رياض شيّا يغادر قسوة "اللجاة"

رياض شيّا يغادر قسوة "اللجاة"

14 يونيو 2016
(من فيلم "اللجاة" لـ رياض شيّا)
+ الخط -

في غربته القسرية خارج بلده النازف منذ أكثر من 5 أعوام، يغادر السينمائي السوري رياض شيّا (1954 ـ 2016)، كأنه يقول، بهدوء وصمت، إن الحياة في البلاد مستحيلة، وإن العالم العاجز عن المساهمة في إنقاذ شعب من الإبادة، لا يستحقّ العيش فيه.

لكن رياض شيّا يرحل بسبب مرضٍ يُصيبه منذ فترة (سرطان الحنجرة). في حين أن مرضاً سابقاً ومختلفاً تماماً يُلمُّ به، منذ تحقيقه فيلمه الروائي الطويل الوحيد "اللجاة" (1993)، المأخوذ عن رواية "معراج الموت" (1989) للروائي السوري ممدوح عزام. فالسرطان الذي يتغلغل في حنجرته كمن يدفعه، دفعاً، إلى صمتٍ إضافيّ، يبقى أخفّ وطأة من "عجزٍ" مديد عن الخروج من "اللجاة" إلى مشروعٍ ثانٍ وثالثٍ وأكثر.

والعجز، إذ يتبدّى انكساراً أمام انفضاض مؤسّسات اجتماعية وثقافية وسياسية عن "اللجاة"، تكتمل قسوته بفعل المواجهة التي يتعرّض لها هو وفيلمه معاً، قبل أن يتحوّل المشهد برمّته إلى صمت مطبق، لعلّ رياض شيّا نفسه يختاره، "طوعاً"، كي يعيد اكتشاف العالم بعينيه الحادّتين في تفكيك البؤر الخفية في سيرة المرء وبيئته، أو كي "يتلصّص" على العالم هذا، كفعلٍ سينمائيّ يجعله، هو ذاته، كاميرا وعدسة ولقطة ومونتاج وإضاءة وأداء، تتشكّل معاً خارج صناعة فيلم، أو داخل كيانه الفرديّ كإنسان شغوفٍ بالكسل، أو بالعيش على حافة الهدوء والتأمل، أو بالأحرى الاحتيال على الآخرين بإيهامهم بأن هدوءَه تأمّلٌ. وهذا احتيال بديع، كاحتيال الصورة السينمائية في اختباراتها المختلفة.

تستحيل الكتابة عن رياض شيّا السينمائيّ، إنْ يتمّ تجريدها من سلوكٍ يرتضيه لحياته ويومياته ونزقه الجماليّ في مقاربة حكايات أو أناسٍ، سرعان ما يُبدِّد الحواجز بينه وبينهم عند أول لقاء.

رغبته الدائمة في الاستكانة إلى ذاته قاسية، على نقيض رهافة حسّه في استضافة معارِف جدد، أو في إكمال لقاءاته بأصدقاء قدامى. فالأولون يأتون إليه لتعارف وتواصل، والآخرون يتواصلون معه بشتّى الوسائل. الأولون محتاجون إلى لقاء من يصنع من "اللجاة" ملحمة سينمائية أو لوحة بصرية، فإذا به هو نفسه لا يأبه إلاّ لتعارفٍ يريده تواصلاً، إنْ يرتاح إلى هذا أو ذاك من "الجدد". والآخرون محتاجون إلى رِفقةٍ لا تلين ولا تهدأ بصخبها وجنونها، وبراعة أوهامها في اقتفاء أثر الوقائع المبطّنة. إذ تبدو الأوهام أروع دربٍ إلى معرفة الآخر والذات.

فيلمٌ روائيّ طويل واحد، ويدخل رياض شيّا مرحلة صمتٍ سينمائيّ. البحث عن نسخةٍ منه، دونها مصاعب شتّى، إذْ يبدو أن المنع يطال كلّ شيء. لكن الفرصة تسنح، ولو لمرة واحدة: إحدى دورات "مهرجان دمشق السينمائيّ"، في تسعينيات القرن الـ 20، أو ربما في مطلع الألفية الثالثة. لن يكون التدقيق في الأمر ضرورياً. لن يكون موعد اللقاء أو مكانه مهمّين.

الفيلم، بحدّ ذاته، حاضرٌ، ويُصبح اللقاء حتمياً. وهذا يتمّ على الرغم من الرداءة الفظيعة للصالة، كأن رغبة المنع مستمرّة، وإنْ بشكلٍ آخر، فإذا برغبة المُشاهدة أقوى، إذ تحصِّن المُشاهد الراغب في "اللجاة" أثناء "رحلة" اختراق الممنوعات كلّها، لبلوغ نصٍ يجمع رهافة الحسّ التصويري، بجمالية التفكيك الدرامي، مضيفاً إليهما حُسن الاستضافة في أروقة فيلم، لن يكون أقلّ من مرآة صافية النقاء السينمائيّ لوقائع العيش في التخبّط والتمزّق والانشقاقات.

يُوصف "اللجاة" بكونه "قصيدة شعر سينمائية". أوصاف لا تليق بفحوى العمل، ولا بشكله، لأن العمل برمّته أجمل من أن يُحدَّد بوصفٍ كهذا. فالشعر لغةٌ، تُشبه براعة الصورة في إكمال صخب هدوئها وغليانه. لكن الفيلم، وإن يبدو محمّلاً بشيء من ملامح شعرية بصرية، يخرج على الوصف باتّجاه ما هو أعمق وأجمل وأقوى: عمقٌ في تثبيت الفعل السينمائي وأدواته، أثناء مقاربته انفعالَ ذاتٍ، وحالةَ بيئة. وجمالٌ في تحفيز اللغة السينمائية على "احتلال" صناعة الفيلم. وقوّة اللقطات في استنفار عقل المُشاهِد وروحه وإحساسه، في لحظة واحدة، وهو استنفار يدفع إلى الغرق في النص السينمائيّ، لمتعة عين وقلب وروح وانفعال، على الرغم من القسوة كلّها فيه.

القسوةُ قسوة أرض ومناخ بيئة وارتباك علاقات. والشعر، إنْ يعثر على مفردات له في النصّ والمعالجة والتقاط اللحظة، يبقى أبعد من أن يضع نبض الحكاية وقلق شخصياتها في مواجهة الانهيارات والشكاوى، لأن النبض والقلق حاضران في تشييد عمارة سينمائية مؤلّفة من أحاسيس متنوّعة، إنْ لم تكن متناقضة أحياناً. ولأن المواجهة أصيلة في نظرة الشخصيات إلى ذواتها، كما إلى الآخرين والمحيط والعلاقات.

يرحل رياض شيّا، مريضاً ومتعباً، في غربة باريس. كأن "اللجاة" يناديه إلى حضن التمتّع بأجمل كسلٍ، على مشارف الدنيا، وخارج عتمة الصالة. كأن الرحيل في الغربة قسوة، لن تُشبه قسوة الأرض والطبيعة في "اللجاة"، لكنها لن تبقى بعيدةً عنها كلّياً. قسوة تبدو فعل حياة، وإنْ في اغتراب يؤدّي إلى ابتعادٍ عن مدينة وحبّ وسينما.

دلالات

المساهمون