رسوم عمالة السعودية... ضغوط على الوافدين والمستثمرين (إنفوغراف)

28 ديسمبر 2016
الصورة
إنفوغراف حول رسوم العمالة الوافدة في السعودية (العربي الجديد)
+ الخط -
تخوّف اقتصاديون سعوديون من أن تسبب الرسوم الجديدة التي سيتم فرضها على العمالة الوافدة في رحيل جزء منها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع في حركة البيع والشراء، خاصة أن نقص السيولة لدى المواطنين سيمنع رجال الأعمال من زيادة أسعار منتجاتهم، لتعويض فارق الرسوم الجديدة، أو تعويض رحيل عمالة وافدة.
وفي المقابل، أكدت الحكومة السعودية أن الرسوم الجديدة التي ستُفرض على العمالة الأجنبية في البلاد تستهدف توجيه الدعم الحكومي على السلع والطاقة للمواطنين، إضافة لرفع كفاءة التشغيل وخلق التوازن في فرص التوظيف للسعوديين والوافدين.

ويأتي ذلك بالتزامن مع خطط حكومية لضخ أكثر من 200 مليار ريال (الدولار = 3.75 ريالات) في القطاع الخاص كمشاريع، ضمن برنامج "التوازن المالي" الذي جرى إعلانه بالترافق مع ميزانية 2017.
وشدّد وزير التجارة والاستثمار السعودي، ماجد بن عبد الله القصبي، على أن الدعم المالي القوي في ميزانية المملكة للقطاع الخاص يعكس التوجه الرئيسي للدولة، والذي سيتضمن أيضا تطوير اللوائح والأنظمة والبنية التحتية، والتي لا بد أن تكون جاذبة للقطاع الخاص، معتبرا أن الاستثمارات في القطاعات المهمة سيكون هدفها تعزيز الناتج الإجمالي المحلي ورفع كفاءة التشغيل وتنويع مصادر الدخل من خارج النفط.

وأشار الوزير إلى أن الرسوم الجديدة التي ستُفرض على الوافدين، تهدف لرفع كفاءة التشغيل، وخلق التوازن في فرص التوظيف للجميع.

استثناءات من الرسوم

وأقرت السعودية فرض رسوم على المرافقين للوافدين بمقدار 100 ريال عن كل مرافق شهرياً، ووفقا لتقديرات الهيئة العامة للإحصاء فإن إجمالي الأجانب المقيمين في المملكة بلغ نحو 11.6 مليون مقيم، العاملون منهم نحو 7.4 ملايين شخص والمرافقون 4.2 ملايين.
وأكدت مصادر لـ"العربي الجديد" على أن هذا الرسم "100 ريال"، لن يُطبق على كل المرافقين، بل فقط على الأبناء الذين تجاوز أعمارهم 18 عاماً، ولا يشمل الأطفال دون هذا السن ولا يشمل أيضا الزوجة والبنات.
وحسب المصادر، والتي فضّلت عدم ذكر اسمها، يتوقع أيضاً استثناء اليمنيين والسوريين من هذه الرسوم مؤقتاً.

ومن المقرر أن تزيد رسوم المرافقين بشكل سنوي إلى أن تصل إلى 300 ريال عن كل مرافق، في عام 2019، وسيكون تحصيل هذه الرسوم عن طريق الجوازات، عند تجديد الإقامة السنوية للعامل، وتنتظر إدارة الجوازات حالياً وصول التعليمات الخاصة بآلية تحصيل الرسوم.
غير أن الرسوم الأكثر أهمية هي التي ستفرض على العاملين بدءاً من عام 2018، إذ سيتم فرض رسوم على كل عامل في الشركات التي تزيد فيها العمالة الوافدة عن الموظفين السعوديين بمقدار 400 ريال شهرياً عن كل عامل، وترتفع سنوياً لتصل في عام 2020 إلى 800 ريال، فيما ستفرض رسوم على العمالة الوافدة الأقل من الموظفين السعوديين في كل منشأة بنحو 300 ريال في عام 2018 ترتفع 700 ريال في عام 2020، وحتى الآن لم يتم الإعلان عن تفاصيل هذه الرسوم، ومن ستشمل، خاصة أن مقدار الرسم يصل إلى 4800 ريال سنويا، ويصل بعد خمس سنوات لنحو 9600 ريال كحد أقضى، وسيكون تحصيل هذه الرسوم عن طريق أصحاب العمل، عند تسديد رسوم بطاقة العمل التي كانت بلغ 2400 ريال سنويا.

تحفيز الاقتصاد

ويتخوف اقتصاديون من أن يتسبب ذلك في ارتفاع كبير في أسعار الخدمات، خاصة المقاولات، والمهن اليدوية، أسوة بما حدث بعد رفع قيمة بطاقة العامل من 100 ريال لنحو 2400 ريال قبل أربع سنوات.
وتوقع تقرير مالي أن يرفع فرض رسوم إضافية على العمالة الأجنبية تكلفة التشغيل بدءاً من عام 2018 في معظم القطاعات ذات الاستخدام الكثيف للعمالة الأجنبية، وسيضغط على مؤشرات التضخم من خلال تمرير جانب من الزيادة في الأسعار للمستهلكين، وشدد التقرير على أن الرسوم التي سيتم فرضها على المرافقين للعمالة الأجنبية سيتضح أثرها مع بداية عام 2018، وستساهم بشكل كبير في الحد من عدد المقيمين، مما سيترتب عليه انخفاض في مستوى الطلب على السلع والخدمات.

ومن جانبه، يؤكد عضو اللجنة الوطنية للمقاولين عبدالله المغلوث في حديثه لـ"العربي الجديد" أن الرسوم الجديدة قد تدفع عددا كبيرا من الوافدين للعودة إلى بلادهم، الأمر الذي يهدد بضعف القوة الشرائية في السوق السعودي ويؤدي لموجة لكساد.
ويقول المغلوث: "الوافدون محرك رئيسي للاقتصاد في السعودية، ويشكلون ثلث السكان ولكن برحيل جزء منهم ستضعف القوة الشرائية في السوق بشكل كبير، سواء في المنتجات الاستهلاكية أو الغذائية، كذلك ستتراجع قيمة الإيجارات خاصة الشقق، لأن الوافدين يسكنون جزءاً كبيراً منها".

ويضيف: "مع ارتفاع التكلفة على العمالة الوافدة، سيجد جزء كبير من الوافدين أن الأفضل لهم العودة لبلادهم، وهذا ما سيفقد السعودية ثروة كبيرة كانت تحصل عليها من رسوم الإقامات العادية"، مشددا على أنه من المهم تحفيز الاقتصاد وخلق بيئة جاذبة لا طاردة، والسعي لبقاء الأصلح، لا العمالة الزائدة.
وأكد المغلوث على ضرورة إنشاء البنوك صناديق استثمارية يضع الوافدون فيها أموالهم ومدخراتهم، بدلا من تحويلها لبدلاهم، والاستفادة من أرباحها، خاصة أن حجم التحويلات السنوية يقارب 156 مليار ريال.

ويتابع: "تتوقع الميزانية تحصيل 65 مليار ريال من تلك الرسوم الإضافية على العمالة، ولكن في تصوري لن نصل لهذا الرقم لأن جزءا كبيرا من الوافدين سيفضل المغادرة، وستضطر كثير من الشركات تصفية عمالتها لتقليل دفع الرسوم، ولن تدفع الرسوم على العمالة المتسترة، ما قد يتسبب بالفوضى في السوق".
ويستبعد المغلوث أن تنعكس تلك الخطوة إيجابيا على عمليه التوظيف، لأن التستر سيظل يحارب التوطين، مضيفا: "جزء كبير من الشركات يعتمد على الوافدين غير النظاميين، ولن يكون هناك انعكاس إيجابي على التوطين إلا بقوانين وعقوبات رادعة على هؤلاء المتسترين".

لا زيادة في التضخم

لا يعتقد مدير إدارة الصناديق العقارية في (دراية) فيصل الشماس أن تؤدي الرسوم الجديدة في رفع الأسعار لنقص السيولة في السوق، وعدم قدرة المستهلكين على الشراء، معتبرا أن قرار رفع الأسعار سيكون خطوة خاطئة من التجار، متوقعا أن يلجأوا لإدارة التكاليف.
ويقول الشماس لـ"العربي الجديد": "من غير المتوقع أن تتسبب هذه الرسوم في زيادة التضخم، صحيح أن القرار الجديد سيرفع التكلفة على الشركات، وهناك من يتوقع أن تقوم الشركات بتعويض خسائرها من جراء هذه الرسوم بتحميلها على المستهلك النهائي".

ويضيف: "ولكن من يتابع السوق السعودي يجد أن هناك نقصاً كبيراً في السيولة، وفي حال قرر التاجر رفع أسعار منتجاته، فقد يكون هذا الخيار ناجحا خلال عام على أبعد تقدير ثم سيجد أن سلعته أصابها الكساد، لأن المستهلك سيبدأ البحث عن منتجات بديلة وأرخص، لأنه لا يملك سيولة كافية للدفع، وسينشط هذا سوق التجارة الإلكترونية، وسيزيد من وعي المستهلكين".
ويشدّد الشماس على عدم وجود تصور واضح حول طريقة تحصيل الرسوم الجديدة على العمالة الوافدة، ولكن من المتوقع أن تكون مرتبطة بنسب السعودة في كل شركة، حسب الشماس.

ويتابع: "لابد أن تبحث الشركات عن مصادر جديدة لتعويض الزيادة التي ستتكبدها، بعيدا عن تحميلها للمستهلك، مثل الاعتماد على البيع عن طريق الإنترنت، أو الموزعين من الباطن، وقبل القرار بدأت شركات التجزئة في تخفيض أسعارها، ما يؤكد على أن الحل هو في إدارة التكاليف، لا رفع الأسعار".

تقدم السعودة

ويعتقد الشماس أن يخدم القرار جوانب وطنية، أهمها السعودة، لأن هذا سيكون أقل تكلفة على التاجر، كما أن هذا القرار سيجعل الشركات تختار العمالة ذات الكفاءة، مضيفا: "لو أن القرار صدر في وقت فيه إنفاق حكومي كبير، فستكون هناك مخاوف من زيادة التضخم، ولكن الوضع حاليا لا يساعد على ذلك، فالسوق تعاني من نقص في السيولة، وهذا سيدخل الشركات في نقص مبيعات أكبر قد تصل للكساد، خاصة مع دخول ضريبة القيمة المضافة حيز التنفيذ، والوضع بعد عام أو عامين سيكون أكثر صعوبة، فما زال هناك بعض المال الموجود في السوق".

ويتوقع الشماس أن تتأثر شركات كثيرة بالرسوم الجديدة وستصاب بكساد كبير يصل للإفلاس، فيما ستضطر شركات للاندماج مع أخرى، ويتابع: "المشكلة ليست نقصا في الأرباح، بل ضعف في المبيعات"، معتبرا أن المشكلة في تحقيق نسبة كبيرة من التجار في السعودية أرباحاً أكبر من نظرائهم في العالم، وهذا لم يكن نابعا من قوة منتجهم أو ذكائهم، ولكن لأن الدولة كانت تقدم لهم تسهيلات كبيرة ودخول النفط الكبيرة كانت تحرك الأسواق.
ويضيف: "لم تكن تفرض عليهم أي رسوم، وكان المستهلك بلا وعي، وهذا قتل لديهم التفكير والتخطيط، وكانوا يعتقدون أن السوق مضمون لهم، ولهذا عند أول صدمة يهتزون بقوة، تماما كما حدث مع شركات المقاولات".

ويتابع: "اللجوء لحل رفع أسعار التجّار منتجاتهم، سيؤدي لتدميرهم مستقبلا، عليهم البحث عن مصادر جديدة لتعويض التكاليف المرتفعة بعيدا عن قيمة السلعة، فالسوق الأم بات أكبر ولا يعتمد على التجّار السعوديين فقط، فالتجارة الإلكترونية باتت تنافس بقوة".
وكانت السعودية قد أقرت ميزانية عام 2017 نهاية الأسبوع الماضي بإنفاق متوقع بنحو 890 مليار ريال (نحو 236 مليار دولار أميركي) بزيادة 6% عن موازنة 2016، وتتضمن إيرادات متوقعة بـ692 مليار ريال (184 مليار دولار) وعجز متوقع بنحو 198 مليار ريال (نحو 53 مليار دولار) وهو أقل منموازنة 2016، ليصل الدين العام للدولة إلى نحو 316.5 مليار ريال (نحو 84 مليار دولار).

وبلغت المصروفات الفعلية في عام 2016 نحو 825 مليار ريال (نحو 219 مليار دولار)، فيما بلغت الإيرادات الفعلية نحو 528 مليار ريال (نحو 140 مليار دولار)، وبلغ العجز الفعلي العام الجاري مبلغ 297 مليار ريال (نحو 79 مليار دولار) بأقل 9% من العجز المتوقع.
وأكد بيان مجلس الوزراء أنه ستتم تغطية العجز المتوقع من خلال السحب من الاحتياطي النقدي والفائض المالي من السنوات الماضية، وأيضاً من خلال إصدار سندات دين داخلياً وخارجياً.