سباق المبادرات في الخليج

سباق المبادرات في الخليج

29 يوليو 2019
الصورة
+ الخط -
"أي ترتيبات أمنية في المنطقة يجب أن تكون عبر التعاون بين دولها فقط".. بهذه الكلمات، حدّد الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، موقف بلاده من الأفكار والمبادرات التي بدأت تتوالى، بشأن تأمين الملاحة في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
جاء كلام شمخاني رداً على طروحات بعض الدول، بشأن تأمين الملاحة في الخليج، ففي أيام قليلة، خرجت ثلاث مبادرات طرحها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا. وسرعان ما تفاعلت مواقف إقليمية وعالمية مع هذه المبادرات، فبادرت فرنسا ودول أوروبية أخرى إلى تأييد مبدئي للمقترح البريطاني، فتحول إلى فكرة "أوروبية"، وإنْ لم تلق تأييداً جماعياً بعد. غير أن ثمّة غموضا يحيط بالعلاقة، أو بالأحرى المسافة، بين المبادرتين، الأوروبية ونظيرتها الأميركية التي سبقتها بأيام، فقد قال وزير الدفاع الأميركي الجديد، مارك أسبر، إن المبادرتين "تتكاملان"، من دون أي إيضاحات. ما لم يقله أسبر إن المبادرة الأميركية ليست جديدة، فقد سبق أن طلبت واشنطن في 27 يونيو/ حزيران الماضي في اجتماعات وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل، تشكيل تحالف دولي لتأمين مضيقي هرمز وباب المندب. وقوبل المطلب الأميركي، وقتئذ، برفض أوروبي، خصوصاً من ألمانيا وفرنسا، خشية أن يمثل ذلك التحرّك استفزازاً عسكرياً لطهران، ما قد يُفضي إلى نشوب مواجهةٍ مسلحةٍ معها.
وفي النطاق الأوروبي ذاته، يظل الغموض والالتباس حاضرَين، فالفكرة البريطانية تتعلق بتشكيل قوة بحرية أوروبية، مهمتها "تأمين" الملاحة و"حماية" السفن العابرة في الخليج. بينما الموقف الفرنسي، وإلى حد ما، الألماني، يذهب إلى تدشين آلية هدفها "متابعة الأمن البحري في الخليج ومراقبته". والبون شاسع بين التأمين والمراقبة.
وبعيداً عن السجال الأميركي الأوروبي، جاءت المبادرة الروسية ذكية وبعيدة النظر، فموسكو ترى أن التوتر الحالي مؤقت، وربما لن يطول. لذا تنظر إلى ما هو أبعد من الأزمة الحالية، وتتطلع إلى اقتحام معادلات منطقة الخليج المغلقة دائماً على الدول الغربية. وتتلخص أفكار المبادرة الروسية في تأسيس كيان أو منظمة تكون روسيا والصين طرفين فيها مع بقية القوى الكبرى. وتتولى هذه المنظمة وضع ومراقبة الترتيبات الأمنية اللازمة لسلامة الملاحة في الخليج.
إذاً، جوهر التصور الروسي هو تشكيل "مجلس عالمي" لإدارة منطقة الخليج. وهو ليس أمراً يُشكّ في نجاحه، وإمكانية تطبيقه فقط، بل أيضاً في احتمال قبوله من أي طرف. لا إيران ولا الغرب ولا دول الخليج، فالغرب ليس مضطراً بالمرة لأن يفتح باب الخليج أمام موسكو، ودول مجلس التعاون الخليجي تثق بواشنطن وأوروبا بأكثر مما تعوّل على موسكو في أي ملف. أما إيران فترحب دائماً بالدور الروسي، وتعتبر موسكو حليفاً لها. ولكن في مواجهة الغرب أو حتى الدول العربية، وليس لضبط الأمن في الخليج، فالمبادرتان الأميركية والأوروبية تركزان على تأمين الملاحة وحراسة الناقلات أو مراقبتها، غير أن عدم وجود تنسيق بينهما دليل كاف على فشلهما مسبقاً. إضافة إلى أن أي موقف لترامب مشكوك في جدّيته، فهو يغير مواقفه ساعة بساعة.. فكيف سيتدخل لحماية الملاحة، وهو يتنصل من مهمة شرطي الخليج؟! فضلاً عن أن هذا الاتجاه في التفكير يعني الانسياق وراء منطق العسكرة والمواجهة. بالتالي هي ليست مبادراتٍ لحل الموقف، وإنما هي رد على تهديدات أمنية بإجراءات أمنية أيضاً.
لا يزال باب المبادرات مفتوحاً، وربما تظهر مبادرات حقيقية تتعاطى مع أسباب التوتر لا مظاهره. وقد يصب في هذا الاتجاه التحرّك العُماني، بزيارة وزير الخارجية يوسف بن علوي إلى طهران أمس. ومن قبله الاتصالات والرسائل المتبادلة بين طهران وباريس، فأي موقف أو تحرّك يذهب إلى المشكلة مباشرة، أكثر واقعية وفعالية وقابلية للنجاح، من مبادراتٍ قد تزيد الموقف تعقيداً.

دلالات