رئاسة لبنان بين زعماء الحرب ومخلفات الوصاية السورية

رئاسة لبنان بين زعماء الحرب ومخلفات الوصاية السورية

13 مايو 2014
الصورة

أمين الجميل في مجلس النواب عند انتخابه رئيسا 1982

+ الخط -

 شكلت رئاسة الجمهورية اللبنانية، في ما مضى، عنواناً للاستقلال والسيادة، وتجسيداً لنظام ديموقراطي برلماني، قائم على الاقتراع الحر، ورمزاً للتعددية الطوائفية والتنوع، وصيغة العيش المشترك. وامتاز هكذا لبنان برئيسه المسيحي الوحيد المنتخب في هذا الشرق العربي، وبدوره الانفتاحي الجامع، كصلة وصل بين البلدان العربية.
كان الرئيس ينتخب، ويمارس صلاحياته ست سنوات، وعندما ينتهي عهده، يذهب إلى بيته ويصبح رئيساً سابقاً، وإذا حاول التجديد، أو التمديد، "تقوم القيامة ولا تقعد"، كما حصل مع أول رئيس للاستقلال، بشارة الخوري، والذي اضطر إلى الاستقالة عام 1952، وكذلك مع كميل شمعون عام 1958، فيما رفض فؤاد شهاب في 1964 التجديد الذي قدمه له على طبق من فضة 77 نائباً (أكثر من ثلثي المجلس النيابي). وكانت تخاض انتخابات فعلية، وتدور معارك طاحنة أحياناً، وغير مسبوقة، مثلما حصل عام 1970، عندما فاز سليمان فرنجية على منافسه إلياس سركيس بفارق صوت. وحتى عندما لم يكن هناك أكثر من مرشح، لم تتم مبايعة الرئيس، او انتخابه، بالإجماع أو بأكثرية ساحقة، وإنما كان المعارضون يتجاوزون أحيانا ثلث الأصوات، كما حصل عند انتخاب شارل حلو عام 1964 وانتخاب إلياس سركيس عام 1976.
منذ الاستقلال وحتى بداية السبعينيات، لم يعرف لبنان بدعة الرئيس "التوافقي"، وإنما كانت الأكثرية تفرض مرشحها، والأمثلة كثيرة، من انتخاب شمعون بعد انسحاب حميد فرنجية (1952)، إلى حلو بعد انسحاب عبد العزيز شهاب (1964)، مروراً بفرنجية في مواجهة سركيس (1970)، وانتهاء بسركيس في وجه ريمون إده (1976).
فماذا بقي من ذلك الـ"لبنان"، ومن تلك التجربة؟
مع اندلاع الحرب عام 1975، ودخول لبنان عصر الوصاية، ثم الاحتلال السوري، راحت ثقافة "التوافق" و"الإجماع" و"الوحدة الوطنية" تسود، وترجمتها التعيين في الرئاسة وفي النيابة، باستثناء رئاسة بشير الجميل التي فرضها الإسرائيليون، عندما اجتاح إرييل شارون لبنان عام 1982، ووصل بجيشه إلى بيروت. وهذا ما حصل عام 1989 مع انتخاب إلياس الهراوي، ثم إعلان حافظ الأسد عام 1995 قرار التمديد له ثلاث سنوات في حديث لجريدة "الأهرام" المصرية، وكذلك عام 1998، مع انتخاب إميل لحود، وبعدها فرض بشار الأسد عام 2004 التمديد له ثلاث سنوات إضافية، وأخيرا عام 2008 انتخاب ميشال سليمان كثمرة لـ"اتفاق الدوحة". الاستثناء الوحيد انتخاب رينيه معوض، الذي وافق النظام السوري عام 1989 على انتخابه على مضض، وبعد 17 يوماً تم اغتياله بسيارة مفخخة. وهذا ما كان يحصل، أيضاً، في الانتخابات النيابية خلال أعوام 1992 و1996 و2000 عبر تركيب "اللوائح البوسطات" التي كان يشرف عليها الحاكم السوري من عنجر، ويدخلها المَرضيُّ عنهم، خصوصاً المسيحيين منهم.

واليوم، لا تزال عقلية "العصر السوري" ونهجه سائدين، على الرغم من انسحاب جيش بشار الأسد عام 2005. لا تزال "ثقافة التوافق" السائدة، والمرشحون غير "التوافقيين" غير مرغوب فيهم، وتشاء "المصادفات" أن يكون هؤلاء زعماء الحرب اللبنانية، معظم زعماء الموارنة، فلم يُنتج الموارنة بعد الحرب زعماء جدداً. ويحضرنا هنا كلام قاله أحد السفراء البابويين في بيروت، في جلسة خاصة معه قبل سنوات: "مشكلة المسيحيين في لبنان أنهم بعد نحو ثلاثين سنة من الحروب والانقسامات، وجدوا مجدداً أمامهم زعماء الحرب أنفسهم". 

ويحاول بعض هؤلاء المخضرمين من المرشحين إعادة الكرة، مثل أمين الجميل، الذي انتخب، مباشرة، بعد اغتيال أخيه بشير رئيساً عام 1982، وعون الذي استولى على القصر الرئاسي سنتين (1988 -1990)، بدل أن يعمل رئيس حكومة استثنائية انتقالية، لتأمين انتخاب رئيس بعد الجميل. ثم يأتي سمير جعجع، الذي أعلن ترشحه، واعتبر أنه المؤهل للمنصب عن قوى 14 آذار، وهناك بطرس حرب، الوجه المستقل، وليس زعيم حرب، لكنه أيضا "غير توافقي"!
الغريب أن خيار "الرئيس التوافقي" لا يسري، مثلاً، على رئاسة مجلس النواب، التي يتربع على عرشها منذ 22 عاماً نبيه بري، أحد زعماء ميليشيات الحرب الأكثر تفلتاً، وهو، بطبيعة الحال، ليس "توافقيا"، وإنما من نتاج حقبة الوصاية السورية. فهل إن حسين الحسيني لم يكن توافقياً، أم لأنه رفض أن يتحول زعيم حرب ويتكيف مع لعبة الوصاية؟
أما المرشحون "التوافقيون"، فهم الذين لا ينتسبون إلى أي من فريقي 14 و 8 آذار، وثانياً، هم الذين لا مواقف واضحة معلنة لهم، ولا يتمتعون بشخصية قوية، ولا باستقلالية القرار، ولا قاعدة شعبية لهم، وثالثاً، هم الذين لا يجرؤون على إعلان ترشحهم، أو الافصاح عن نواياهم ويفضلون البقاء خلف الكواليس، أو من هم من مخلفات نظام الوصاية السورية. ويعتقد هؤلاء أنه كلما زاد صمتهم أصبحت أوراقهم رائجة، من سليمان فرنجية إلى جان عبيد، ومن رياض سلامة إلى روبير غانم، يضاف إليهم من تشملهم بركة البطريرك الماروني، بشارة الراعي، مثل روجيه ديب وزياد بارود. ناهيك عن آخر بدعة، وهي اللجوء إلى تطويع الدستور كل مرة "استثنائياً ولمرة واحدة"، بهدف الإتيان بعسكري، فجيء بإميل لحود، ثم بعده ميشال سليمان. وهل هذه المرة، أيضاً، يدخل عسكري إلى قصر بعبدا؟
لن يكون هناك مرشحون رسميون معنيون، يتقدمون من اللبنانيين بمشاريعهم وبرامجهم. لم يحصل هذا الأمر من قبل، ولا الدستور نفسه يلحظ هذه المسألة. وفي مهلة الشهرين، على رئيس مجلس النواب، بحسب الدستور، أن يدعو إلى جلسة لانتخاب رئيس جديد، وإذا لم يدع المجلس، يجتمع حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق أجل انتهاء ولاية الرئيس (المادة 73). وينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين في الدورة الأولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي (المادة 49). وفي نهاية عهد لحود الممدد إلى غاية 2007، لم يتمكن النواب من "التوافق" على "رئيس توافقي"، ودخلت الرئاسة في فراغٍ، دام ستة أشهر.
فهل من كلمة سر اليوم، أم سيشهد لبنان هذه المرة، أيضاً، الخطر نفسه، بسبب حسابات السياسيين وعجزهم وتبعيتهم؟