روسيا تحول إيران لورقة تفاوض في ملف إعادة إعمار سورية

17 يونيو 2018
تستغرق إعادة الإعمار بين 10 و15 عاماً(محمد أبازيد/فرانس برس)
+ الخط -



يبدو أن هواجس إعادة إعمار سورية حاضرة، دائماً في أذهان المسؤولين الروس، الذين يبدون استعجالاً في إطلاق هذا الملف بأسرع وقت ممكن، محاولين إقناع الدول الغربية، بأن الوضع في سورية مستقر وآمن وبات جاهزاً لبدء العملية، بالرغم من نشاط تنظيم "داعش" في شرقي سورية وباديتها. كما أن الروس يحاولون وفق ما تؤكده بعض المؤشرات، أن يحولوا قضية النفوذ الإيراني في سورية، لورقة يفاوضون الغرب عليها، إذ أن موسكو تملك مقومات تقليص أو دعم هذا النفوذ الإيراني، سيما أنها القوة الأبرز على الأرض في سورية، وتتشارك فعلياً في منطقة نفوذ واحدة مع طهران، والتي يصطلح على تسميتها بـ"سورية المفيدة" وتشمل دمشق ووسط سورية الغربي ومدينة حلب وحماة إضافة إلى الساحل السوري.

وكرر المسؤولون الروس في الأشهر الأخيرة، مطالبهم باتجاهات عدة، لإسهام دولٍ مختلفة في إعمار سورية، إذ أشارت بعض التقديرات الدولية أنه سيكلف نحو 500 مليار دولار وهناك من يقدر تكلفة العملية بأكثر من ذلك. آخر تصريحات المسؤولين الروس في هذا الإطار، ورد أخيراً، إذ طلب وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، من بلدان رابطة الدول المستقلة، المشاركة في إرساء السلام في سورية، من خلال المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار البنى التحتية.

وقال شويغو، في افتتاح اجتماع مجلس وزراء الدفاع لدول الرابطة، بحسب وسائل إعلام روسية، إنه "من الواضح للجميع أنه لا يمكن تحقيق الأمن إلا من خلال الجهود المشتركة، أتوجه إليكم في هذا الصدد، أيها الزملاء الأعزاء، باقتراح المشاركة في إرساء السلام في سورية"، مضيفاً أن "قضايا التسوية السياسية وتوفير المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار البنية التحتية تأتي في المقدمة بسورية". وبدا أن تكلفة الحرب في سورية أصبحت ثقيلة على الروس، إذ قال وزير الدفاع الروسي "نعول على مساندتكم، التي من شأنها أن تظهر وحدتنا في الحرب ضد الإرهاب العالمي وضمان الأمن المشترك".

وقال مصدر متابع ومطلع من دمشق، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "حلفاء النظام الرئيسيين ثلاثة هم الصينيون وهؤلاء غير مستعجلين على استثمار حصتهم في سورية، وإيران التي يبدو أنه تم إبعادها عن قطاع الطاقة والثروات الباطنية والبنية التحتية نسبياً، وتم إعطاؤها حصة من بناء المدن المدمرة والاتصالات، لأن هذه القطاعات هي أولوية بإعادة الإعمار وبالتالي أهم القطاعات المُستقطبة للتمويل، وكان لحلفاء النظام الروس حصة الأسد بها".



وتابع المصدر: "دائماً ما يؤكد النظام على أولوية الشركات الروسية ودورها في إعادة الإعمار"، وهذا ما نقله عضو مجلس الاتحاد الروسي أندريه تورتشاك، عن رئيس النظام بشار الأسد، في منتصف شهر أبريل/نيسان الماضي، بأن الأخير أكد "استعداد دمشق لمنح الأولوية في إعادة إعمار سورية للشركات الروسية، إذا أبدت الأخيرة اهتمامها بذلك". كما قال إن "الأسد قدّر حجم الأموال اللازمة لإعادة إعمار البنى التحتية في سورية بنحو 400 مليار دولار"، مؤكداً أن "عملية الإعمار قد تستغرق ما بين 10 و15 عاماً". وكان تورتشاك نفسه قد دعا بلاده قبل ذلك بفترة إلى "عدم التباطؤ في الاستثمار في الاقتصاد السوري، والانخراط في عملية إعادة إعمار سورية حتى لا تسبقها في ذلك إيران  والصين".

وكان سفير النظام لدى روسيا، رياض حداد، قد صرح كذلك في فبراير/شباط الماضي خلال مشاركته في "منتدى الأعمال الروسي - السوري"، في غرفة التجارة والصناعة الروسية بحسب وكالة "سبوتنيك" الروسية، أن "الشركات الروسية التي ترغب بالمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار بعد الحرب في سورية ستحصل على أقصى قدر من المزايا". وبيّن السفير أن "الحكومة السورية وجميع المنظمات ذات الصلة، تلقت التعليمات اللازمة (من رئيس النظام بشار الأسد) من أجل تقديم أقصى قدر من المزايا لزملائنا الروس الذين سيشاركون في استعادة الاقتصاد السوري، حتى يتسنى لبلادنا استعادة المكانة التي احتلتها قبل الحرب".

وقد تكون تصريحات نائب رئيس الوزراء الروسي دميتري روغوزين العام الماضي الأكثر تعبيراً عن موقف روسيا من إعادة الإعمار، عندما صرح أن "بلاده لن تدخل الاقتصاد السوري بصفة فاعل خير أو دولة مانحة وأنها لا تنوي التساهل فيما يخص مصالحها وأرباحها حتى وإن كان الأمر متعلقاً بسورية"، قائلاً "علينا التفكير كيف نجني الأموال لميزانيتنا ومواطنينا لقاء العمل الكبير الذي قمنا به في سورية".

وملامح الصراع الروسي الإيراني خصوصاً حول غنائم إعادة الإعمار، طفت على السطح، وقد تناولتها وسائل إعلام إيرانية مقربة من السلطة في طهران خلال الأشهر الماضية، وعلى رأسها ما وصفته بسحب موسكو ملفات اقتصادية من تحت أقدام إيران ومن ضمنها ملف النفط والطاقة، ولم يخفِ مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي، انزعاج الايرانيين حيث قال في تصريح صحافي "لولا إيران لسقطت بغداد ودمشق، ولما تمكنت روسيا من فعل شيء في المنطقة".



كما أعربت بعض وسائل الإعلام الإيرانية، عن خيبة أملٍ في طهران، بالنظام السوري وبالروس، معتبرين أن ما أبرمه النظام مع الروس استبعد إيران وشركاتها من ملف إعادة الاعمار، وسيفرض على الإيرانيين التفاوض مع الروس حول أي إجراء تريد القيام به في سورية.

وكان وزير الخارجية محمد جواد ظريف، أعرب في تصريح له، مطلع فبراير الماضي عن عدم رضى طهران عن استحواذ روسيا على مشاريع واسعة لإعادة الإعمار في سورية على حساب إيران، معتبراً أنه لا توجد حاجة لكي يكون البلدان متنافسَين.

وترى مصادر معارضة في دمشق، طلبت عدم الكشف عن هويتها، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "الروس أحسنوا استثمار ورقة التواجد الإيراني في سورية، فهم من جانب استخدموا القوات الإيرانية وما يتبعها من مليشيات بالإضافة إلى حزب الله اللبناني كقوة مقاتلة على الأرض حتى فرضت سيطرتها على مساحات واسعة، واستنزفت تلك المليشيات في العديد والعتاد، في ظل تراجع عديد قوات النظام خلال السنوات الماضية".
وتابعت المصادر حديثها بالقول، إن "موسكو استثمرت الورقة الايرانية في مفاوضتها مع القوى الدولية والإقليمية، إذ كان جزء من تفويض الروس بالملف السوري، هو الحدّ من التمدد الايراني في المنطقة وضمان أمن الاحتلال الإسرائيلي، وهي أحد أهم العوامل الضابطة لإدارة ملفات ليس سورية فقط بل الشرق الأوسط. وتعلم روسيا أن الدول الغربية ودول الخليج العربي لن تلج إعادة الإعمار إلا بتسوية جاذبة لهم، والتي يعتبر إقصاء إيران أبرز صورها. وهذا ما يعمل الروس على تطبيقه، إذ يوافق الغرب على ضمان مصالح الروس في سورية، في مقابل ضمان أمن إسرائيل وإقصاء دور إيران من الساحة أو تحجيمه وإبقائه تحت المراقبة على أقل تقدير".

وكثير من الدول الفاعلة في الملف السوري ربطت إعادة الإعمار بالحل السياسي، وضمنه إنهاء النفوذ الإيراني في سورية. وقد عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن توجّهات روسيا عندما طالب بخروج القوات الأجنبية من سورية. الأمر الذي وضع النظام في مأزق مع الإيرانيين، خصوصاً أن الروس دفعوا النظام لعدم توقيع أي اتفاق عسكري مع إيران، كما أن غضّ نظر روسيا عن استهداف مواقع التواجد الايراني ومليشياتها في سورية من قبل اسرائيل، يعتبر مؤشراً مهماً حول أولويات روسيا.

وكانت صحيفة "العرب اللندنية" نقلت عن مصادر روسية أن روسيا حصلت، خلال زيارة العاهل السعودي، سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على "وعود قوية بالمساهمة في إعادة إعمار سورية ما بعد الحرب". وأشارت إلى أن "الملك سلمان أبلغ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن الرياض لا يمكن أن تدفع بمليارات الدولارات لتصب في خدمة إيران، وأن أي حديث عن إعادة الإعمار يجب أن يكون بعد حل سياسي يكون فيه القرار بيد السوريين من دون تدخل خارجي لفائدة أي جهة كانت".


المساهمون