رحلة جرجي زيدان.. بحثاً عن مفاتيح نهضة العرب في دنيا الغرب

02 يونيو 2018
الصورة
برج إيفل، عام 1889
+ الخط -

في سنة 1912، سيقوم جرجي زيدان برحلة إلى أوروبا، انطلاقا من مصر. كان هدف الرحلة أن تكون علمية وليس استجمامية، ولكنه برغم ذلك، سيجد الرحالة نفسه وقد اندهش بالبشر والعمارة والنظام في المدن الأوروبية التي زارها، حتى وإن كان سؤاله القبلي الإجابة عن إشكالية: لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب؟

ولا يخفى في هذه الرحلة، ميل جرجي زيدان للفرنسيين، وتقديره لهم، من حيث تشديده على أهمية حملة نابليون في الارتقاء بمصر و"تمدينها"، والتي في اعتقاده زرعت أولى "بذور الحداثة".
قد يكون في ما ذهب إليه زيدان من ميل فرنسي بعض الصحة، لكن حملة نابليون لم تكن في البداية والمنتهى حملة علمية، بل كانت اجتياحا عسكريا، ولم تكن المدافع تنفث الورود بدل البارود.

يقول قاسم وهب، محرر الرحلة وكاتب مقدمتها: "مما لا شك فيه أن لحملة نابليون آثارا إيجابية نجمت عن ذلك الاحتكاك القسري بين الغرب والشرق من جانب نابليون الذي كان يحلم بالسيطرة على العالم، وإخضاعه لصولجانه بالقوة القاهرة، وهذه الآثار إنما هي من باب تأثير الغالب في المغلوب. فكيف يمكن أن نسلك بكل ذلك فضلا؟ ولو عاصر زيدان ما فعلته فرنسا بالشرق في ما بعد، لأعاد النظر في هذه التسمية".


أهداف واضحة

يوضح زيدان دوافع الرحلة وخلفياتها، حين يقول في مفتتحها: "قضينا صيف هذا العام في أوروبا بين فرنسا وإنكلترا وسويسرا، وتنقلنا في أهم مدائنها، فزرنا مرسيليا وليون وباريس ولندن وكمبردج ومنشستر وأوكسفورد وجنيف ولوزان وإفيان. ودرسنا أحوالها، وتفقدنا متاحفها ومكاتبها وآثارها. وتوخينا النظر على الخصوص في ما يهم قراء العربية من أحوال تلك المدنية التي أخذنا في تقليدها منذ قرن كامل ونحن نتخبط في ما يلائم أحوالنا منها. وسننشر في ما يلي خلاصة ما بلغ إليه الإمكان من الدرس. ونقتصر من ذلك على ما يهم القارئ الشرقي من حيث حاجته إلى تحدي مدنية أولئك القوم في نهضته هذه، ونبين ما يحسن أو يقبح من عوامل تلك المدنية بالنظر إلى طبائعنا وعاداتنا وأخلاقنا".

وقد أغفل زيدان في رحلته، متعمدا، ذكر التفاصيل الذاتية، المتعلقة بالأمكنة، والرحيل والنزول ومكابدات السفر، مما هو مألوف ذكره في كتب الرحالة التي على هذه الشاكلة.

لكنه خصص حيزا مهما لوصف باريس ومدن فرنسية ومؤسساتها السياسية والأمنية والعلمية من مدارس ومعاهد عليا وجامعات وازدهار ما يسميه بالتعليم الصناعي، إلى جانب التعليم الأدبي والفني والجمالي. بالإضافة إلى ما ترصده الدولة من ميزانيات كبيرة لكل هذه التخصصات. فهو يقف برهة ليقارن بين التعليم في فرنسا والتعليم في مصر، ليصل إلى حقيقة سريعة أن بناء النهضة العربية لا يمكن أن يتم إلا بإصلاح تعليمي، لأنه لب كل نهضة كيفما كانت وأنى كانت.

وفي كل ذلك، لا يخفي إعجابه بالحضارة الغربية ومنتجاتها وفنونها و"تقنيتها"، من ذلك إعجابه الشديد بنوع المسرح الفرنسي، ولعله يقصد به الكوميديا الفرنسية، التي تفجرت منها أهم النصوص النقدية للحياة الاجتماعية والسياسية، يقول "ليس المراد أن نصف المراسح التمثيلية، فإن لدينا منها أمثلة حسنة في مصر والإسكندرية، وإن كانت أقل مما في باريس، فإنها تشبهها، حتى كثيرا ما تعرض فيها روايات فرنساوية يمثلها أجواق من باريس. لكن رأينا على مراسح التمثيل في باريس وغيرها من المدائن الكبرى في فرنسا وسويسرا ضربا من التمثيل الانتقادي يسمونه في اصطلاحهم REVUE ويريدون به انتقاد العادات والأخلاق والآداب على المراسح في شكل بين الجد والهزل يلذ للمشاهد، لأنه يتعلق على الخصوص بالأمور الجارية التي يتحدث بها الناس".


النظام.. لبّ المسألة

لكن أهم ما أذهله هو حس النظام وتجليه في الواقع اليومي للفرنسيين، وهو نظام يحكمه القانون والأخلاق، ويجعل من الحياة المدنية تخضع له، ولشروطه وأعرافه، ومكتوبه أيضا، يقول "وقد استلفت نظرنا على الخصوص أن باريس مع تزاحم الأقدام فيها لا يتنازع الركاب في المسابقة إلى الترمواي أو الأومنوبيس، ولا يسمح لأحد بالوقوف بين الركاب إذا لم يكن له مجلس فارغ. ولا يجسر أحد على الركوب في غير دوره".

وفي لندن، سيسجل الالتزام نفسه بالنظام، حيث وضعوا للناس موقفا مستطيلا، يدخله الركاب أزواجا، أوله عند محطة القطار وآخره في الشارع، وبالتالي لا مجال للفوضى أو هتك الصفوف المتراصة المنتظرة، كما يحدث في البلاد العربية.

وهذا ينطبق على محطات الترمواي كما على المرافق الأخرى التي يؤمها كثرة من الناس مثل المسارح، وليس هناك مجال "لبلاش تذكرة"، كما هو في مصر في تلك الفترة، حيث يجري التحريض على سرقة مقنعة للشركات يساهم في ذلك المواطنون عن جهل.


الإعلان.. رأس مال التجارة

الثقافة الاستهلاكية في الغرب في مجملها قائمة على الإعلان، فلا بيع ولا شراء ولا تجمع بدون الإعلان عنه والإشهار له في الصحف أو في المحلات والمواضع الخاصة بذلك. والإعلان قد يصبح أهم من التجارة نفسها. هذا ما رصده زيدان من جولته الأوروبية، يكتب: "وإنما يطلب من صاحب السلع أن يستلفت الأذهان إلى بضاعته وهذا هو السبب في اهتمام الإفرنج بالإعلان، حتى أن أحدهم إذا همّ بإنشاء تجارة أو صناعة أعد رأس مال بالإعلان قبل رأس مال البضاعة".

لا نعدم في رحلة زيدان إلى أوروبا، الحس الساخر للكاتب، وهو يلجأ إليه عندما يعقد المقارنات في ما يخص العادات الاجتماعية التي تؤثر على مشاريع إحداث نهضة في البلاد العربية، وعلى رأسها مصر، ومن بين تلك المقارنات، حين يتوقف عند انضباط الفرد الأوروبي وعنايته الفائقة بقيمة الوقت. فلا يوجد زمن مهدور، كما هو الحال في بلاد العرب، وهذا الزمن المهدور هو الذي يؤدي إلى تأخرنا وتقدم الغرب، في مختلف المجالات، سواء ما يتعلق بالحياة اليومية، أو بمسار الإدارات وفضاءات العمل، وفي كل ما يتصل بأمور تسيير شؤون الدولة ومؤسساتها العلمية والأمنية والثقافية.

ذهب زيدان إلى أوروبا، لا ليستمتع بجمال طبيعتها، ولا ليحكي عن غرائب رحلته، ولكن القصد من هذه "السفرة" فهم المجتمع الغربي والوقوف على أسباب نهضته، ومحاولة إيجاد الحلول لأسباب فشل العرب في الدخول إلى "زمن النهضة".

لكن رغم الطابع "الرسمي" للرحلة، فإن زيدان لم يمنع نفسه من أن تتسرب إلى رحلته الكثير من الانطباعات والملاحظات، التي هي وليدة انبهار الوافد الجديد بالبيئة غير المعتادة في فرنسا وإنكلترا وسويسرا.

ولعل السؤال الذي يبرز جليا: هل استطاع زيدان من خلال رحلته هذه، المحدودة في الزمان والمكان، أن يكشف سر عطب العرب ومفتاح تفوق الغرب؟ وهل عاد إلى مصر التي انطلق منها، بمشروع نهضوي متكامل قدمه إلى السلطات الحاكمة في تلك الفترة؟ أم أن ما سجله مجرد قشور لا ترقى إلى فهم الميكانيزمات التي يشتغل بها العقل الأوروبي، والتي بوّأته بعد مسار طويل من الصراع والتجريب والمحاولة، إنجاز قفزته التاريخية ومشروعه الحضاري.

ولذلك نجده يستخلص بعض النصائح، أو ربما هي خارطة طريق، قد تبدو مبادئ عامة، أو ساذجة، لا تذهب إلى جوهر سؤال النهضة الأوروبية.


خارطة طريق

صدر كتاب يضم الرحلات الثلاث التي قام بها زيدان إلى كل من الآستانة، وأوروبا وفلسطين، في مجلد واحد، تحت عنوان "الرحلات الثلاث: الآستانة – أوروبا – فلسطين" وهو من تقديم محمد علي فرحات، ضمن سلسلة "طي الذاكرة"، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. نقصر الحديث هنا عن كتابه "رحلة إلى أوروبا"، لما له من أهمية في فهم علاقة العربي بالآخر، الأروربي على وجه التدقيق. فرغم الطابع "الرسمي" للرحلة، فإن زيدان لم يمنع نفسه من أن يتسرب إلى رحلته الكثير من الانطباعات والملاحظات، التي هي وليدة انبهار الوافد الجديد بالبيئة غير المعتادة في فرنسا وإنكلترا وسويسرا.

ولعل السؤال الذي يبرز جلياً: هل استطاع زيدان من خلال رحلته هته، المحدودة في الزمان والمكان، أن يكشف سر عطب العرب ومفتاح تفوق الغرب؟ وهل عاد إلى مصر التي انطلق منها، بمشروع نهضوي متكامل قدمه إلى السلطات الحاكمة في تلك الفترة؟ أم أن ما سجله مجرد قشور لا ترقى إلى فهم الميكانيزمات التي يشتغل بها العقل الأوروبي، والتي بوأته بعد مسار طويل من الصراع والتجريب والمحاولة، إنجاز قفزته التاريخية ومشروعه الحضاري. ولذلك نجده يستخلص بعض النصائح، أو ربما هي خارطة طريق، قد تبدو مبادئ عامة، أو ساذجة، لا تذهب إلى جوهر سؤال النهضة الأوروبية. ومنها يحاول أن يجترح مفاتيح تُمكّن العرب من تحقيق نهضتهم، واللحاق بالركب الحضاري، الذي يبتعد كلما تعطلت أدوات النهوض مسافات ضوئية كبيرة.


"حسنات" الغرب

يوصي زيدان باتباع عدد من "الحسنات" الموجودة في مدنيات أوروبا، في فرنسا أو غيرها، واقتباسها والاستفادة منها، ويقر أيضا بأن هذه "الحسنات" لا تخفي وجود "سيئات"، وجب تجنبها والابتعاد منها، وهي في مجملها دينية وثقافية وتقاليد وسلوكات اجتماعية تتنافى مع "المعتقد الديني" لغالبية العالم العربي المسلم. والحسنات التي يدعو زيدان إلى اتباعها، يبسطها، بالترتيب، ولا شك أن للترتيب هنا، دلالة فارقة، وهي كالتالي: معرفة الواجب، تليها، المحافظة على الوقت وصدق المواعيد، ثم تهذيب أخلاق العامة بالتربية الصحية، يتبعها تعليم المرأة وتثقيفها، وترقية التعليم والتوسع في الآداب، والعمل والجد.

ويحذر من سيئات الغرب، ويحددها في: الإفراط في الحرية واستخدامها في غير موضعها، ما يخالف الحشمة المشرقية، على أن نأخذ من العلم والتربية القدر الملائم لعاداتنا، تجنب الفتور في الدين والمجاهرة بالكفر، لأنهما أساس الخراب. هذه هي خارطة الطريق التي اقترحها زيدان، وهو يقوم برحلته إلى أوروبا سنة 1912، وهو تاريخ حاسم، على المستوى الأوروبي، وفي الجانب العربي، ففي هذا التاريخ، أصبحت الحركة الاستعمارية أكثر شراسة، حيث بدأ الاحتلال الفعلي لعدد من دول الشمال الأفريقي ولبلدان المشرق العربي، كان أبرزها شراسة التغلغل الفرنسي في تونس والمغرب والجزائر، ومحاولات إيجاد موقع قدم في سورية ولبنان، وتحرك الإنكليز صوب الجزيرة العربية، وهيمنة الإيطاليين على ليبيا، بحيث بدا معها العالم العربي، بعد تراجع النفوذ العثماني، وكأنه رقعة شطرنج مضيئة.


السوريون في باريس

في مختتم وصفه لباريس ومعالمها وآثارها وما تحفل به من مؤسسات كبيرة ومهمة، يتوقف بنا زيدان، عند الحضور العربي في هذه المدينة، ويجب هنا أن نستحضر أننا نتحدث عن سنة 1912، تاريخ زمن الرحلة. وأول ما يلفت الانتباه أنه حضور ملموس وفي مناح مختلفة من مفاصل المجتمع والاقتصاد.

يكتب: "ونختم وصف باريس ومتحفها وأحوالها بما شاهدناه فيها من تقدم السوريين في التجارة والأدب والفنون الجميلة. لقينا فيها عشرات من أصحاب المتاجر، وقد جاروا الفرنساويين بالتجارة، ولهم منزلة رفيعة بين علية القوم وأحرزوا ثقة أصحاب المعامل والمصارف. ولأكثرهم معاملات واسعة مع الشرق والغرب، وأكثر اشتغالهم مع سوريا وأميركا الشمالية والجنوبية يبعثون إليها السلع من مصنوعات باريس على اختلاف أصنافها.

فمن البيوت التجارية السورية في باريس محلات رحيم، وبو شديد، وشحادة، وسليمان، ودقرت، وشقير، وبركة، وداود، وجاسر إخوان ودوماني، ومانوك، وقزي، وبيجاني، وشخيري، وزوين، ويانسوني، وحوس "فرع لمحل صيدناوي" وغيرها من البيوت التي تتعاطى أصناف من التجارة. وقد اختص بعضهم بتجارة المجوهرات أشهرهم: كساب، ونصبة، وأبو أحمد.

وبالعطريات محل بشارة ملحمة، وله شهرة واسعة في فرنسا وإنكلترا بما يصنعه من العطريات المعروفة باسمه، وقد نال جوائز السبق في المعارض الصناعية. وعرفنا من الماليين الكونت قريصاني مدير البنك الفرنساوي المصري في باريس وهو من البنوك الكبرى وله فرع في مصر. وقس على ذلك مما يدل على اقتدار شرقي على مجاراة الغربي إذا تساوت الأسباب والوسائل. مما يوجب الفخر أيضا أننا عرفنا في باريس نفسها غير واحد من الأدباء السوريين يجارون أدباء فرنسا في آداب لسانهم يكتبون في أكبر جرائدهم السياسية في أهم المواضيع الحيوية أو يؤلفون الكتب، وينظمون الشعر بالفرنساوية، بما لا يقل عما يفعله أدباء فرنسا أنفسهم. منهم شكري غانم ناظم رواية عنترة، وقد قبل تمثيلها في الأوبرا الفرنساوية. وخير الله خير الله صاحب كتاب "سوريا"، يكتب المقالات السياسية في جردة الطان الشهيرة. والدكتور جورج سمنة له مجلة علمية تصدر بالفرنساوية بباريس اسمها Corresspondences d Orient وميشيل بيطار مترجم رواية العباسة أخت الرشيد.

وهناك طبقة من أصحاب الفنون الجميلة يشتغلون للإفرنج أنفسهم. منهم موريس نجار يؤلف القطع الموسيقية للأجواق الفرنساوية التمثيلية وهو يرتزق هناك بهذه المهنة. ووديع صبرا من أصحاب المواهب الموسيقية وقد عرفه الباريسيون. وفيليب موراني مصور فني يشتغل بالتصوير في باريس. وغير هؤلاء من الأدباء وأصحاب الفنون الجميلة. وقد اقتصرنا على الشرقيين المشتغلين بالفرنساوية للفرنساويين في باريس.

ونعرف طائفة من المشتغلين بهذه اللغة وآدابها بمصر والشام سنعود غلى ذكرهم في فرصة أخرى، وقد يكون هناك كثيرون لم نطلع على آثارهم أو لم تبلغنا أخبارهم. وإنما أردنا تقرير حقيقة يسر تقريرها كل مشرقي، نعني "أن الشرقيين إذا توفرت لهم الأسباب جاروا أرقى الأمم المدنية".

المساهمون