ستيف سابيلا: جدارية العودة الكبرى

15 مايو 2019
الصورة
(تفصيل من "مسيرة العودة الكبرى")

عن هذا التكوين؛ "مسيرة العودة الكبرى"، الشبيه بجدارية ترتسم على فضاء بلا حدود، للفنان المقدسي ستيف سابيلا، قال بعض من شاهده لأول مرة إنه السقف السماوي الفلسطيني، تشبيهاً له بسقف كنيسة سيستين الإيطالية الذي نثر الرسام الإيطالي مايكل إنجلو في فضائه قصصاً عن مشاهد تكوين العالم فموته فانبعاثه، أي بداية وآخر الزمان بين العامين 1508 و1512، ويعد هذا العمل ذروة فن عصر النهضة، أي فن عصر الإحياء.

في هذا الحديث الذي أجريناه مع الفنان سابيلا يبدو أن هذه الفكرة لم تكن بعيدة عن ذهنه وهو يعمل طوال أيام فيحدث تركيباً من أكثر من ألف صورة فوتوغرافية، فكرة نهضة شعب ينطلق في مسيرة عودة كبرى إلى وطنه، أي إلى الحياة مجدداً، وسط النار والدخان والقتل والدمار، نهضة شعب يروي قصصه. ومن هو الأكثر جدارة من الفنان في أخذ هذه القصص، أو تركها تقوده كما يقول، ونشرها على امتداد الفضاء اللامتناهي، لتخرج من غزة إلى العالم وإلى ما بعد العالم؟

في هذا الحوار استكشاف لخلفيات هذا العمل الفكرية؛ مصادر إلهامه وهواجس الفنان الذي أبدعه، وتقانته النادرة في عالم الفنون، التقانة التي يستخدم فيها الفنان الصور الفوتوغرافية بألوانها كما يستخدم الفنان التشكيلي فرشاته ولوحة ألوانه.


■ "مسيرة العودة الكبرى" هو أول عمل من أعمالك الفنية يتخذ شكل دائرة، ماذا تود أن تقول بذلك؟

- هذه الدائرة، بقطرها الذي يبلغ المترين، تتضمن أكثر من ألف صورة فوتوغرافية التقطها صحافيون من غزة؛ عطية درويش ومصطفى محمد ومجدي فتحي ومحمد أسعد وأشرف عمرة، للفلسطينيين الذين يتجمعون كل يوم جمعة منذ شهر آذار/ مارس 2018 لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. ما قمتُ به هو تركيب هذه الصور، ذوّبتها معاً، لخلق أكثر من واقع جديد، عالم جديد. ودمجت شريطاً مغلقاً بالفضاء الخارجي، باللامحدود، لينتج عن ذلك نصبٌ تذكاري، جدارية الزمن الراهن، يظهر عبرها كفاح الشعب الأبدي من أجل الحرية. باختصار، العمل هو عبارة عن واقع في قلب واقع، رحلة إلى بداية ونهاية الزمن. والحياة في فلسطين تشبه أنشوطة كما لم تكن في يوم من الأيام؛ تسقط عن خريطة العالم، تُبعد. كفاح الشعب الفلسطيني فقد مركزه، وأريد إبداع عمل يتركز فيه النظر على القصة من عدة زوايا وحيث لكل مشهد أهمية، وكل حياة متصلة بالصورة الأكبر. استمد هذا العمل إلهامه من فن النهضة، ومصطلح "النهضة" يعني حرفياً إحياءً وانبعاثاً. ما يُرعبني الآن هو أن تموت القصة الفلسطينية؛ أن تصبح أيقونة دينية بلا هالة.


■ العمل مذهل بصرياً، حدثنا عن التقنيات التي استخدمتها في تشكيله؟
- يمكن القول إنني أستخدم آلة تصويري أحياناً مثلما يستخدم الرسام فرشاة الرسم، ولكنني في هذا العمل ربما استخدمت ألوان هذه الصور بمثابة ألوان الرسم. ومع ذلك سيظل أساس التلوين فوتوغرافياً دائماً، ممتزجاً بصراعٍ وألمٍ حقيقيين. هنا، تتحوّل النيران المنتشرة والنجوم المتوهجة والغازات المسيلة للدموع، إلى غيوم طافية تمنح العمل حيويته، وتثير المخيلة، تجعلها تقفز من بعد إلى آخر، من غزة إلى العالم، ومن العالم إلى ما هو أبعد.

حين رأيت مسيرة العودة الكبرى لأول مرة على شاشة التلفاز، بدت لي مشهداً سوريالياً، يعلو على الواقع. الناس يغرقون في الدخان، لا يردعهم إطلاق النار عليهم، تلتقطهم الصور في مواقف تشعر إنها إنجيلية، كما لو أنها مأخوذة من رسوم جدارية ملوّنة في كاتدرائية قديمة.

استغرق مني هذا العمل القائم على القص واللصق حوالي 700 ساعة، ليلاً ونهاراً، في الظلمة في أحيان كثيرة إلا من ضوء ينبعث من الصور التي أقصّها ثم ألصقها، ودائماً أفتش عن المكان الذي يمكن أن تتركب فيه. في العديد من المرات اكتشفتُ تفاصيل دقيقة بعد العودة والنظر إلى الصورة نفسها مئات المرات. خلال هذه الساعات، آخر شيء أردت أن يحدث لي هو أن تخدّرني هذه الصور الفوتوغرافية، والكثير منها يخدّر بالفعل. تطلّب مني الأمر إبقاء العينين يقظتين لكي أنسج هذه الصور بالمخيلة نسجاً متواصلاً. وخلال هذه العملية بدأت كل شخصية من شخصيات الصور برواية قصة خاصة بها، وسلمت لها أمري، وتركتها تأخذ بيدي.


■ من هم هؤلاء الذين يظهرون في الصور الفوتوغرافية؟ هل تعرف أي قصة من قصصهم؟ وكيف كانت ردود الفعل على هذا العمل؟
- لهؤلاء الناس قصص لا تنتهي. أريد من المُشاهد أن يعرف هؤلاء الناس، وأن يقيم صلة معهم. الكثيرون منهم جُرحوا أو قتلوا. ومع أن هذا العمل يبدو باعثاً على الكآبة، إلا أن من شاهدوه تولاهم شعور بالقوة والأمل. وأسعدني أن بعضهم التقط معنى النهضة في العمل، معنى العودة إلى الحياة، وأطلق عليه اسم "كنيسة سيستين الفلسطينية". هذا العمل أثار مشاعر من شاهده، وألقى ضوءاً جديداً على هذا الواقع الذي لا يكاد يُصدّق أنه موجود على الأرض. الفلسطينيون محاصرون في قصتهم، وهذا العمل يستجوب ويتحدى الآليات المطلوبة للإفلات، للتحرر.


■ هل يمكنك وصف انتقالك من التجريد إلى التشخيص في قصة سردية لا تسير على خط واحد؟
- قد يكون التجريد هو أسهل مسار نحو مساءلة قضايا في الصميم، مثل الوطن والاحتلال والمنفى، وهذا ما فعلته طوال سنوات، ولكن أحياناً لا وجود لمسار إلا مسار مواجهة هذه الوقائع. لا أرى أن عملي ينتقل من التجريد إلى التشخيص أو العكس. كل شيء، بالنسبة لي، يعتمد على المشاريع التي أباشرها، وعلى أي مرئيات تطلب مني أن أعمل بها. وأشعر أن الصورة يجب أن تخدم مقاصد الفنان مباشرة وليس العكس. وأقول دائماً أن في استكشاف أعماق الصور والرحيل معها بلا خوف سحرٌ، وأي سحر.

إن أول صورة، أو ربما أصعب صورة يمكن تجاوزها، هي صورة الذات. فإذا تم احتلال الذات، فإن ما ستعكسه مرآتها عندئذ هو هذا الواقع دائماً. وما نحتاج إلى عمله هو الشفاء؛ إعادة تخيل هذه الصورة المنحرفة للذات وبنائها مجدداً.


■ نلاحظ أن حضور الموضوعة الفلسطينية في عملك، بعد انتقالك من القدس إلى لندن ثم إلى برلين، أصبح أقوى مما كان عليه حين كنت تعيش في فلسطين، كيف ترى تأثير المنفى على فنك؟
- ما تزال غالبية أعمالي حتى السلسلة المعنونة "استقلال، 2013"، سلسلة من شخوص يطفون أحراراً في الظلمة، تناولتُ فيها الآثار الجانبية لما يعنيه أن تعيش في ما اعتقدتُ أنه منفى دائم. لهذا الشعور أعطيتُ مرئيات مختلفة، ولكن بعد سلسلة "استقلال"، أي بعد تلك السنة التي حررتُ فيها نفسي من كل متعلقات الاحتلال، بسّطتُ أطروحاتي البصرية، وتعلمتُ استخدام أدوات جديدة للتعبير عن نفسي؛ كيف أطوّع السيميوطيقا (علم الإشارات). تكشَّفَتْ لي صورة أكبر، وأتاحت لي الوصول إلى الأعمق، إلى الجوهر، ومنحتني المزيد من الصفاء.

علّمني المنفى كيف وأين أجد تحرري، وهذا بالنسبة لي جوهر الحياة، اجتثاث الذات من جذورها وزراعة الجذور في الغيوم لتظلَّ في حالة رحيل دائم، لتظلَّ حراً. وبالنظر من الأعلى، كنتُ قادراً على رؤية الحياة من منظور بالغ الاتساع.

ولدتُ في القدس المحتلة، في واقع من مستحيل. وخلال الحياة هناك، وأنا أتقصى تشكيل الصورة وأجعلها أداة فنية لسنوات وسنوات، وقعتُ على استقلالي. وأشعر أن مسؤوليتي هي إشراك الآخرين في هذا المسار. وكثيراً ما أكرر هذا الشعور دائماً؛ إيماني بأن الفلسطينيين وصلوا إلى نقطة لم يعودوا بعدها قادرين على تخيل أن بإمكانهم العيش أحراراً؛ إذاً، كيف يمكن لأحد أن يتوقع منهم أن يحرّروا الأرض؟

قادتني أبحاثي البصرية إلى الإيمان بأن هناك أكثر من واقع لامتناهٍ مختبئ في الصور، والبداية الجيدة يجب أن تكون تحرير أنفسنا من صورة الاحتلال، وهي صورة ثابتة لنا تواجهنا منذ يوم ميلادنا، ولا يمكن الوصول إلى الحرية إلا بتحرير مخيلاتنا. الفلسطينيون يمتلكون ممكنات لانهائية لاكتشاف رحلتهم نحو التحرر.