زيارة موقع: عبد الوهاب المسيري

11 مايو 2020
الصورة
عبد الوهاب المسيري

تلقي هذه الزاوية الضوء على موقع إلكتروني لمبدع عربي، في محاولة لقراءة انشغالاته عبر فضاء استحدثته التكنولوجيا وبات أشبه ببطاقة هوية.


تركّز استعادات عبد الوهاب المسيري على قدرته في تفكيك الحداثة الغربية ليس من منطلق مقابلتها مع التراث العربي الإسلامي كما فعل عدد من المفكرين الإسلاميين، إنما بطرحه الأسئلة الحرجة حول مفاهيمها التي تبلورت بين نهاية القرن الثامن عشر ومنتصف القرن العشرين، في محاولته لتفسير اغتراب الإنسان المعاصر شرقاً وغرباً.

انتقل المفكّر المصري (1938 – 2008) من قناعاته الماركسية التي بدأ بها حياته السياسية والمعرفية إلى مسارات متنوعة تشير إلى راهنية مقارباته في مواضيع عديدة مثل العلمانية واليهودية والمادية والأدب والنقد، وهي فضاءات يضيء موقعه الإلكتروني www.elmessiri.com على جوانب مهمّة منها.

تشكّل "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" التي اشتغل عليها المسيري قرابة ربع قرن، ركناً أساسياً في الموقع بملخصّات حول مجلّداتها الثمانية التي أحاطت بتاريخانية العبرانية والإشكالات النظرية حولها وثقافة الجماعات اليهودية ومفاهيمها وصولاً إلى الصهيونية ووظيفية "إسرائيل"، حيث يرى أن ممثلّي العقلية الغيتوية من الصهاينة وقفوا ضدّ التيار الإصلاحي، ونجحوا في تحويل "الإحساس الديني" بالانتماء إلى جماعة دينية واحدة والارتباط العاطفي بالأراضي المقدسة اليهودية، إلى "شعور قومي" و"برنامج سياسي".

جمعت الموسوعة بين حفرها في الأفكار والمفاهيم التي استطاع صاحب "الفردوس الأرضي" أن يضعها في سياقها التاريخي والفكري خلال أكثر من ثلاثة آلاف عام، وأن يفكّك علاقة اليهودي بذاته وآخره، كما أنه لم يتخلّ عن رؤيته النقدية سواء في استخدام المصطلح أو مناقشة الأحداث وتداعياتها، ومنها مثلاً ما أسماه تورّط العرب والمسلمين في نوع من الأيقنة المضادّة للهولوكوست من دون تثبّت تاريخي مقابل تأليه غير قابل للنقاش في الغرب.

يخصّص الموقع قسماً للمقالات التي من المعروف أن بعضها تحوّل إلى كتب لاحقاً، ونجد في هذا الإطار غزارة وتنوّعاً كبيراً ميّز كتابة المسيري التي اعتمدت على عقل تجريبي لا يقبل بالمسلّمات، كما في مقالاته "نهاية إسرائيل"، و"الحداثة المنفصلة عن القيمة والإله الخفي"، و"الإعلام والإمبريالية النفسية".

ويُحسب للموقع حسن استعماله للخيارات التصميمية في توفير تحرّك مرن وسهل لزائره، حيث لا يقدّم مؤلفات المسيري في قائمة وحيدة سيكون من الصعب الوصول إلى كتاب بعينه في ظل ضخامة مدوّنة المفكّر المصري، بل يقدّم خيارات انتقاء متعددة منها التي تقسّم أعماله بين اللغتين اللتين كتب بهما، أي العربية والإنكليزية، كما يقدّم خياراً بين الترتيبين التصاعدي والتنازلي على السلم الزمني لنشر المؤلفات، ويقدّم الموقع أيضاً خياراً بتصنيف الأعمال بحسب ناشريها، ولعل ذلك من الخطوات التي قلما نجدها في مواقع لمؤلفين حيث يبقى الناشر على هامش الصورة الطاغية لصاحب الموقع، ونجد الأمر ذاته في المقالات حيث يقدّم الموقع خيار ترتيبها بحسب المنابر التي نُشرت فيها.

وإضافة إلى تقديم جميع مؤلّفات المفكر المصري، وهو جهد ينبغي التنويه به، يقترح الموقع إمكانية تحميل عدد غير يسير منها مثل "في الأدب والفكر: دراسات في الشعر والنثر"، و"دراسات معرفية في الحداثة الغربية"، و"الصهيونية وخيوط العنكبوت"، و"صمويل تايلور كوليردج، قصيدة الملاح القديم في سبعة أقسام" (ترجمة وتقديم)، إلى جانب عدد من المقابلات الصحافية التي أُجريت معه.

يبقى أنه ورغم احتواء الموقع على صورة شاملة لما تركه المسيري من إرث غني، إلّا أنه يحتوي مشكلات تقنية متعدّدة حيث لا نعثر على تحديثات منتظمة، ويوجد جزء من أقسامه لا يزال غير مفعّل ومن ذلك زاوية "دراسات وكتابات حول المسيري"، وقسما "الصوتيات" و"المرئيات" بما يمكن أن تقدّمه مثل هذه المواد من إضافة للزائر وقرب من شخص المسيري.

دلالات