روسيا والقرم... تاريخ وحاضر

02 ديسمبر 2018
الصورة
+ الخط -
كان القرار الأول الذي اتخذه مجلس السوفييت الأعلى بعد موت ستالين هو تشييد فيلا مريحة لأعضاء المجلس أنفسهم في جزيرة القرم، فهذه المنطقة تتيح إقامة سياحية، ومناخاً لطيفاً يضاعف متعة الإجازات، ولطالما أقام القادة السوفييت في منتجعاتها أوقات إجازاتهم، وهو المكان الذي أُبلِغ فيه ميخائيل غورباتشوف (أبو البوريسترويكا) بقرار خلعه من منصبه رئيساً، حينما كان يستجم هناك على ضفاف البحر الأسود. كانت شبه الجزيرة هذه تعد رمزاً سوفييتياً، والأهم أنها كانت عسكرياً تساعد في الوصول إلى بحر مرمرة، ومنه إلى مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة. وشبه جزيرة القرم، بجغرافيتها المتقدمة المهيمنة على البحر الأسود، تمدّ ذراعيها باتساع رحيب للسيطرة عليه، وتمد لساناً طويلاً يشكل جسراً يقرّب مضيق بحر مرمرة أمام سفن الأساطيل السوفييتية التي كانت متمركزةً بشكل أساسي في موانئ القرم.
لم يتغيّر التموضع العسكري كثيراً لروسيا التي تقلدت الإرث السوفييتي العسكري، ومن ضمنه القاعدة البحرية في القرم التي يمكن أن تنشر منها قواتٍ تصل إلى المتوسط، كما ورثت العقلية العسكرية السوفييتية التي تعتبر القرم قرن استشعارٍ متقدّماً يتنصت على حلف شمال الأطلسي والقارة الأوروبية بأسرها. لم تستخدم روسيا القرم رمزاً للهيمنة السياسية والعسكرية، كما فعل السوفييت، على الرغم من أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يفضّل هذا المكان لقضاء إجازاته، لكنها استمرت في السيطرة على القاعدة العسكرية المطلة على البحر فيها، وزادت روسيا التمسّك بها، بعد أن شعرت بأن الحلف الأطلسي يمد جسوراً طويلة، ليلامس حدوده الغربية عن طريق أوكرانيا، الراغبة في الدخول في هذا الحلف بشكل عسكري فاعل. ومن خلال الحادث الأخير الذي منعت فيه روسيا سفناً أوكرانية من عبور مضيق كيرتش، بعد أن أطلقت النار عليها واعتقلت طواقمها، تظهر الرغبة الروسية في تطبيق عزل جغرافي شامل على أوكرانيا، بالسيطرة على بحر آزوف، الفاصل المائي بين الدولتين.
يلغي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لقاءً كان مخططاً أن يجمعه مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في الأرجنتين، على هامش لقاء الدول العشرين، على خلفية التصادم البحري الروسي الأوكراني، في موقفٍ يستهجن التحرّك الروسي، ولكنه لا يغلق كل الأبواب. ويبرّر ترامب تغريدته اللاغية الاجتماع بأنه يرغب "بلقاء بوتين لقاءً ذا معنى بعد أن ينتهي هذا الوضع". ترامب الذي لديه أكثر من تحفظ على الصيغة الحالية لحلف شمال الأطلسي لا يجد أكثر من صيغة العقوبات للتعامل مع روسيا، وهي صياغات اقتصادية توظف في السياسة، وغير مضمونة النتائج، ولم تظهر في الواقع نجاحاً باهراً في التعامل مع روسيا، وهي حالياً على بعد خطوةٍ من إحكام قبضتها على القرم وبحر آزوف المجاور. وتكاد المشكلة تتحوّل معضلةً محليةً، اللاعب الوحيد فيها هو الرئيس الروسي، ولا يملك قادة حلف الأطلسي الذين أبقوا أوكرانيا خارج تركيبته العسكرية غير التنديد الإعلامي لمواجهة التنمر البوتيني في محيط البحر الأسود.
يتجاوز الأمر مجرد التحرّش بأوكرانيا، فالقضية تتعلق بمعبر مائي مهم، يعتبر شرياناً عسكرياً في الفكر البوتيني الموهوم بإعادة السيطرة السوفييتية، وبعث الفكر القيصري الموشّى بسياسات السوفييت، وهو بالفعل قد حقق جزءاً من ذلك في عهد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، وأوجد موطئ قدم ثابتاً في سورية، من الصعب إزالته، ووجد صيغةً للتفاهم مع تركيا، فالعلاقات التركية والأميركية لا تمر بأوقات جيدة، ولم يبق أمام بوتين سوى وضع بحر آزوف تحت سيطرته بشكل كامل، ويمكن للقائه بترامب أن يجعل الأمر يمرّ مع تطبيق بضع عقوباتٍ غير قادرة على تغيير الواقع الجغرافي الجديد. تعيد هذه الأحداث إلى الأذهان حرب القرم التي قرأنا عنها في كتب التاريخ، عندما تكتلت أوروبا مع الدولة العثمانية في مواجهة روسيا القيصرية، وأجبرتها على التراجع. وفي إعادة هذه المعادلة، نجد أن إدخال المتغير الأميركي إلى جانب التركي سيشكل عاملاً حاسماً في القضية كلها.