روسيا تتبنّى حروب حفتر: مسامير في نعش "الاتفاق السياسي"

13 يناير 2017
الصورة
قررت موسكو اقتحام الساحة عبر حفتر (فاسيلي ماكسيموف/فرانس برس)
كل ما يحصل في ليبيا من فصول الفوضى الأمنية المليئة بالألغاز أحياناً، يصب في خانة وحيدة: الإنجاز على ما تبقى من إفرازات الاتفاق السياسي المعروف بـ"اتفاق الصخيرات" 2015، الذي ولدت عنه حكومة كان الهدف منها أن تحلّ بدل سلطتَي طبرق و"الإنقاذ" في طرابلس من جهة، وتمدد القوة الروسية باتجاه ليبيا عسكرياً من جهة ثانية، من خلال اللواء خليفة حفتر، الذي يحلو لكثيرين تسميته "بشار الأسد الليبي". ولا يستبعد كثيرون أن يكون تزامن التطورات في الاتجاهين مجرد صدفة، وحتى إن كان كذلك، فستكون النتيجة واحدة: اتساع رقعة الفوضى الأمنية والحروب الأهلية المناطقية لأن التجربة تفيد بأن حفتر غير مقبول في مناطق واسعة من الغرب الليبي والجنوب، فضلاً عن أن التمدد الروسي من سورية إلى ليبيا، لن يبقى من دون رد فعل "المجتمع الدولي" الذي تمدّد غيابه أيضاً من سورية إلى ليبيا. لكن هذا الغياب يستحيل أن يطول، طالما أن المخاوف الغربية تكبر إزاء ثلاثة عناوين تشكل ليبيا مدخلاً إليها: الأمن النفطي، وبوابة الهجرة السرية، التي يسميها الإعلام السائد "غير شرعية"، ونموّ حالات أمنية جعلت ليبيا مقصداً لتنظيمات من نوع "الدولة الإسلامية" (داعش) و"القاعدة".

وشهدت طرابلس أمس تصعيداً في المواجهات بين مجموعات مسلحة تابعة لما كان يسمى حكومة "الإنقاذ" ومؤسسات حكومة فائز السراج، فاقتحمت قوات محسوبة على "الإنقاذ" مقرات عدد من الوزارات التابعة لحكومة الوفاق وطلبت من الموظفين إخلاءها. في موازاة ذلك، كان عدد من نواب برلمان طبرق، من معارضي حفتر، يعلنون افتتاح مقر لهم في العاصمة، مكان وزارة السياحة، ويقررون عقد جلسة مكتملة النصاب للبرلمان "من مقره الجديد في طرابلس" بحسب كلام النائب محمد الرعيض. وقال الرعيض، عبر تدوينة على حسابه على "فيسبوك"، إن الجلسة المنتظرة ستعقد خلال أسبوعين في طرابلس. وأظهرت صور متداولة أمس الخميس، لافتة كتب عليها "مقر مجلس النواب الليبي" أمام واجهة مقر وزارة السياحة على طريق الشط في طرابلس على مقربة من المقر المؤقت لحكومة الوفاق. وبحسب مصادر برلمانية تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن عدداً كبيراً من نواب البرلمان قرروا عقد جلساتهم في طرابلس بعيداً عن مقره بطبرق بسبب استنكارهم لعرقلة معارضي الاتفاق السياسي عقد جلساته طيلة العام الماضي.

على صعيد آخر، تبدو روسيا، كأنها وجدت "ضالتها" أو "رجُلها" في ليبيا، في عزّ التوسع الروسي نحو مناطق لم تكن تحلم يوماً أن تكون مناطق نفوذ لها، مثل سورية، بسبب الغياب الأميركي الطوعي، والصمت الغربي الملحق بواشنطن في مثل هكذا خيارات كبيرة. وتفيد المعطيات، أكانت معلنة و/أو خاصة بـ"العربي الجديد"، أن موسكو حسمت قرارها بتجاوز الخشية من الزج بنفسها في الملف الليبي، وقررت بالفعل اقتحام الساحة من خلال حفتر، على وقع تردد القوى الغربية الكبرى إزاء تنفيذ الاتفاق السياسي الموقع في مثل هذه الأيام قبل عام كامل، في الصخيرات المغربية. تردد غربي صار يظهر كأنه أقرب ما يكون إلى التواطؤ الضمني بدليل حماية حفتر وتمرده على الاتفاق السياسي الذي توصل إليه "المجتمع الدولي" مع "الشركاء" الليبيين، وهو ما ظهر بوضوح من خلال التغطية عملياً على حروب حفتر ضد المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الليبية، الإبنان الشرعيان لاتفاق الصخيرات إياه. وكانت السيطرة العسكرية لقوات حفتر على منطقة الهلال النفطي، دليلاً على عدم اعتراض دولي جدي على خطوات حفتر العسكرية التي كانت ستواجه بتدخل عالمي لو أنها بدرت من أي طرف آخر.

وفي الساعات الـ48 الماضية، خرجت إلى العلن ملامح القرار الروسي بكسر حاجز التردد إزاء الملف الليبي، فسرّبت دوائر محسوبة على الكرملين، حماستها لكسر حظر التسليح المفروض على ليبيا، وهو ما يعني تزويد جيش برلمان طبرق، الذي يأتمر من حفتر، بما يحتاجه من ترسانة تستخدم فعلياً ضد أهداف عسكرية ومدنية لا علاقة لتنظيم "داعش" بها، مثلما تظهر تجارب معركة سرت التي حررتها قوات المجلس الرئاسي، لا حفتر، ومثلما تبرزه يوميات القتل في بنغازي ودرنة وغارات طائرات حفتر هناك وتهديدات الأخير اليومية باقتحام طرابلس التي لا يعترف بسيادة قوات حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي عليها. ولطالما كان قرار مجلس الأمن الدولي في عام 2011، القاضي بمنع إرسال الأسلحة إلى ليبيا، مع استثناء الجيش الذي يأتمر من حكومة السراج منذ عام 2015 من هذا الحظر، نقطة ارتكاز في الخطاب العالمي الذي يصرّ على ضرورة تفادي اندلاع حرب أهلية شاملة في ليبيا، بالتالي، فإن جاهرت روسيا بضرب القرار، أو إن مارست ما يناقض بنوده، فسيكون ذلك إيذاناً بتسليح قوات حفتر بما ينقصها لاجتياح طرابلس، وإطاحة الكلام حول احتمال تعديل الاتفاق السياسي بما يضمن مكانة عسكرية رفيعة المستوى لـ"المشير" خليفة حفتر. وكان الحديث عن تعديل اتفاق الصخيرات قد افتتح منذ "الانقلاب النفطي" الذي قاده حفتر في منطقة الهلال النفطي الصيف الماضي، بدعم علني من بعض الدول العربية، وهو ما أنتج تنازلاً لدى الطرف الآخر، تحديداً حكومة السراج، تُرجم بموافقتها على مفاوضات لتعديل الاتفاق لرد الاعتبار العسكري لحفتر وتسليمه ربما منصب قيادة الجيش الموحد، أو وزارة الدفاع. لكن بدا أن هذا لا يلبي طموحات حفتر، الراغب بالتفرد في الحكم، مدعوماً من مجموعة فاعلين إقليميين، باتوا يتوزعون على أبو ظبي وموسكو والقاهرة بشكل رئيسي، وروما ربما.



ثم جاء دخول حاملة الطائرات الروسية الأميرال كوزنيتسوف قبل يومين إلى المياه الإقليمية الليبية، والاستعراض الذي أجراه حفتر من على متنها، واللقاءات العسكرية رفيعة المستوى التي عقدها فيها، مع قيادة أركان الجيش الروسي ووزير الدفاع، سيرغي شويغو، لتبقى "القرارات المتفق عليها" طي الكتمان. لكن "العربي الجديد" علمت بأن الاجتماعات تمخض عنها إشهار روسي لنوايا الدخول بقوة إلى الساحة، من بوابة الشعار الذي سبق لموسكو أن عنونت به حربها في سورية، وهو "محاربة الإرهاب"، من خلال الرجل القوي بالنسبة لعدد من الدول العربية والغربية المعنية بالملف الليبي، منها مصر والإمارات وإيطاليا وروسيا، أي حفتر، في مقابل تفضيل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا التروي في حسم الموقف من الرجل، على اعتبار أن التجربة معه "لا تطمئن"، ونظراً إلى كثرة أعداء حفتر ورافضي شرعيته وحروبه، خصوصاً في الغرب الليبي ومناطقه الكبرى، مثل طرابلس ومصراتة. ولأن روسيا لا يمكنها، موضوعياً، التدخل من دون وكيل محلي قوي في بلد مثل ليبيا، ينتج 9 في المائة من حاجات أوروبا نفطياً، فإن حفتر قد يكون الشخصية المثالية بالنسبة لها، نظراً للشرعية التي يحظى بها لدى بعض قطاعات ومناطق وقبائل الشرق الليبي وجنوبه، وبفضل علاقاته العربية الممتازة لدى الراعيين الإماراتي والمصري، ومن خلفهما الأردني. وجاء دخول حاملة الطائرات الروسية إلى المياه الليبية مليئاً بالأبعاد والرموز، بما أنها أتت مباشرة من السواحل السورية حيث تخوض عملياتها الحربية. وهذه نقطة يتوقف عندها كثيرون في ليبيا وخارجها. فمثلما يقدم حفتر نفسه على أنه المندوب العالمي لمحاربة الإرهاب، من دون أن يقاتل تنظيم "داعش" فعلياً، على ما أظهرته التجربة في سرت، كذلك ترغب روسيا بتوسيع دائرة نفوذها من خلال الشعار نفسه، من دون أن تتورط برياً، بشكل مكلف، مثلما هو حالها في سورية، ليكون خليفة حفتر هو بشار الأسد الليبي، وليكون كل من يحارب حفتر، لأسباب سياسية قبلية، هو "إرهابي" بالتصنيف الروسي المطبق على فصائل المعارضة السورية المسلحة.

وبالفعل، حصل "العربي الجديد" على جزء من خلاصات الاجتماعات البحرية التي عقدها حفتر مع الجنرالات والمسؤولين الروس، يوم الأربعاء، إذ قرر الطرفان إطلاق مناورات جوية وبحرية قبالة الشواطئ الليبية المقابلة لمنطقة الهلال النفطي، فضلاً عن تنفيذ عمليات جوية داخل الصحراء الليبية تحت مسمى مكافحة الإرهاب بالاشتراك بين طيران حفتر والطيران الروسي، تحت شعار محاربة "الإرهاب" الذي يشمل، بحسب تفسير كل من الروس وبرلمان طبرق وقوات حفتر، كل من يعارض "عملية الكرامة" بشكل عام ولا يقتصر على تنظيم "داعش" والفصائل المقربة منه. وذكرت مصادر أن حفتر يتعرض لضغوط داخلية في صفوف ضباط موالين له محذرين من مغبة تغير الموقف الروسي في أي وقت أسوة بالموقف الفرنسي الداعم لهم بداية السنة الماضية. وبينت المصادر أن سماح قوات حفتر لجزء من مقاتلي "داعش" بالفرار من بنغازي الى الصحراء جاء كتمهيد للإعلان للرأي العام أن العمليات المشتركة بينه وبين روسيا تأتي في إطار ملاحقة عناصر "داعش" الفارين في الصحراء، فيما يهدف التواجد الروسي البحري لمنع وصول أي إمداد عسكري بحري إلى مقاتلي شورى بنغازي في قنفودة والصابري.

وفي ظل غياب فعلي لأطراف فاعلة في ليبيا، مثل فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، جاء التحرك الإيطالي، العسكري ــ الدبلوماسي، بإرسال قوات عسكرية إلى العاصمة طرابلس، وكأنه يتمم ما يذهب إليه الروس وحفتر، لناحية إضعاف القوات الشرعية التي أفرزها الاتفاق السياسي، أي تلك التابعة للمجلس الرئاسي الليبي وحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج. فالقوات العسكرية التي أرسلتها روما إلى طرابلس، تحت شعار حماية السفارة الإيطالية التي أعادت فتح أبوابها في العاصمة الليبية، أزعجت حكومة السراج بشكل كبير، على اعتبار أن الخطوة التي جاءت من دون إذن ولا تنسيق، وكأنها تدقّ مسماراً جديداً في نعش "مؤسسات طبرق" لمصلحة تقوية موقع حفتر.