ذكرى ثورة أكتوبر اليمنية: ذهب المستعمر وبقيت مشكلاته

ذكرى ثورة أكتوبر اليمنية: ذهب المستعمر وبقيت مشكلاته

15 أكتوبر 2014
الصورة
لم يكن الثوار يعترفون بالحدود (فرانس برس)
+ الخط -
انطلقت ثورة 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1963 ضد المستعمر البريطاني الذي استمر 128 عاماً في جنوبي اليمن، من جبال ردفان في محافظة لحج، التي تحدّ مدينة عدن شمالاً. حاولت القوات البريطانية إخماد الثورة بحملة عسكرية استمرت ستة أشهر أطلقت عليها اسم "الأرض المحروقة"، وبعد خمس سنوات، في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، احتفل اليمنيون بخروج آخر جندي بريطاني.

واصل الثوار الكفاح المسلح عبر العمليات الفدائية والهجمات المسلّحة ضد مواقع القوات البريطانية بين عامي 1963 و1967، ودارت العديد من المعارك المباشرة، كما استخدم الانكليز الطيران الحربي لقصف القرى، التي كان الثوار ينشطون فيها. ويؤكد بريطانيون أن الانسحاب كان تحت وطأة المقاومة المسلحة، في ظلّ كون عدن استثناءً في السياسة البريطانية، التي أقرّت في العام 1968، والقاضية بانسحاب لندن من مستعمراتها السابقة في العالم.

لم يكن الثوار اليمنيون في الشمال أو الجنوب يعترفون بالحدود التي رُسمت بين المملكة المتوكلية اليمنية، التي أطاح بها ثوار سبتمبر/ أيلول 1962 في صنعاء، والمستعمر في عدن، وقد كان الثوار من المحافظات الجنوبية والشمالية جنباً إلى جنب في معارك تثبيت النظام الجمهوري في الشمال والثورة ضد المستعمر في الجنوب، في إطار عام يُعرف بـ"الحركة الوطنية اليمنية". وكان للثورة في صنعاء دور مباشر في تفجر ثورة أكتوبر، إذ تحولت المحافظات الشمالية إلى مركز إسناد ودعم للعمليات المسلحة في الجنوب، وكانت مدعومة بشكل مباشر من مصر بقيادة جمال عبد الناصر.

كان للثورتين أثر بارز في توحيد اليمن في مايو/ أيار 1990، كما ينظر اليمنيون إلى ثورتي سبتمبر وأكتوبر، على أنهما ثورة واحدة.

ويقول أحد قادة ثورة 14 أكتوبر، ويدعى علي عنتر، في أحد خطاباته المسجلة: "ناضلنا في حرض (أقصى الشمال) وفي صرواح (وسط) وفي المحابشة (بحجة)، وفي كل جبل من جبال اليمن ضد الملكيين في الشطر الشمالي. وناضل اليمنيون من الشطر الشمالي داخل شوارع كريتر والشيخ عثمان (بعدن) والضالع، وكل جبل من جبال الشطر الجنوبي. على أن هذه الثورة كانت البداية الحقيقية لوحدتنا الحقيقية".

انطلق "الكفاح المسلح" ضد الاستعمار في جنوب اليمن، تحت قيادة "الجبهة القومية" التي تشكلت من "حركة القوميين العرب" وشخصيات مستقلة، وكانت مدعومة بشكل مباشر من الشمال ومصر عبد الناصر، إلى جانب تيار معتدل يتبنّى العمل السلمي من أجل الاستقلال، وتمثّل بحزب "الشعب الاشتراكي" و"المؤتمر العمالي" وتنظيمات صغيرة أخرى وشخصيات مختلفة، أسست مطلع العام 1965 ما عُرف بـ"منظمة التحرير" وتبنت "الكفاح المسلح".

ونجحت جهود محلية ومصرية، في أوائل العام 1966، بتوحيد "الجبهة القومية" و"منظمة التحرير" في جبهة موحدة أُطلق عليها "جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل". لكن جناحاً داخل "الجبهة القومية" تحفّظ على هذا الدمج ونجح بالانسلاخ عن "جبهة التحرير" في أواخر العام نفسه.

يعتبر مؤرخون أن أحداث العام 1966، المتمثلة في انسلاخ الجبهة القومية عن "التحرير"، كانت أساساً لتصفيات وحروب أهلية جرت في الجنوب بعد الاستقلال، إذ قامت بريطانيا بالتفاوض مع "الجبهة القومية" على الاستقلال، متجاهلة "جبهة التحرير" التي تعرّض بعض قادتها للتصفية، ونزح آخرون إلى الشمال عقب إعلان الاستقلال في 30 من نوفمبر1967، ومنهم رئيس الوزراء في حكومة الوفاق (2011 ـ 2014) محمد سالم باسندوة.

اعتمدت بريطانيا سياستها الاستعمارية المعروفة "فرّق تَسُدْ"، لحكم أجزاء جنوب اليمن المحتل، والتي كانت موزعة على نحو 23 سلطنة ومشيخة حاولت في آخر عهدها توحيدها في اتحاد فيدرالي هشّ، تحت مسمّى "الجنوب العربي". وقد حاول المستعمر من خلال تأسيس هذا الكيان أن يتفاوض معه كـ"دولة" على الاستقلال، لكن الجامعة العربية كانت قد اعتبرت "جبهة التحرير" ممثلاً وحيداً لجنوب اليمن المحتل، وسقط "اتحاد الجنوبي العربي" مع رحيل آخر جندي للمستعمر.

وبسبب كثرة أعداد "السلطنات" ووجود موظفين جنوبيين لدى سلطات المستعمر، فقد كان هناك ما يمكن وصفه بـ"اليتامى"، الذين خسروا بالثورة ورحيل الاستعمار، ما أثّر في طبيعة نظام الحكم الذي قام في جنوب اليمن بعد الاستقلال، بالاعتماد على "القمع" سواء في محاربة المعارضين أو في توحيد إمارات الجنوب.

واللافت أنه بعد 51 عاماً من قيام "الثورة"، تحوّلت بعض الدعوات التي كانت تعتبر "استعمارية" إلى دعوات "ثورية"، ولكنها هذه المرة ضد "الوحدة مع الشمال"، من خلال إحياء مصطلح "الجنوب العربي"، انكاراً للهوية اليمنية لمحافظات الجنوب، ومن خلال ظهور بعض الآراء التي تعتبر أن العام 1967، تاريخ الاستقلال، كان بداية الأزمة في الجنوب.

وفي هذا السياق، يقول نائب الرئيس اليمني السابق، علي سالم البيض، في رسالة وجّهها إلى مجلس الأمن قبل أيام، إن "الجنوبين لم يتم استفتاؤهم حول الوحدة أثناء إعلانها في العام 1990، كما لم يستفتوا بعد رحيل الاستعمار البريطاني في العام 1967، حول هويتهم". ويوضح "الأراضي التي احتلتها بريطانيا كانت تسمى الجنوب العربي، وعندما أعلنت السلطة التي حكمت الجنوب بعد الاستقلال اسم جمهورية اليمن الجنوبية، لم تستفتِ المواطنين في ذلك".

وتتّهم أطرافٌ يمنية عدة بريطانيا، بأن لها يداً في ما يجري حالياً من دعوات للانفصال في الجنوب، وبأنها لا تزال تحلم بـ"العودة إلى عدن" عبر الرموز والفصائل الحراكية التي تتهم لندن بتحريكها، ومن ذلك بعض الشخصيات في نظام الرئيس عبد ربه منصور هادي.

ومن المقرر أن تقيم فصائل الحراك الجنوبي، اليوم الثلاثاء، فعالية كبرى في عدن إحياءً لذكرى ثورة أكتوبر. وكان محمد علي أحمد، القيادي الحراكي المحسوب على الرئيس هادي، قد أعلن في وقت سابق أنه قد يجري الإعلان، خلال فعالية 14 أكتوبر، عن "مجلس الإنقاذ الجنوبي" في طريق المطالبة بالانفصال عن صنعاء.

ويُعتبر مفجّر الثورة، راجح لبوزة، من أبرز رموز ثورة 14 أكتوبر، وقد قُتل في اليوم ذاته. كما يُعتبر رئيس "الجبهة القومية"، قحطان الشعبي، من أبرز رموز ثورة أكتوبر، وأول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبي بعد الاستقلال، وقد كان مستشاراً لرئيس "الجمهورية العربية اليمنية" في صنعاء، عبد الله السلال، قبل استقلال الجنوب. كما كان لعلي عنتر، مفجّر الثورة المسلحة في الضالع، دور كبير في الثورة، من دون إغفال أدوار سيف الضالعي، وعبد الله المجعلي، وعبد الفتاح اسماعيل. وبرز من "جبهة التحرير"، عبد القوي مكاوي، ومحمد سالم باسندوة، وعبد الله الأصنج.

المساهمون