سلام السوبر ماركت

23 فبراير 2019
الصورة
تسويق صفقة القرن من بوابة الاقتصاد (مصطفى الخاروف/ الأناضول)
+ الخط -
انطلقت فكرة صفقة القرن شكلاً ومضموناً من رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حل صراع عجز أسلافه السابقون عن حله. هنا ثمة بُعد شخصي أو نفسي يتعلق بالنرجسية والغطرسة والعجرفة لدى ترامب الذي تعاطى مع الصراع أيضاً بذهنية رجل الأعمال الذي لا يعجز أو يفشل في أي صفقة يريد إبرامها.
ذهنية الصفقة إذن، التي تحمل أساساً مضمونا اقتصاديا تحكّمت تماماً بتعاطي الإدارة مع الصراع في فلسطين، خاصة مع إيكال الملف إلى صهر الرئيس سمسار العقارات - الفاشل - جاريد كوشنير.
ضمن هذه الذهنية، وفي ظل التماهي الأيديولوجي التام لكوشنير وفريقه – المبعوث جيسون غرينبلات والسفير ديفيد فريدمان- مع الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة العبرية تمت صياغة أو بلورة معادلة تتبنى المواقف والرؤى السياسية الأمنية الإسرائيلية للحلّ في مقابل إعطاء الفلسطينيين حوافز وإغراءات اقتصادية للقبول بالصفقة. هذا ما عرف تاريخياً بالسلام الاقتصادي الذي كان أيضاً أحد مفاهيم رؤى اليمين الإسرائيلي للحلّ.
في تعريف السلام الاقتصادي يمكن القول إنه عبارة عن نزع أو تجاهل الأبعاد التاريخية القومية السياسية العسكرية الأمنية للصراع، مقابل التركيز على البعد الاقتصادي تحديداً في تبنّي أو تلبية للمطالب الفلسطينية والتنازل عن أو في الحد الأدنى تأجيل مطالبهم الأساسية الأخرى.
هذا المصطلح تحديداً، كان أحد ألاعيب اليمين الإسرائيلي لتأجيل القضايا الصعبة، وقضايا الحلّ النهائي: القدس، اللاجئون الحدود لصالح التركيز على القضايا المرحلية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية للفلسطينيين في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، أي أن السلام الاقتصادي هدف أساساً إلى تكريس وحتى تأبيد الواقع الحالي، وتأجيل الحل إلى أمد لا نهائي أيضاً كتعبير عن قناعة اليمين أن الصراع في فلسطين قابل للإدارة فقط، وليس الحلّ، ويفترض أن يكون هذا بأقل ضرر أو ثمن ممكن من الناحية الإسرائيلية.
المعطيات السابقة تبدت كلها في التمهيد الأميركي لصفقة القرن عبر الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، ووقف تمويل وكالة أونروا مع السعي لإصدار تعريف لمصطلح لاجئ، بحيث ينطبق على من هجروا في النكبة عام 1948 فقط، دون أبنائهم وأحفادهم وسلالتهم، وكل ذلك بالتزامن مع إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، ووقف المساعدات الاقتصادية عن السلطة الفلسطينية لإجبارها على القبول بالصفقة المنتظرة، أو على الأقل عدم مقاطعة الجهود الأميركية والانفتاح على مناقشة الصفقة والتفاوض على حلها.
مع شطب القدس واللاجئين، وعدم القبول بحلّ الدولتين بشكل صريح، حتى إنكار وجود الاحتلال نفسه كما قال السفير الأميركي الصهيوني لدى تل أبيب، وأحد صناع الصفقة ديفيد فريدمان والحديث عن كيان فلسطيني على أكثر من نصف الضفة الغربية دون القدس القديمة طبعاً، ودون غور الأردن، بعد ضم إسرائيل التجمعات الاستيطانية الكبرى. بتنا أمام حكم ذاتي موسع وسلام اقتصادي يتمثل في جلب مساعدات للسلطة بمليارات الدولارات، وإقامة مشاريع اقتصادية كبرى في المناطق الخاضعة لسيطرتها بما يشمل غزة التي لا تتحدث الصفقة عنها صراحة، لكنها مشمولة بالمشاريع وتحسين الأحوال الاقتصادية الاجتماعية ضمن الحل النهائي.
بمعنى آخر نحن أمام مقايضة تشمل التنازل عن الحقوق المشروعة، بل ثوابت القضية الفلسطينية مقابل المعونات والمساعدات الاقتصادية، والاعتراف من جهة أخرى بكيان الحكم الذاتي الموسع الخاضع تماماً للهيمنة الإسرائيلية على كل المستويات حتى الاقتصادية منها تحت غطاء الدولة الفلسطينية مع علم ونشيد، ومشاركة في الأولمبياد مثل بورتريكو وماكرونيزيا كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ذات مرة.
ثمة نسخة أسوأ من السلام الاقتصادي يروج لها زعيم حزب اليمين الجديد، المتطرف نفتالي بينيت وزير التعليم الحالي الذي سيكون ركنا مهما في الحكومة الجديدة تحت اسم سلام السوبر ماركت تتضمن ضم المناطق ج من الضفة الغربية -تبلغ ستين بالمائة منها- بشكل رسمي إلى إسرائيل، وإعطاء حكم ذاتي بلدي موسع للفلسطينيين -حتى دون غطاء أو شعار الدولة الفلسطينية- في بقية الضفة وحزمة مساعدات اقتصادية كبرى وتسهيلات في حرية الحركة للبضائع والمواطنين في المنطقة، بما في ذلك حق التسوق في التجمعات التجارية الإسرائيلية الكبرى، في المستوطنات اليهودية بالضفة الغربية وحتى في إسرائيل نفسها.
المفارقة الأكثر إيلاماً ربما أن الدعم الاقتصادي للكيان الفلسطيني مقابل التنازل عن الحقوق الأساسية بما فيها السيادة وتقرير المصير سيأتي من الدول العربية تحديداً من الدول الخليجية، ومن هنا تكمن أهمية الموقف الفلسطيني الرسمى الرافض، والذي سيقطع الطريق على أي تفكير عربي في التساوق اقتصادياً مع الصفقة سيئة الصيت، ولو من باب دعم الفلسطينيين ومساعدتهم.
في النقاشات الإسرائيلية التمهيدية لمفاوضات كامب ديفيد الثانية صيف العام 2000، سأل رئيس الوزراء إيهود باراك قادة أجهزته الأمنية عن النسبة التي قد يقبلها الرئيس ياسر عرفات؛ هل هي ثمانون أو تسعون بالمائة من الضفة الغربية مع مساعدات وتسهيلات اقصادية طبعاً، الجنرال عاموس مالكا رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية أمان آنذاك، أجابه أن عرفات ليس تاجر عقارات ولا يفكر بهذه الطريقة، هو يقبل الحد الأدنى المقبول فلسطينياً وعربياً كما بقية الزعماء العرب في مفاوضاتهم السابقة مع الدولة العبرية.
ومن هنا، وفي السياق الفلسطيني وكما الشهيد عرفات، لا يمكن كذلك التقليل من رفض قيادة السلطة الحالية الحازم والجدي لمصطلحات وألاعيب السلام الاقتصادي حتى تحت مسمى الدولة، في سياق صفقة القرن التي تدعمها قيادة الدولة الأقوى في العالم، الاستمرار في العناد والرفض مهم جداً لقطع الطريق على أي تساوق عربي أو دولي مع الصفقة سيئة الصيت، إلا أن الأمر لا يمكن أن ينجح ويسير على النحو المأمول على المدى الطويل دون تغيير جذري في الساحة الداخلية الفلسطينية، عبر قيادة منتخبة ديموقراطياً تدير السلطة والمنظمة بعيداً عن ذهنية الاستبداد والاستئثار والفساد، وتتبنى نهجا اقتصاديا مستقلا شفافا ونزيها في سياق إدارة الصراع مع الاحتلال وفق المقاومة الشعبية السلمية بوتيرة منخفضة، دون الاستسلام أمامه ودون النيل من أو تدمير النسيج الاقتصادي الاجتماعي للشعب الفلسطيني، لتمكينه من الصمود أكثر في سياق الصراع الماراثوني الطويل مع إسرائيل.

المساهمون