سخنين 1976... شهادات من معركة يوم الأرض

سخنين 1976... شهادات من معركة يوم الأرض

سخنين

ناهد درباس

ناهد درباس
30 مارس 2018
+ الخط -
لم تكن سخنين بعيدة يوماً عن النضال في سبيل فلسطين، فقد شهدت في 30 مارس/ آذار من عام 1976 معارك شرسة وطاحنة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، دفاعاً عن أرض المل منطقة رقم 9. يومها أعلن الاحتلال حظر التجول في البلدة، في ظلّ المعارك التي دارت فيها، وكان لحيّ الحزين القسط الأكبر من المعركة، الذي قاوم أهله مقاومة شرسة، وارتوى ترابه بدماء الشهيدة خديجة شواهنة. يومها أيضاً خرجت النساء من بيوتهن مع الرجال، فتصدّرن الصف الأول لمقاومة الجيش الإسرائيلي ورمينه بالحجارة، وتركن أطفالهن في المنازل، وخرجن إلى معركة الدفاع عن الأرض. وحينما تتطلب الأمر، لم تتردد النساء بالوقوف بالصف الأول في المعركة أمام جنود الاحتلال في حي الحزين، فيما كان الرجال في الصف الثاني لحمايتهم من الاعتقال في معركة تصدى فيها الناس بالحجارة وألواح الزجاج والعُصي والمولوتوف للمدرعات والرصاص الحي لجيش الاحتلال.
 
ولا تزال تفاصيل هذه المعركة خالدة في ذاكرة الأهالي، لا سيما بعد سقوط ستة شهداء، هم رجا أبو ريا، وخديجة شواهنة، وخضر خلايلة من سخنين، وخير ياسين من عرابة، ومحسن طه من كفركنا، ورأفت الزهيري من مخيم عين شمس، في إطار الاحتجاجات التي خرجت رفضاً لقرار السلطات الإسرائيلية بالاستيلاء على نحو 21 ألف دونم من أراضي المل في قرى مثلث يوم الأرض بالجليل في عرابة، وسخنين، ودير حنا في عام 1976 بهدف تهويد الجليل وإقامة مستوطنات جديدة وتفريغه من العرب.

 صبحية محمد أبو يونس (64 عاماً)، من حي المصرارة بسخنين، تتذكر تفاصيل هذا اليوم. تقول في حديثها مع "العربي الجديد": "كنت ابنة 22 عاماً يومها، وأم لأربعة أطفال. يوم الأرض كان بالنسبة لنا نقطة تحول في حياة شعبنا داخل الخط الأخضر. فنحن منذ أن وعينا، يحذّروننا من الشرطة والجيش وعدم الاقتراب منهم، ويقولون لنا (امشوا الحيط الحيط وقولوا يا رب السترة)". وتضيف "لكن 30 مارس كان نقطة تحوّل في تاريخ شعبنا. لم نعد نخاف، وخرجنا إلى الشوارع لحماية شبابنا. جميع النساء خرجن. وأتذكر شاباً كان يعدو في الشارع وقد فتح قميصه ويقول للجيش: طخوني (أطلقوا الرصاص عليي)".

تستكمل صبحية محمد أبو يونس روايتها قائلة "عندما يأتي هذا التاريخ وأعود 40 عاماً إلى الوراء. عندما أحدث أحفادي عن هذا اليوم أبكي. كنت أمشي بالشارع والرصاص بين رجلي. كان الرجال يصرخون ويقولون لي إلى أين أنت ذاهبة؟ زوجك اعتقل وأنت تركضين بين الرصاص. مررت بين أشخاص قالوا لي إن يد زوجك كُسرت في السجن... أكملت طريقي". وتتابع "شاركت في ثلاث جنازات شهداء ولم أبكِ، ولم أذرف دمعة، رغم أنني أبكي من مشاهدة مسلسل، ذلك لأنني شعرت بأن هذا شيء مختلف عن الحياة التي عشناها. صعب أن أصف تاريخ 30 مارس. كان يوماً مفصلياً في تاريخ شعبنا، عرب 1948".

وعن ليلة يوم الأرض، تقول صبحية محمد أبو يونس "في الليل جاء عناصر جيش الاحتلال إلى سخنين وكانوا بطريقهم إلى عرابة. تصدّى لهم شبان سخنين في الطريق ورشقوهم بالحجارة. وسمعنا أنه استُشهد شاب من عرابة هو خير ياسين. فأثار النبأ غضب الناس في سخنين وخرجوا إلى الشارع. وقعت مجازر في الشوارع جراء إطلاقهم الرصاص. نمنا واستيقظنا في الصباح. ووجدنا الشرطة تطوق منزلنا، فسألت الجيش ماذا تريدون، قالوا نريد صالح، زوجي، واعتقلوه. واعتقلوا معه شباناً كثر وصلبوهم على الحائط ونكّلوا بهم. في الصباح خرجنا نحن النساء إلى الشوارع. أبلغت النساء بأننا نريد أن نقيم اعتصاماً في مجلس سخنين. كنا مائة امرأة، ذهبنا إلى المجلس واعتصمنا هناك وطلبنا منهم أن يخرجوا الجيش من سخنين، وصرخنا بوجه رئيس المجلس. كان في سخنين يومها 162 جريحاً". وتستمر في سرد تفاصيل ذلك اليوم قائلة "أذكر أن والدة زوجي كانت تلملم الحجارة وتضعها بثوبها وتعطيها للشبان، ومشت معهم من سخنين إلى عرابة تزودهم بالحجارة".

كاميرا "العربي الجديد" مع الحاجة هنية:



من جهتها، تمتلك الحاجة هنية شاهين (68 عاماً)، من حي الحزين، ما يكفي من الذكريات عن يوم الأرض. تقول في حديثها مع "العربي الجديد": "كنت ابنة 28 عاماً حين وصل الجيش في 30 مارس، إلى الشارع الذي يطلق عليه اليوم اسم الشهيدة خديجة شواهنة، مقابل بيتنا. دخلت فرقة كبيرة من الجيش من الطرفين. نحن خرجنا إلى الشارع وبدأنا في رشق الحجارة مع الرجال سوية، لم نخَف من شيء على الرغم من أن الجيش كان يطلق الرصاص الحي، إثر تطويقه الحيّ من ناحية بيت الشهيدة خديجة شواهنة، فقد أرادوا أن يحاصروننا". وتتحدث عن لحظات استشهاد شواهنة قائلةً: "كانت الشهيدة خديجة شواهنة تقف بجانبنا في الشارع بحي الحزين، وحين همّت بتناول حجر من الأرض اخترق الرصاص الحي جسدها من الخلف. أصيبت في ظهرها مباشرة. نزفت كثيراً واستشهدت على الفور".

كما تروي الحاجة هنية شاهين كيف أنه حين "أعلن جيش الاحتلال حظر تجول، لم ينصّع لهم أحد، فالجميع خرجوا إلى الشوارع، رجالاً ونساء، وكذلك أنا. تركت أطفالي في البيت لوحدهم، وأغلقت الباب عليهم. ووقفنا في الصف الأول بالشارع والرجال خلفنا في الصف الثاني كي نحميهم من الاعتقال. ورشقت الحجارة على الجيش مثلي مثل جميع النساء". وتستذكر المزيد من التفاصيل بقولها "كان راجح الميعاري أول شاب من حينا اعتقله الاحتلال، وربطوه وجروه في الشارع أمام الجميع لكي يرهبوننا". وتشير شاهين إلى أن "أكثر ما أقلقني يومها هو أنني خفت على أطفالي لأنهم خافوا كثيراً". خوض المعركة بالنسبة إليها لم يذهب سدى. تقول "حالياً نملك أرضاً مساحتها ستة دونمات من أراضي المل، التي خضنا المعركة من أجلها. أزور أرضنا أنا وزوجي كل يوم، فهي مليئة بشجر الزيتون ونأكل من ثمارها والحمد لله. نأكل الملوخية منها أيضاً".

أما محمود شواهنة (71 عاماً)، وهو زوج الحاجة هنية ويتحدر من حي الحزين بسخنين أيضاً، فيقول في حديث مع "العربي الجديد"، إن "النساء كنّ شريكات في معركة يوم الأرض، فرشقن الحجارة، واستعملن ألواح الزجاج كسلاح وضربوا به الجنود". ويتابع "نحن نملك أرضاً في المل، وقبل عام 1976 كان ممنوعاً علينا أن ندخل أرضنا، ولكن كنت أدخلها غصباً عنهم، وكانوا يعتقلونني لمدة يومين في كل مرة أدخل إليها. كنت أزرعها، وبعدها يأتي الجيش بالدبابات ويخربون الزرع، وهذا كان يحصل للجميع". ويتذكر حجم المعاناة قائلاً "كان يجب جلب تصريح من مدينة شفاعمرو أو من عكا كي ندخل إلى أرضنا الزراعية، التي زرعها الاحتلال بالألغام، وقد قُتل نحو عشرة أشخاص بسبب الألغام نتيجة دخولهم لأراضيهم".

ذات صلة

الصورة
طارق الدحدوح نازح فلسطيني في رفح جنوبي قطاع غزة 1 (العربي الجديد)

مجتمع

من شمالي قطاع غزة المحاصر والمستهدف عسكرياً إلى أقصى الجنوب، نزح الفلسطيني طارق الدحدوح مع شقيقَيه وعدد من بقراته ومجموعة من الدجاج.
الصورة

سياسة

كشف إعلام عبري، الجمعة، أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، طالب الحكومة بمنع دخول فلسطينيي الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان
الصورة
نازحون فلسطينيون يلعبون الكرة الطائرة في المواصي في جنوب غزة (العربي الجديد)

مجتمع

من وسط أحد المخيّمات العشوائية في رفح جنوبي قطاع غزة، تصدح ضحكات النازحين. ويحاول هؤلاء إيجاد هامش لهو لهم في ظلّ المأساة، فيلعبون كرة الطائرة.
الصورة
نازحون فلسطينيون في رفح (عبد زقوت/ الأناضول)

مجتمع

يتخوّف النازحون في رفح الواقعة في أقصى جنوب قطاع غزة من اجتياح قوات الاحتلال هذه المدينة التي تُعَدّ ملاذاً أخيراً لنحو مليون ونصف مليون فلسطيني.