة احتلال أراضٍ، أو السعي لفرض الحصار أو التهجير القسري للسكان".



في السياق ذاته، جاء موقف الائتلاف داعماً لـ"أي جهد دولي صادق يرمي إلى التخفيف من معاناة شعبنا ووقف القصف والقتل والتدمير الذي تقوم به طائرات روسيا والنظام والمليشيات الإيرانية الإرهابية، وإدخال المساعدات للمناطق المحاصرة"، معتبراً أن ذلك "خطوة في الاتجاه الصحيح وسنتعامل معه بإيجابية، كونه ينسجم مع قرارات مجلس الأمن، ومنها القرار 2254 الذي نصّ على الوقف الفوري لاستهداف المدنيين والمنشآت الخدمية والطبية". ولو أنه في الوقت نفسه حثّ على "ضرورة توفر آليات مراقبة واضحة لتثبيت الخروقات والجهات التي قامت بها، وتشرف عليها جهات محايدة لا تشمل الطرف الروسي، والذي لا يمكن اعتباره طرفاً ذا مصداقية".

من جهته، وصف المحلل العسكري والاستراتيجي أحمد رحال، موقف المعارضة السورية حيال الاتفاق بـ"المتوازن، وعلينا أن ندرك أن خيارات التحرك معدومة في ظل اتفاق الدولتين العظميين. وعليه فإن موقف المعارضة السورية واقعي وإن لم يكن مثالياً".

وأضاف رحال في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أنه "إذا كان الحال كذلك، فعلى القوى الثورية في سورية أن تعمل على تجيير هذا الاتفاق لصالحها، خصوصاً أنه يشكل بارقة أمل لوقف القتل والتهجير، ويمكن البناء عليه طالما أنه يسهم في إيقاف قتل السوريين على يد النظام والمليشيات التي تسانده".

ميدانياً، شهدت الجبهات والأجواء السورية هدوءاً حذراً، إلا أن قوات النظام خرقت الهدنة في العديد من المواقع، خصوصاً في حلب ومحيطها، وفي أرياف حماة، ودمشق، والقنيطرة، حيث قصفت مدفعيتها مواقع تسيطر عليها المعارضة السورية. وقامت قوات النظام وحزب الله باستهداف بلدات مضايا وبقين بقذائف مدفعية وصاروخية، إضافة إلى الرشاشات الثقيلة والمتوسطة. كذلك خرقت قوات النظام الهدنة باستهداف بلدة جباثا الخشب بريف القنيطرة، عبر قصفها براجمات الصواريخ، بالإضافة إلى استهداف الطيران المروحي تل عنتر ببرميلين متفجرين في المنطقة نفسها. واستهدفت قوات النظام المتمركزة في جبل زين العابدين بلدات كوكب معردس وصوران بريف حماة بقصف مدفعي وصاروخي، كما قصفت بنفس التوقيت مدينة دوما بريف دمشق.

وفي محافظة حلب استهدفت طائرات النظام المروحية منطقة الشقيف في المدينة بالأسطوانات المتفجرة، وكذلك استهدف طيران النظام الحربي بلدة المنصورة في الريف الغربي، وحي مساكن هنانو شرقي المدينة، ومنطقة حندرات شمالها. كما قصفت مدفعية النظام الموجودة في تلة القرع، قرية القراصي جنوبي حلب.

في ظلّ هذه الأوضاع، وردت أنباء تفيد بأن وحداتٍ عسكرية روسية باشرت الانتشار فعلاً، في بعض النقاط قرب طريق الكاستيلو. ويعتقد بأن من مهام القوات الروسية مراقبة طريق عبور الشاحنات الأممية الآتية من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، والمحمّلة بالمواد الغذائية، نحو مناطق حلب المحاصرة. وقد عبرت في هذا الصدد أكثر من 40 شاحنة تركية محمّلة بالمساعدات الإنسانية من معبر جيلفي غوزو (باب الهوى من الجهة السورية) الحدودي في ولاية هاتاي التركية (لواء إسكندرون).

مع العلم أن وزارة خارجية النظام أبدت رفضها إدخال مساعدات إنسانية إلى حلب، لا سيما من تركيا، من دون التنسيق معها ومع الأمم المتحدة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن مصدر في وزارة الخارجية. وأكد المصدر أن "سورية ترفض إدخال مساعدات إنسانية إلى حلب، ولا سيما من النظام التركي من دون التنسيق مع الحكومة السورية والأمم المتحدة".



وعلى الرغم من التأييد الدولي الذي حظي به اتفاق الهدنة، إلا أن النسبة الأكبر من السوريين لم يكونوا متفائلين به. وفي هذا الإطار، رأى مصطفى رجب المقيم في مدينة بنش التابعة لمحافظة إدلب أن "الهدنة لن يكون لها معنى في محافظة إدلب"، متوقعاً في حديث لـ"العربي الجديد" أن "تشهد المحافظة المزيد من المجازر خلال فترة الهدنة بدعوى محاربة النصرة".

وبّين أن "هناك مجموعة من الأسباب التي تجعل من الهدنة أمراً غير قابل للتطبيق، أولها أن الروس لم يحصروا التنظيمات المتطرفة التي سيستثنونها من الهدنة بتنظيم فتح الشام (النصرة سابقاً)، بل بيّنوا أنهم سيحاربون النصرة وشبيهاتها، ما يعني أنهم قد يستهدفون أية جهة تحت بند شبيه النصرة. هذا عدا عن أن الروس وحين كانوا يدعون أنهم يحاربون التطرف كانت طائراتهم تقصف المستشفيات ومراكز الدفاع المدني والبيوت السكنية، بالإضافة إلى أن إشراك النظام بالطلعات الجوية، حتى لو كانت محددة، هو أمر مثير للسخرية، إذ كيف يسمح لأحد طرفي الهدنة أن يقصف مناطق الطرف الآخر".

ورأى رجب أن "الهدف من اتفاق الهدنة هو منع توحد فصائل المعارضة، والتي كانت على وشك التوحد فيما بينها، وليس هدفها إنسانياً كما تدعي". وأوضح أنه "كان الأجدى براعيي الهدنة في حال كان لهم هدف إنساني عدم السماح بحصار حلب وخنق المدنيين فيها، بدلاً من دعم النظام في إطباق حصاره على المدنيين ومن ثم التباكي عليهم".

من جهته، سأل أحمد القاسم، أحد سكان ريف إدلب في حديثٍ لـ "العربي الجديد": "هل يعقل أن يجري اتفاق لوقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة من دون حضور الطرفين أو أحدهما على أقل تقدير؟". بدورها تُبدي سيدة تعيش في مدينة إدلب خشيتها من احتمال اشتداد القصف عليها أكثر من السابق، بسبب انتشار كثيف لعناصر "جبهة فتح الشام" في المدينة، والتي لم يشملها اتفاق وقف إطلاق النار.

وأشارت المرأة في حديثٍ لـ "العربي الجديد" إلى أنه "نحن أيضاً مواطنون سوريون ويحق لنا أن يشملنا وقف إطلاق النار، لا أن يزداد القصف فوقنا". وأضافت: "أنا امرأة لا ذنب لي بوجود عناصر من جبهة فتح الشام أو غيرها من الفصائل. ما يهمني هو توقف القصف الجوي فوق رؤوسنا وإذا استمر القصف فمن الطبيعي أننا لن نرضى بها".

أما عمار خلوف المقيم في حلب، فعبّر عن يأسه من كثرة الهدن الفاشلة التي تعطي السوريين أملاً لساعاتٍ فقط، ثم ما تلبث أن تتعرض الهدنة للخرق. وأوضح خلوف في حديثٍ لـ "العربي الجديد" أنه "يعلم جيداً أن النظام يتعمّد خرق الهدنة، كونها قد تؤدي للإطاحة به"، لكنه أردف بأن "السوريين اليوم بحاجة ماسّة لوقف إطلاق النار في عموم البلاد، ومحاولة ترميم جزء صغير من نفوس الناس".

ولفت الرجل الحلبي الذي يعيش في حي الشعار إلى أنه "حتى النسبة الأكبر من السوريين لا تؤمن بأن الهدنة ستنجح. روسيا والولايات المتحدة تتلاعبان بنا كحجارة بيدهما توجّهنا حيث شاءت مصالحهما"، مشيراً إلى أن "الأمر بالنسبة لأغلب السوريين هو معرفتهم بأن الهدنة لن تنجح لكنهم يعلّقون عليها آمالاً".

في حلب أيضاً اعتبر أبو مصطفى، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "أقذر شيء شهدته الأحداث في سورية هو الحصار الذي فرضه النظام على المناطق والمجاعات التي خلّفها هذا الحصار". وأردف: "أنا شخصياً لديَّ إيمان بنسبة كبيرة بأن الهدنة لن تنجح، وأنها حجج من روسيا والولايات المتحدة لإطالة عمر النظام، لكنَّ الشي الوحيد الذي يجعلني أصلي لنجاح الهدنة هو ضرورة إنهاء شيء اسمه مجاعات في سورية، لأنه أقذر من القصف بمراحل عديدة" حسب وصفه.