خلافات داخل الحشد الشعبي على بديل المهندس: النجف تتحفظ على "أبو فدك"

13 مارس 2020
الصورة
قتل المهندس برفقة سليماني جراء غارة أميركية(أحمد الرباعي/فرانس برس)
+ الخط -
بعد مرور أكثر من شهرين على اغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، برفقة قائد فيلق القدس السابق بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في غارة أميركية قرب مطار بغداد الدولي في الثالث من يناير/كانون الثاني الماضي، لا تزال الخلافات قائمة بين فصائل "الحشد" حول تعيين خليفة للمهندس. وتحدث مسؤولان عراقيان ونائب بارز في البرلمان في العاصمة بغداد ومدينة النجف جنوبي البلاد، بدت معلوماتهم متطابقة إلى حدّ كبير، لـ"العربي الجديد"، عن خلافات وصفها أحدهم بأنها "غير سهلة"، داخل "هيئة الحشد الشعبي"، المظلة الجامعة لنحو 70 فصيلاً عراقياً مسلحاً، على خلفية تفرّد قيادات عدة وزعماء فصائل مرتبطة بإيران بموضوع تسمية مرشح جديد بدلاً من قائدها الميداني السابق، أبو مهدي المهندس. وأكّدت المصادر الثلاثة أنّ قرار تسمية عبد العزيز المحمداوي المعروف باسم "أبو فدك" أو "الخال"، تمّ تجميده حالياً بسبب تحفّظ فصائل مرتبطة بالنجف على تسميته. وأبو فدك محسوب على قائمة قيادات "الحشد" الأكثر ارتباطاً بـ"فيلق القدس"، ومكتب المرشد الإيراني علي خامنئي، فضلاً عن كونه زعيماً لمليشيا "كتائب حزب الله"، بسجل كبير من الجرائم والانتهاكات الإنسانية في العراق وسورية على أسس غالبيتها طائفية، وأخيراً دخوله على خط قمع التظاهرات جنوبي البلاد وبغداد، كما في مجزرتي السنك والخلاني وحوادث خطف الناشطين في التظاهرات.

في السياق، قال مسؤول رفيع المستوى في بغداد ضمن مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنّ التوجه العام لدى مرجعية النجف الممثلة بالسيد علي السيستاني، وكذلك زعيم "التيار الصدري"، مقتدى الصدر، "أن تتولى المنصب وكل شؤون وقرارات الحشد شخصية عراقية مستقلة وغير محسوبة على إيران، ولا جانب سياسيا لها ولا ترتبط بالقتال الدائر في سورية". وأوضح المسؤول نفسه، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنّ هذا التوجه يتشارك به أيضاً مستشار الأمن الوطني ورئيس "هيئة الحشد الشعبي"، فالح الفياض، الذي يقود حراكاً واسعاً بشأن عدم تسييس فصائل "الحشد"، ويسعى لضبط إيقاعها كقوة محلية داخلية مساندة للقوات العراقية وتلتزم بقرارات الحكومة.

ولفت المسؤول إلى أنّ "الفصائل المسلحة التابعة لمرجعية النجف، والمرتبطة بالعتبات الدينية المقدسة، التي تشكل نحو نصف الفصائل المسلحة، اتخذت قراراً برفض ترشيح أبو فدك، ليكون خليفة المهندس، وهو ما دفع عبد المهدي إلى رفض التوقيع على أمر ديواني بتكليفه، وترك حسم هذا الملف إلى الحكومة الجديدة"، مؤكداً أنّ "فالح الفياض لم يسلّم لغاية الآن المنصب إلى أبو فدك، ويرفض ذلك قبل صدور أمر ديواني من القائد العام للقوات المسلحة".

في المقابل، قال نائب في البرلمان العراقي، طلب هو الآخر عدم ذكر اسمه بسبب ما يصفه بحساسية الموضوع، إنّ "الخلافات الحالية لا تتعلق بشخصية أبو فدك أو غيره، بقدر ما تتعلق بمسألة السيطرة على قرارات الحشد الشعبي وطريقة تسميته من قبل الفصائل المحسوبة على إيران وتهميش تلك التي ترتبط بالنجف أو الدولة العراقية ككل". وأوضح النائب نفسه في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "هناك رأيا لدى النجف وقيادات سياسية بوجوب أن يكون المنصب لعراقي غير محسوب أو مدعوم من إيران، لاعتبارات داخلية وخارجية أيضاً، وأن يبقى التشكيل ضمن الإطار المحلي". وشدد على "وجوب عدم المتاجرة بدماء شهداء الحشد الذين قاتلوا داعش، من خلال زجهم في مجاملات لقيادات معينة ترتبط بقوى خارج العراق"، وفق تعبيره.

لكن عادل الكرعاوي، المتحدث باسم "أنصار الله الأوفياء"، إحدى المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران ولها جناح مسلح يقاتل في سورية لدعم قوات نظام بشار الأسد، قال في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "ترشيح أبو فدك تمّ بالاتفاق، وجرى رفع اسمه إلى رئيس هيئة الحشد فالح الفياض، ولرئيس الوزراء عادل عبد المهدي لغرض التصديق رسمياً على تسميته، لكن بسبب الوضع السياسي، وعدم وجود حكومة بصلاحيات كاملة، تمّ تأجيل إصدار أمر رسمي بهذا التكليف". وأكّد الكرعاوي أنّ "الملف سيؤجّل إلى حين اختيار حكومة جديدة، كما أنّ رئيس الوزراء الجديد، سيوقع على هذا التكليف بكل تأكيد، فهو يعتمد على رأي قادة هيئة الحشد الشعبي".

وعلى الرغم من إصراره على نفي وجود خلافات بين فصائل الحشد على ترشيح أبو فدك وحديثه عن توافق عليه لخلافة المهندس، إلا أنّ الكرعاوي عاد ولفت إلى تحفظات حول تسميته، بقوله إنّ "تحفّظ الفصائل التابعة للعتبات الدينية (العراقية)، كان بسبب عدم دراية هذه الفصائل بهذا الترشيح أو الاختيار، وليس الخلاف على شخصية أبو فدك، فهو تربطه علاقة طيبة بهم، وشارك معهم في الكثير من العمليات العسكرية".

من جهته، قال الخبير في الشأن السياسي والأمني العراقي، إحسان الشمري، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنّ "الصراع ما بين الفصائل المسلحة داخل الحشد الشعبي، وخصوصاً بشأن التوجهات، ليس بالجديد، وهو قائم منذ ما قبل اغتيال سليماني والمهندس، خصوصاً أنّه كانت هناك مقاطعات بين رئيس الهيئة فالح الفياض ومعاونه السابق أبو مهدي المهندس، بينت أنّ هناك جذورا لهذا الصراع ما بين مسألة التوجهات ورأي القيادة".

وأوضح الشمري أنّ "اغتيال سليماني والمهندس، أثّر بشكل واضح على الفصائل المسلحة وعلى مختلف الأصعدة، خصوصاً أنّ المهندس كان له دور كبير في عدم ظهور الخلافات ما بين الفصائل المسلحة أو الاحتكاك مع الفصائل المرتبطة بالمرجعية الدينية في النجف، على الرغم من وجود خلافات بينه وبين قياداتها". وأشار إلى أنّه "بعد اغتيال سليماني والمهندس، برزت تلك الخلافات داخل هيئة الحشد الشعبي، فكل فصيل وقائد فيها يعتبر أنّ له الأحقية في قيادة هذه الهيئة، وهو ما برز عند اعتراض حشد المرجعية على تكليف شخصية من كتائب حزب الله، المقربة من طهران، وهنا يتضح أكثر أنّ الفصائل المرتبطة بالمرجعية الدينية لها رأي يختلف عن الفصائل الأخرى".

وأوضح الشمري أنّه "إذا استمرّ الصراع بين حشد مرجعية النجف والفصائل المسلحة الأخرى (المرتبطة بطهران) سينعكس على مستوى العلاقة ما بين النجف من جهة، وإيران من جهة أخرى". وكشف أنّ "هناك سعيا للتسوية ولحسم الملف، باختيار شخصية من المؤسسة العسكرية، لإنهاء هذا الصراع من أجل الحفاظ على هيئة الحشد الشعبي من التشظي، فالنجف غير راغبة وراضية في استمرار هيمنة الفصائل المسلحة الموالية لإيران على هيئة الحشد، وقد يتم المضي بهذه التسوية".

وختم الخبير في الشأن السياسي والأمني العراقي بالقول إنه "من غير المستبعد أن تكون زيارة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني إلى العاصمة العراقية بغداد أخيراً، جزءاً من عملية تخفيف حدة الخلافات ما بين الفصائل المسلحة التابعة لمرجعية النجف، والفصائل المقربة من إيران".

دلالات

المساهمون