زمن ترامب

11 نوفمبر 2016
الصورة
+ الخط -
يحتاج تفسير فوز دونالد ترامب بالرئاسة إلى دراساتٍ معمقةٍ في شتى الميادين، السياسية والثقافية والاجتماعية، والإعلامية، بوصفه واحداً من أكثر الأحداث غرابة في تاريخ الديمقراطية الأميركية.
أجمعت أغلبية القراءات الرصينة للواقع الأميركي منذ سنة، حتى قبل يوم من الانتخابات، على أن حظوظ الرجل في الصعود إلى سدة الرئاسة متواضعة، على الرغم من عدم رضى أوساطٍ واسعةٍ على منافسته السيدة هيلاري كلينتون. فالرئيس الأميركي الجديد أوحى، منذ اليوم الأول لحملته الانتخابية، بأنه قادم لدبّ الفوضى في كل مكان، في داخل أميركا وخارجها، وقد اشتغل الإعلام الأميركي لتسويق صورة سلبية عن المرشح الجمهوري الذي لم يحظ بإجماع حزبه من حوله، وناصبته العداء تيارات وازنة داخل الجمهوريين، وخصوصاً من المحافظين الجدد.
أراد ترامب أن يترك انطباعاً بأنه سيكون رئيساً قوياً، لكن ما رسخ من خطابه الشعبوي أنه رجل حربجي استفزازي، وقد صدمت الرأي العام كثيراً مواقفه الحمائية وطروحاته لمحاربة الإرهاب، وما استرعى الانتباه أكثر إعلانه، صراحةً، الحرب على الأقليات العرقية التي تشكل قوام النسيج الاجتماعي الأميركي، وهاجم النساء والإسلام والمسلمين، وكشفت صفحاتٌ من تاريخه الشخصي أنه ارتكب تجاوزاتٍ على صعيد علاقته بالمرأة، وجرى نشر مقاطع فيديو تصوّر عمليات تحرّش جنسي على فترات زمنية متباعدة، بالإضافة إلى سوء تصرف ضريبي قرابة عشرين عاماً. وأظهرت المناظرات الثلاث التي جرت تباعاً في الأسابيع التي سبقت الانتخابات عن ضحالة الرجل ثقافياً، وضعف مستواه السياسي، على الصعيدين الداخلي والخارجي. والملاحظ أنه لم يقدم أي تصور واضح لمعالجة الأزمات الدولية المفتوحة، وخصوصاً في الشرق الأوسط، واكتفى بشعاراتٍ ذات طابع مثير للسخرية كقوله "أعارض الحرب في العراق، وأعارض الانسحاب منها".
حين جرى انتخاب باراك أوباما عام 2008، ساد الاعتقاد أن ذهاب أميركا إلى اختيار رئيس أسود قادم من وسط عالم الحقوق المدنية والنضال ضد العنصرية نوع من التكفير عما حفلت به ولايتا الرئيس الذي سبقه جورج بوش، الذي أغرق العالم بالفوضى وخلط الأوراق في منطقة الشرق الأوسط، في احتلال العراق وإلغاء سيادة هذا البلد. ومن هنا، تم تسويق مقولة إن هيلاري كلينتون ستكون ولاية ثالثة لأوباما، وجرى التعامل مع موضوع فوزها على أنه شبه حتمي، وساندها الإعلام الأميركي في صورة واضحة، على الرغم من أنها لم تكن محل إجماع داخل الحزب الديموقراطي. وذات لحظة، هدّد ترشيحها بيرني ساندرز، وهناك تقديرات تقول إنه لو ترشّح عن الحزب الديموقراطي كانت حظوظه ستكون أفضل من السيدة كلينتون، وهذا الأمر سينعكس بالضرورة على الوضع داخل الحزب الديموقراطي المتوقع أن يشهد أزمةً داخليةً خلال المدى المنظور. بالتأكيد إن عهد عائلة كلينتون انتهى، وستبرز من داخل الحزب وجوه جديدة تقود عملية المراجعة.
والمؤكد أن فوز ترامب لم يفاجئ كلينتون ووسائل الإعلام واستطلاعات الرأي فقط، بل الحزب الجمهوري نفسه الذي ينتمي ترامب إلى أحد تياراته التي ستجد نفسها أمام سؤال المصالحة من أجل حكم أميركا. ومن دون شك، ستتغلب المصلحة على الخلافات بين ترامب والأطراف التي وقفت في طريق ترشحه ودعمه في الحملة الانتخابية. ومن منطلق الأمر الواقع، فإن ترامب والحزب الجمهوري بحاجة إلى بعضهما البعض في هذه المرحلة، وستتضح هذه المسألة أكثر، حين يتم تشكيل الفريق الحكومي.
ما تتخوّف منه الأوساط أن فوز ترامب قد يخلف جروحاً لدى قطاع من الشارع الأميركي صوّب عليه ترامب خلال حملته الانتخابية، إلا أن الاعتقاد يسود بأن الرئيس الأميركي الجديد سوف يتبع جانب المرونة التي ظهرت ملامحها في خطاب النصر ذي الصبغة التصالحية. ولكن، في هذه الاثناء، يراقب العالم تشكل أميركا جديدة، تدخل في زمن ترامب.