ذروة ترهيب فصيلي البادية السورية: الأردن أو الهلاك

08 سبتمبر 2017
الصورة
وافق الأميركيون على دخول عائلات المقاتلين للأردن (Getty)
تواصل الولايات المتحدة والأردن ضغوطهما على فصيلين تابعين للجيش السوري الحر من أجل تسليم مناطق سيطرتهما على الحدود الأردنية - السورية لقوات النظام ومليشيات موالية له، ما يؤكد تغيراً واضحاً في طريقة تعاطيهما مع ملف الجنوب السوري، فيما تؤكد المعارضة السورية أنها تقاوم هذه الضغوط، معتبرة تسليم المنطقة للنظام "كارثة".
وأكدت مصادر في المعارضة السورية أن الأردن جدد طلبه من فصيلي "جيش أسود الشرقية"، وقوات "الشهيد أحمد العبدو"، التابعين للمعارضة السورية المسلحة، بضرورة الانسحاب من البادية السورية وتسليم النظام السوري المنطقة التي يسيطران عليها. وذكرت مصادر إعلامية تابعة للمعارضة أن واشنطن وعمّان لوّحتا بورقة وقف الدعم العسكري والإغاثي للفصيلين في حال رفضهما الانسحاب من البادية السورية لصالح قوات النظام والمليشيات الأجنبية التي تقاتل معه.

وأكد نائب قائد "جيش أسود الشرقية" أبو برزان السلطاني، لـ"العربي الجديد"، أن الضغط "مستمر" على الفصيلين من أجل الانسحاب من البادية السورية والدخول إلى الأردن، مشيراً إلى أن اجتماعات تُعقد في عمّان منذ يوم الأربعاء، وتضم قادة الفصيلين المعارضين. وقال السلطاني إن الضغوط الأميركية "متلاحقة علينا من أجل الدخول إلى الأردن"، مشيراً إلى أن فحوى الرسالة الأميركية الأخيرة "إما تدخلون إلى الأردن أو تهلكون"، لافتاً إلى أن الأردن هو "الرئة التي نتنفس منها".

وكشف السلطاني أن الطرف الأميركي كان يرفض دخول عائلات المقاتلين إلى مخيم الأزرق في الأردن، ودخول الجرحى، ويصر فقط على دخول المقاتلين إلى معسكرات تدريب، "لكنه أبدى موافقة على ذلك أخيراً"، مشيراً إلى أن الطرف الأردني "أبدى تعاطفاً معنا حيال موضوع العائلات". ولفت إلى أن المناطق المطلوب تسليمها للنظام "لها أهمية استراتيجية"، مضيفاً: "هي بوابة الغوطة الشرقية لدمشق، والقلمون، ودير الزور، فضلاً عن كونها مطلة على عدد من مطارات النظام"، مشيراً إلى أن تسليمها للنظام "يُعدّ كارثة".

وذكرت مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد"، أن رجل الاستخبارات البارز في النظام السوري الذي يترأس مكتب الأمن الوطني، علي مملوك، زار الأردن أخيراً من أجل إطلاق سراح الطيار علي الحلو التابع للنظام والذي وقع أسيراً بيد فصيل "أسود الشرقية" بعد إسقاط طائرته، مشيرة إلى أن صفقة إطلاق سراح الطيار تضمّنت بقاء هذا الفصيل وفصيل "قوات أحمد العبدو" في البادية السورية بالقرب من الحدود الأردنية، معتبرة أن الضغط المستمر على الفصيلين يُعدّ خرقاً لاتفاق الصفقة.


وكشفت المصادر أن غرفة عمليات "الموك" في الأردن، والتي تترأسها الولايات المتحدة، قدّمت منذ أيام دعماً عسكرياً للفصيلين، وهو عبارة عن أسلحة متوسطة تتضمن صواريخ "غراد" و"تاو"، مشيرة إلى أن الدعم يأتي في سياق برنامج "الموك" ولا علاقة له بالضغط الأميركي. وأوضحت أن الفصيلين يتمركزان في منطقتي "أم رمم" و"الحدلات"، غير بعيد عن الحدود السورية - الأردنية، حيث تم نقل عشرات آلاف النازحين من مخيم الحدلات إلى مخيم الركبان الواقع ضمن منطقة الحماية الأميركية التي لا تجرؤ قوات النظام على الاقتراب منها. وأشارت المصادر إلى أن الأردن لا يزال يضغط على الجيش السوري الحر من أجل الانسحاب من البادية والدخول إلى أراضيه من أجل الخضوع لدورات تدريبية، استعداداً لخوض معركة ضد تنظيم "داعش"، من المرجح أن تكون في ريف درعا، جنوب سورية، حيث ينتشر "جيش خالد" المبايع للتنظيم.

ومن الواضح أن عمّان بدأت تتعاطى بشكل مختلف مع الملف السوري، إذ تسارعت في الآونة الأخيرة وتيرة التعاون مع النظام من أجل تأمين حدود جغرافية تربط البلدين يزيد طولها عن 375 كيلومتراً، تدفع عمّان باتجاه تسليمها لقوات النظام وفتح معبر نصيب المغلق منذ سنوات، وهو ما كبّد الأردن خسائر اقتصادية جمة. ويعيش على أراضي الأردن ما يزيد عن مليون و300 ألف نازح سوري، نصفهم يحملون صفة لاجئ، ويضم الأردن واحداً من أكبر مخيمات اللاجئين السوريين وهو مخيم الزعتري. وترفض المعارضة السورية المسلحة إعادة فتح معبر نصيب "إلا بيد الإدارة الثورية الكاملة للمعبر وتحت راية الثورة"، وفق مصادر في المعارضة، وهو ما يرفضه النظام، الذي يصر على إشرافه على المعبر مدفوعاً برضا أردني واضح على ذلك.

وسيطرت قوات النظام ومليشيات موالية له على مساحات هائلة في البادية السورية التي تُشكّل نحو نصف مساحة سورية، وهي تسعى للسيطرة على كامل ريف السويداء الشرقي المتاخم للحدود الأردنية. وتُشكّل البادية السورية أهمية كبرى لدى الروس والإيرانيين، إذ أقام الروس قاعدة في مدينة تدمر في قلب البادية الغنية بالنفط والفوسفات، كما أن هناك مشروعاً إيرانياً لربط طهران بالبحر الأبيض المتوسط بطريق بري يمر عبر البادية السورية مروراً بالأنبار العراقية، وبذلك يتحقق "الهلال الشيعي" الذي حذر منه العاهل الأردني عبدالله الثاني منذ سنوات.

وتبدو المعارضة السورية المسلحة عند الحدود الأردنية السورية في موقف لا يسمح لها بالمناورة في ظل هذا الانزياح الأردني باتجاه النظام السوري، إذ تستطيع عمّان حرمان المعارضة من خطوط إمداد تسمح لها بالمقاومة والبقاء. وكان الأردن أحد الأطراف الفاعلة في اتفاق خفض التوتر في جنوب سورية والذي دخل حيز التنفيذ في أوائل يوليو/ تموز الماضي. وتسعى عمّان إلى أن يكون جنوب سورية منطقة نفوذ لها تعزز موقفها الإقليمي في الحل السياسي المنتظر للمسألة السورية، وهي تريد "تبريد" حدودها الشمالية، في خطوة تسبق معركة متوقعة للقضاء على "جيش خالد" المبايع لتنظيم "داعش" والذي يشكّل قلقاً للأردنيين.