داريا: حصار لا يكسر صمود المعارضة منذ عامين

12 نوفمبر 2014
الصورة
قصف جوي كثيف تشنه مروحيات النظام على المدينة (الأناضول)
+ الخط -

تحاول قوات النظام السوري اقتحام المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة السوريّة في مدينة داريا، أكبر مدن غوطة دمشق الغربيّة، منذ أكثر من سنتين، في وقت تفرض فيه حصاراً خانقاً على السكان المتبقين وقوات المعارضة، وتواصل قصفها أحياء المدينة، منذ ما يزيد عن السنتين بشكل شبه يومي، من دون أن تتمكن من استعادة السيطرة عليها.

وتحظى مدينة داريا بأهمية استراتيجيّة خاصة، إذ تبعد أقلّ من سبعة كيلومترات عن القصر الجمهوري، حيث يقيم الرئيس السوري، بشار الأسد، وتبعد كليومترين فقط عن مبنى رئاسة مجلس الوزراء، الواقع في حي كفرسوسة، جنوب غربي العاصمة دمشق، في حين يقع مطار المزّة العسكري، أحد أهم المطارات العسكريّة في سورية على تخوم المدينة الشماليّة مباشرة.

ويدفع هذا الواقع قوات النظام السوري إلى محاولة استعادة سيطرتها، التي فقدتها على المدينة مع بدء تشكل كتائب الجيش الحر فيها، صيف العام قبل الماضي، لتبدأ قوات النظام في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام قبل الماضي، في فرض حصار خانق على المدينة. وتستفيد قوات النظام من انتشار القطعات العسكريّة التابعة لها في محيط المدينة، ذلك أنّ مقرات الحرس الجمهوري، أكثر التشكيلات العسكريّة ولاءً للنظام السوري، تقع إلى الغرب مباشرة من المدينة.

كما تشرف على المدينة مقرّات الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري، في وقت تشرف فيه المدينة من الجهة الجنوبية على أوتوستراد دمشق ــ درعا الذي تستخدمه قوات النظام السوري كخط إمداد رئيسي لها.

وحاولت قوات النظام السوري في الفترة الأخيرة اقتحام مناطق سيطرة المعارضة، انطلاقاً من الجهة الشمالية بشكل رئيسي. فاستقدمت مجموعات مقاتلة مكوّنة من المليشيات العراقية وقوات "حزب الله" اللبناني، لتزجّ بها على جبهات القتال شمالي المدينة، مستفيدة من وجود مقام رمزي للسيدة سكينة بنت علي بن أبي طالب، تعهّدت السفارة الإيرانية في دمشق ببنائه وسط مدينة داريا، منذ أكثر من عشر سنوات.

وتمكّنت قوات المعارضة، حتى الآن، من التصدّي لكافة محاولات الاقتحام، مستفيدةً من خبرة ميدانية كبيرة في حرب الشوارع، حصلت عليها نتيجة استمرار المواجهات في مدينة داريا منذ ما يناهز السنتين والنصف.

ويدفع عجز قوات النظام السوري عن اقتحام مناطق سيطرة المعارضة، على الرغم من عشرات المحاولات المترافقة بحملات كثيفة من القصف الجويّ بالبراميل المتفجّرة والصواريخ، إلى استخدام استراتيجيّة حفر الأنفاق بهدف التسلّل إلى مناطق المعارضة. إذ سُجلت في الأشهر الأخيرة عمليات تفجير مبانٍ عدة تتحصّن فيها قوات المعارضة على خطوط التماس بين الطرفين، بمتفجرات زرعتها قوات النظام في أنفاق حفرتها تحت هذه المباني.

وتؤكّد مصادر عدّة في المدينة لـ"العربي الجديد"، أنّ قوات المعارضة استطاعت حفر أنفاق دفاعيّة، ما مكّنها من السيطرة على أنفاق عدة حفرتها قوات النظام أسفل خطوط الاشتباك بين الطرفين، لتستخدمها فيما بعد في هجمات مباغتة، وتتمكّن من إيقاع خسائر فادحة في صفوف قوات النظام على جبهات القتال، شمال المدينة.

في موازاة ذلك، تتواصل عمليّات القنص ومحاولات التسلّل اليوميّة بين الطرفين على جبهات القتال غرب وجنوب المدينة، حيث يتمركز القناصون التابعون لقوات النظام وقوات المعارضة على الأبنية المرتفعة المشرفة على خطوط التماس، وتجري بينهم مواجهة من نوع خاصٍ نتج عنها حالة مراوحة نسبيّة على جبهات القتال في الأشهر الأخيرة.

وتحتفظ قوات لواء "شهداء الإسلام"، التابع للجيش الحر، بالسيطرة على حوالي ثلثي مساحة المدينة، وهو لواء مكوّن من مجموعات من شباب المدينة المتطوعين لقتال قوات النظام، فضلاً عن مجموعات من الجنود والضباط المنشقين عن النظام.

كما توجد في المدينة قوات تابعة لاتحاد "أجناد الشام"، وهو إحدى تشكيلات المعارضة الكبيرة التي تنشط في ريف دمشق. ويتبع لواء "سعد بن أبي وقاص" الموجود في المدينة اتحاد "أجناد الشام"، فيما يتبع لواء "المقداد بن عمرو"، المكوّن من مجموعات من الشبان المتطوعين من أبناء حي كفرسوسة الدمشقي، اتحاد "أجناد الشام" أيضاً.

ويدفع صمود قوات المعارضة في داريا، أمام هجمات قوات النظام، الناشطين المحليين فيها، والممثلين للمجلس المحلي المشرف على إدارة الشؤون الخدماتيّة في المدينة، إلى إطلاق حملة تضامن مع المدينة موجّهة إلى أكثر من ربع مليون من سكان المدينة الذين اضطروا بحكم استمرار المواجهات والقصف إلى النزوح نحو بلدات صحنايا وعرطوز وجديدة عرطوز القريبة من داريا، ونحو مدينة دمشق ودول الجوار. وترافق الحملة عمليات تنظيف وتزيين للشوارع في المناطق المأهولة بمن تبقى من سكان المدينة.

كما باشرت لجان المجلس المحلي في المدينة والناشطون المحليون عمليات تزيين مقبرة الشهداء، ودهن وتزيين جدران الشوارع الرئيسية في المدينة، بما يشمل مناطق وسطها، وبدأت التحضير لنشاطات مخصّصة للأطفال الموجودين في المدينة وتكريم ذوي الضحايا من أبنائها.

وتأتي هذه الحملة بعد أشهر من التدهور المستمر في الأوضاع الخدماتيّة والمعيشيّة في المدينة، ذلك أن داريا تعاني نقصاً كبيراً في الإمدادات الغذائيّة. ويعتمد من تبقى من السكان على كميات بسيطة من الأرز والزيتون وغيرها من المواد الأساسية التي اقتربت من النفاد، الأمر الذي اضطر السكان إلى الاعتماد على زراعة القمح وبعض الأعشاب كالسلق والسبانخ ليقتاتوا منها.

وتعاني داريا، بالإضافة إلى ما سبق، من انقطاع خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، منذ مطلع العام الماضي، ما أجبر السكان على استخدام آبار إرتوازية موجودة في المدينة للحصول على المياه بطرق بدائية، الأمر الذي يعرض حياتهم للخطر باستمرار بسبب عدم ضمان صلاحية هذه المياه للاستخدام البشري.

وتُعتبر مدينة داريا من أوائل المدن، التي خرجت فيها التظاهرات المناهضة للنظام السوري مع انطلاق الثورة في سورية منذ أكثر من ثلاث سنوات. وتعرّضت إثر ذلك لعمليات اقتحام متكررة من قوات النظام، قبل تشكيل كتائب المعارضة التي أخذت على عاتقها مهمة منع قوات النظام من الدخول إلى المدينة. ويوثّق المجلس المحلي في مدينة داريا اعتقال قوات النظام حتّى الآن، أكثر من أربعة آلاف من أبناء المدينة، توفي خمسون منهم على الأقل في سجون النظام السوري.

وكانت قوات النظام قد ارتكبت مجزرة كبرى إثر اقتحامها لداريا في شهر أغسطس/آب من العام قبل الماضي، اعتُبرت حينها أكبر المجازر التي ارتُكبت في سورية على الإطلاق، إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان حينها مقتل 524 من أبناء المدينة برصاص قوات النظام، كان بينهم 61 امرأة.

المساهمون