دومينيك مول: "الحياة مثيرة عندما يكون فيها خللٌ ما"

12 فبراير 2020
الصورة
دومينيك مول: سلطة الخيال (سامي عبدالله/ العربي الجديد)
+ الخط -

في جديده، "وحدها الوحوش" ـ المعروض في الدورة الـ76 (28 أغسطس/ آب ـ 7 سبتمبر/ أيلول 2019) لـ"مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي" ـ يقترح المخرج الفرنسي دومينيك مول عملاً تشويقياً، يستند إلى تقنية سرد أثبتت فعاليتها سابقاً: واقعة واحدة تُروى من وجهات نظر مختلفة. نقطة انطلاق الفيلم، المقتبس من رواية بالعنوان نفسه (2017) للفرنسي كولان نيل، اختفاء سيدة في ظروف غامضة غداة عاصفة ثلجية. 5 أشخاص بين أوروبا وأفريقيا مرتبطون بهذه الواقعة.

نصّ مول، الذي كتبه مع السيناريست المخلص له جيل مارشان، ينتقل من شخصية إلى أخرى بين أوروبا وأفريقيا. المخرج الذي أدهشنا بتحفته "هاري، صديق يريد لكم الخير" (2000)، يأتي مرة جديدة بعملٍ يحبس الأنفاس حتى الختام.

في هذه المناسبة، أجرت "العربي الجديد" معه هذا الحوار:

بدايةً، اسمح لي بتسجيل إعجابي الشديد بأفلامك. "هاري، صديق يريد لكم الخير" عام 2000، صدمة كبيرة لجيلنا. لكنك صوّرتَ القليل منذ ذلك الوقت. نتاجك كلّه 6 أفلام فقط.
نعم، 6 أفلام روائية طويلة. انشغلتُ كثيراً في الأعوام الأخيرة بالمسلسلات التلفزيونية. العام الماضي، أخرجت مسلسلاً بحلقات قليلة لمحطة "آرتي" الفرنسية الألمانية عن أزمة اللاجئين. صوّرناه بين اليونان وألمانيا وفرنسا. كانت تجربة ممتازة.

أنتَ من الاستثناءات في المشهد السينمائي الفرنسي المعاصر. لستَ من أنصار الواقعية الاجتماعية. أسمّي ما تقدّمه بالسينما الخالصة، بكلّ ما فيها من جمالية منقّحة، مع تأثيرات هيتشكوكية بالغة.
صحيح، مع أنّي لستُ الوحيد الذي ينتهج هذا الأسلوب في فرنسا. أحاول أنْ أرجّح بين شيئين: تسجيل الفيلم الذي أخرجه في إطار سينما الـ"جانر" من جهة، وتقديم شيء طموح على مستوى المضمون من جهة ثانية. لا أعرف ما إذا كنتُ أنجح دائماً في الهدف الذي أضعه أمامي. لكن لهيتشكوك حضوراً كبيراً في وجداني كسينمائي.

هل من أفلام مدّتك بالرغبة في صناعة السينما؟
بالتأكيد. أفلام هيتشكوك منها. سيّد التشويق هو المخرج الذي كان له التأثير الأكبر فيّ. طبعاً، هذا لا يعني أنّي أقلّده، بل أستلهم منه طريقة معيّنة في استخدام السينما لسرد حكايات من خلال الصورة أولاً. عند هيتشكوك، نشعر أنّ هناك متعة في صناعة السينما وإدارة الممثّلين، وإنْ كان يُقال دائماً إنّه لم يكن يحبّ الممثّلين، ويعتبرهم مواشي، لكنّي لا أصدّق هذه النظرية. أقلّه عندما نرى كيف يمثّل هؤلاء في أفلامه، وكيف يُصوّرهم، تسقط هذه النظرية فوراً. لعلّه أزعجهم أحياناً.

هذا كلّه ترك فيَّ أثراً عميقاً، من دون أنْ أسعى إلى أن أكون "هيتشكوك الجديد". أما في السينما الفرنسية، فتأثرتُ بالذين كانوا حالات خاصة، كجان بيار ملفيل وهنري جورج كلوزو. "الموجة الجديدة" لم تكن يوماً مدرسة بالنسبة إليّ، حتّى وإنْ أحببتُ أعمالاً عديدة منتمية إليها.

"وحدها الوحوش" اقتبسته من رواية لكولان نيل. هل خطرت في بالك أفلمته منذ مرحلة القراءة؟
صديقةٌ لي أرسلتها إليّ كي أطالعها، لعلّني أرى فيها احتمال فيلم. فعلاً، عندما قرأتها، اكتشفتُ أنّها مادة دسمة لفيلم. البنية الروائية للكتاب تشبه كثيراً بنية الفيلم: 5 فصول. في كلّ مرة نتعقّب وجهة نظر شخصية معينة. مع الفرق أنْ الشهادات في الرواية ذاتية، وعلينا تحويلها إلى شهادات موضوعية في الفيلم. ما أعجبني في الرواية هو هذا الجانب المنتمي إلى سينما الـ"جانر"، مع غموض الفيلم الـ"نوار". في الوقت نفسه، نكتشف كلّ هذه الشخصيات التي، رغم رعونتها، تبحث عن شيء مثالي. لهذا السبب، أعتبر أنّ الفيلم عن سلطة الخيال.

أيمكن القول إنّ الفيلم هو "راشمون" نسخة دومينيك مول، لناحية تشابك وجهات النظر المتعددة؟
إلى حدّ ما، لأن "راشمون" يروي الحدث نفسه 3 مرات من 3 وجهات نظر مختلفة، من أناس لكلّ فرد منهم تأويل مختلف. هنا، يوجد حدث محوري تدور حوله 4 قصص. لا توجد الذاتية القوية كما الحال في "راشمون".

الفيلم مُضلّل بعض الشيء. هل وضعتَ هذا التضليل هدفاً لك؟
هذا عائدٌ إليك، إنْ شعرتَ بالمتعة أثناء التضليل أو لا (ضحك). هناك تضليل يزجّ بك في حضن الفيلم، وتضليل يُخرجك منه. في أي حال، ما كان يهمّني، وشكّل تحدّياً لي، هو متابعة شخصية، ثم فجأة تطلّ شخصية أخرى. لوهلة، دهمنا شعور لذيذ بفرادة هذه البنية القصصية. تمثّل التحدي الأكبر للاستمرارية، رغم تبدّل وجهات النظر. مع شريكي في كتابة السيناريو، جيل مارشان، كنّا نعي أنْ البنية ربما تكون محيّرة ومضلِّلة، لكنّ هذا ما كان يهمّنا تحديداً.

هل تحتاج دائماً إلى كاتب سيناريو تتعاون معه؟

ألّفتُ سيناريوهات كثيرة لأفلامي مع جيل مارشان، الذي هو مخرج أيضاً. كما أنّي شاركتُ في كتابة نصوص أفلامه. نحن محظوظان بأنّ الأشياء تسير بيننا بتوافق كامل. كلّ منّا يعرف الآخر جيداً. هناك احترام متبادل. لا أحد منا يحاول فرض فكرة على الآخر. النحو الذي نعمل فيه هو الاقتراح. هل العمل مع مارشان حاجة؟ لا أعرف. يمكنني العمل مع شخص آخر أيضاً. لكنّ أحدنا يعرف الآخر منذ أيام الدراسة، أي نحو 30 عاماً. هذا شيء جميل، خلق بيننا عملاً فعّالاً غير مسبوق. القرب بيننا يجعل أنْ لا أحد يحكم على الآخر إذا قال شيئاً لا يعجبه. ربما نختلف في بعض المسائل، لكن لا يوجد صراع بيننا، أو مشكلة مرتبطة بالـ"إيغو".

هل تغيّر الفيلم كثيراً نسبةً إلى الرواية؟
هناك أشياء تغيّرت، لكننا بقينا أوفياء للأصل الأدبي. كولان نيل سعيد جداً بالأفلمة التي قدّمناها. شاهده أخيراً. في الواقع، الرواية ـ كونها بصيغة المتكلّم ـ تتضمن المزيد من المعطيات. اضطررنا إلى حذف الكثير. ما تغيّر هو الفصل الرابع، ذاك الذي يبدأ في أفريقيا مع أرمان. الرواية تطرح هذا الفصل من وجهة نظره فقط، أما نحن فخلطنا وجهة نظره بوجهة نظر ميشال.

لمستُ في الفيلم مواجهة بين قارتين، أفريقيا وأوروبا. هل هذه قراءة صالحة؟
هذا الجزء من الرواية لفت نظري جداً، وأعجبني إلى أقصى حد: أنْ يتواجه عالمان لا يوجد بينهما شيء مشترك، بحسب ما يظهر لوهلة أولى. هناك "كونتراست" شمال/ جنوب واضح في الفيلم، لكن ليس من منطلق القول إنّ أوروبا غنيّة وأفريقيا فقيرة. الفلّاحون الذين يرعون المواشي في البرية الأوروبية ليسوا بدورهم أصحاب ثروات. العيش في الريف الفرنسي ربما يكون قاسياً أيضاً، ليس كما العيش في باريس. أما أفريقيا، فتنعكس في الفيلم بديناميكيتها وضجيجها، خصوصاً في المدن خلال الصيف. أعجبني إظهار هذا الـ"كونتراست" بين الثلوج الأوروبية والحرارة الأفريقية. بالإضافة إلى رغبتي في أنْ أرى كيف أنّ عالمين متباعدين يُمكن أنْ يقترب أحدهما من الآخر عبر الـ"إنترنت"، هذه الشبكة العنكبوتية التي تخلق علاقة، وإنْ تكن غريبة، بين القارات.

كيف اشتغلتَ على الصورة مع مدير التصوير باتريك غيرينغيلّي؟
تساهم الصورة عندي في بناء مناخ الفيلم. مع باتريك، لم نستلهم البتّة جماليات أفلام أخرى. لم نسعَ إلى ذلك من البداية. لا أهوى هذا الأسلوب عادةً. أفضّل الانطلاق من أشياء ملموسة، كديكورات حقيقية أجدها في الواقع. مثلاً، ناقشنا كثيراً طبيعة الإضاءة التي نحتاج إليها لتصوير مشهد مخبأ إحدى الشخصيات، بهدف الحصول على جو مثير. هذا عمل ينتمي إلى الفيلم الـ"نوار"، علماً أنّه ليس من شروط الفيلم الـ"نوار" أنْ تتمّ إضاءته بشكل معين، على غرار أفلام الـ"نوار" في الأربعينيات الماضية، التي لها قواعد وأصول صارمة. "تشايناتاون" مثلاً، الذي يُعتَبر فيلم "نوار"، فيه مَشاهد كثيرة تحدث في وضح النهار، وتحت أشعّة الشمس.

في أفلامك، نراك تشعر بلذّة في التحكّم بالمُشاهد.
هذه هي السينما. من خلال السرد، يحصل تلاعب واضح بالمُشاهد. يبقى أنْ هناك تلاعبات لا تعجبني كثيراً، كإخفاء معلومة ثم كشفها في النهاية لإحداث خلل معين وصدمة. هناك تلاعب في كلّ شيء، لكن، مهمّ أنْ يبقى المُشاهد ناشطاً ومشاركاً. على أي حال، أعتقد أنْ فيلمي يتيح للمُشاهد هذه المشاركة. صحيح أننا نلعب معه، لكن من دون إعطائه الإحساس بأننا نتفوّق عليه. هذا مهم جداً عندي.

نجد دائماً علاقات إشكالية بين الشخصيات في أفلامك، تصل إلى حدّ الصراع. ما تعليقك على هذا؟
دعني أقول إنْ هذا الشيء ليس حكراً على أفلامي (ضحك). الحياة بلا مشاكل عظيمة، لكن رواية أو فيلم بلا أي صراع أو مشكلة أقلّ عظمة (ضحك). الحياة مثيرة عندما يكون فيها خلل ما.