رحيل رفعة الجادرجي: العمارة باعتبارها فكراً

رحيل رفعة الجادرجي: العمارة باعتبارها فكراً

11 ابريل 2020
الصورة
رفعت الجاردجي
+ الخط -

منذ سنتين، صدر كتاب بعنوان "رفعة الجادرجي: سجلّ البناء" (تحرير الفنّان أكرم زعتري والمعماري مارك واسيوتان، "دار كاف للنشر" بالتعاون مع "غاليري صفير زملر" و"المؤسّسة العربية للصورة") يتضمّن فهرسة لأعمال المعماري العراقي (1926 - 2020)، إلى جانب صور توثّق المشاريع التي أنجزها في بغداد خلال عشرين عاماً قبل مغادرتها. بدا العمل مثل تحية ضرورية لمعماريّ ومفكّر وفنان نسيته ثقافته، وهو الذي كان أحد أجرأ مثقّفيها خلال عقود.

نتذكّر هذا الكتاب مع خبر رحيل المعماري العراقي أمس في لندن عن 93 عاماً، غير أن جادرجي كان حاضراً في ما هو أبعد ممّا كُتب عنه أو ما كتبه بنفسه، كان حاضراً عبر صياغته لأكثر من مكان، خصوصاً في بغداد، ومنها ساحة "نصب الحرية" الذي أنجز قاعدته وصمّم فضاءه المحيط متمّاً بذلك عمل سلفه جواد سليم، وهو الفضاء الذي مثّل بؤرة الاحتجاجات التي شهدها العراق في الأشهر الماضية.

أما أشهر أعمال جادرجي النحتية فهو نصب الجندي المجهول في ساحة الفردوس، والذي أنجزه في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يُزال في بداية الثمانينيات حين قرّر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وضع تمثاله في نفس المكان، ولعل هذه الحادثة شكّلت قطيعة بين جادرجي ومسقط رأسه بغداد.

في تلك الفترة، كان قد بلغ درجة من النضج الفكري جعله أحد أبرز وأشهر المعماريين العرب، وفي الحقيقة بدأت نجاحاته المهنية بعد فترة من تخرّجه منتصف الخمسينيات من إحدى الجامعات البريطانية، وكان جزءاً من جيل من المعماريين الذين وجدوا أمامهم مسؤولية إعادة تهيئة المدن العربية وأبرز فضاءاتها، فكان جادرجي مصمّم البرلمان العرقي، والاتحاد العام للصناعات، ومبنى نقابة العمال، والمجمع العلمي العراقي وغير ذلك من المؤسسات.

لكن هذا الجيل وجد صعوبة في التعايش مع صعود القبضة البوليسية التي تحكم العراق، فبدأ جادرجي في الانسحاب التدريجي من بيئة العمارة في بلاده على الرغم من تسلّمه العديد من المناصب زمن صدام حسين، وكان في 1978 قد عاش تجربة قصيرة في المعتقل، وفي 1983 غادر العراق واستقر في بريطانيا حتى رحيله أمس.

يُحسب للمعماري العراقي أنه لم يكن مكتفياً بدوره كمصمّم بل كان مفكّراً في دور العمارة من منطلق إنساني شامل، وهو ما يتجلى في أعمال مثل "في سببية وجدلية العمارة"، و"دور المعمار في حضارة الإنسان" و"صفة الجمال في وعي الإنسان"، والتي نجد فيها رؤية موسوعية تجمع بين العناصر النفعية والرمزية والجمالية لفن العمارة، كما أنها تقترح رؤية تأليفية بين الحداثة والتراث، قلما توفرّت لدى مثقفين آخرين في البلاد العربية.

دلالات

المساهمون