ساشا ستانيشيش: صوتٌ آخر ضد خيار الأكاديمية السويدية

18 أكتوبر 2019
الصورة
(ستانيشيش، أكتوبر 2019، تصوير: توماس لونس)
+ الخط -

"هاندكه أفسد عليَّ فرحتي بهذه الجائزة"، بهذه الكلمات وجّه الروائي الألماني الشاب ساشا ستانيشيش Saša Stanišić بدوره نقداً صريحاً وشديد اللهجة إلى الفائز أخيراً بـ "جائزة نوبل للآداب"، النمساوي بيتر هاندكه، ويقصد ستانيشيش (1978) "جائزةَ الكتاب الألماني" التي مُنحت له يوم الاثنين الماضي بعد خمسة أيام على إعلان فوز هاندكه بنوبل، وهو فوز لا يزال يثير جدلاً عالمياً واسعاً.

ويضيف ستانيشيش في كلمة شكر ألقاها في فرانكفورت بمناسبة تسلمه هذه الجائزة الأدبية: "لقد كنت محظوظاً بنجاتي مما لم يرغب بيتر هانكه بوصفه في نصوصه"، وذلك في إشارة واضحة ليس إلى فرار أسرته في مرحلة طفولته من ويلات حرب البوسنة فحسب، بل أيضاً إلى انحياز هاندكه اللاإنساني، حينما وقف في صف المسببين لتلك الحرب الطاحنة ومجازرها، وهو موقف لاأخلاقي رجع صاحبه إلى التشبث به أخيراً، رغم كل النقد المتعاظم ضدّه، ما يهدد ربما بفضيحة أخلاقية جديدة تطاول لجنة جائزة نوبل ذاتها.

وبعيداً عن نوبل للآداب، فإن جائزة الكتاب الألماني، التي تُعدّ أرفع جوائز الروايات باللغة الألمانية، تُمنح سنوياً، منذ 2005، مع كل انطلاقة لـ"معرض الكتاب الدولي في فرانكفورت" الذي يُنظم كل خريف بمشاركة دور نشر وكُتّاب من مختلف دول العالم.

مُنحت الجائزة لساشا ستانيشيش عن روايته "الأصل" Herkunft بوصفها رواية السنة في ألمانيا، وهو الذي يسميها بنفسه "روايته الشخصية"، بسبب ارتباطها بمنشأ هذا الكاتب الشاب وحياته، وتجسيدها لأحداث حرب البوسنة، التي كان هو بنفسه شاهداً عليها، وهو لا يزال طفلاً.

في هذا العمل، يصوّر الكاتب مصير أسرته في مدينة فيسغراد الواقعة في شرق البوسنة، ويتطرق إلى يوغوسلافيا بوصفها دولة ماضية انضوت تحتها في يوم من الأيام شعوب وأعراق عدة في وئام اجتماعي وسياسي قلّ نظيره. وفيها أيضاً يتحدث عن ذاكرة جدته، التي بدأت صورُها في التلاشي إلى حدود النسيان التام، ما دفعه إلى فعل التذكر كنوع من مقاومة نسيان ذلك الوطن الذي أجهزت عليه حرب أهلية طاحنة.

هنا، يتذكر ستانيشيش فراره مع أبيه الصربي وأمه البوسنية من ويلات الحرب ولجوءه معهما إلى ألمانيا، حيث استقرّ به المقام في المدينة الجامعية هايدلبرغ، وهو لم يكمل آنذاك سنّ الرابعة عشرة. وفي نهاية روايته، يتوجه بطلب مباشر إلى القارئ بأن يختار هو بنفسه، ودون غيره، مصير الرواية وكيفية إنهائها بخاتمة من اختياره. ويبدو أننا إزاء لعبة غير مألوفة بين كاتب الرواية وقارئها، في تجاوز مُبتكر للراوي ولدوره الكلاسيكي، بل ولوجوده ذاته.

ليست الجائزة هي الأولى التي يحصدها هذا الروائي الشاب من أصل بوسني، الذي صار يُعد من الأصوات البارزة في المشهد الروائي الحالي في ألمانيا، فقد تمكنت أول رواية له بعنوان "كيف أصلح الجندي جهاز الفونوغراف" (2006) من الوصول إلى القائمة القصيرة من الجائزة ذاتها. في روايتها تلك، التي تُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، بدأ ستانيشيش رحلته الذاكرية في التعاطي مع أصله، مسجلاً مشاهداته في يوغوسلافيا التي بدأت آنذاك في الانهيار والتفكك.

وفازت روايته الثانية، "قبل العيد"، بـ "جائزة معرض ليبزغ للكتاب" سنة 2014، وتدور أحداثها في إحدى مدن ألمانيا، وقد برمج "معهد غوته" لإصدار ترجمة عربية لها. كذلك حصل على جوائز أخرى بارزة في ألمانيا مثل "جائزة أدلبرت فون شاميسو" سنة 2008، و"جائزة ألفريد دوبلين" سنة 2013، التي أسسها الكاتب الألماني الراحل غونتر غراس.

ما يجمع أعمال ساشا ستانيشيش، الذي قال عن نفسه: "التراحم والدفء الإنسانيان يجرّان اهتمامي إليهما أكثر بكثير من أضدادهما"، هي ذاكرته المتقدة عن وطنه الأصلي وآلامه ورفضه الإنكار الذي باتت تواجهه حتى من أكبر الكتّاب كما في حالة بيتر هاندكه. في هذا الإطار تندرج رواية "الأصل" المتوّجة، إنها استذكار استثنائي في مواجهة إنكار لاأخلاقي.

المساهمون