خطة نجل السيسي لمواجهة الاحتجاجات: تصفيات وعودة البلطجية و"المواطنين الشرفاء"

25 سبتمبر 2019
الصورة
من تظاهرات 20 سبتمبر في القاهرة (فرانس برس)
+ الخط -
بدأ النظام المصري لملمة شتاته في أعقاب الهزة التي أصابته بعد التظاهرات الغاضبة التي خرجت يوم الجمعة الماضي في القاهرة وعدد من المحافظات الأخرى، مطالبةً برحيل الرئيس عبد الفتاح السيسي. وكشفت مصادر خاصة لـ"العربي الجديد"، ملامح من خطة النظام للتصدي لحالة الغضب التي يواجهها خلال الأيام المقبلة، قائلةً إنّ العميد محمود السيسي، وكيل جهاز المخابرات العامة ونجل الرئيس، عقد اجتماعات منفصلة عدة، خلال اليومين الماضيين، حدد خلالها ملامح الخطة، كان من بينها اجتماع مع رؤساء تحرير الصحف المصرية ومقدمي البرامج، وآخر مع عدد من رجال الأعمال، ونواب في البرلمان، فيما كان هناك اجتماع ثالث وصفته المصادر "بالحاد" بين نجل السيسي ووزير الداخلية محمود توفيق، وسط تعليمات بـ"عدم التراخي" في التعامل مع الاحتجاجات ضد السيسي. وجاء الإعلان، أمس الثلاثاء، عن  قتل 6 من أعضاء جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، برصاص قوات الشرطة في مدينة السادس من أكتوبر، غربي القاهرة، من دون إعلان هويتهم، أو الاتهامات الموجهة إليهم، لتشكل مؤشراً على أن الخطة التي وضعها نجل السيسي قد دخلت حيز التنفيذ.
 
وبررت وزارة الداخلية التصفيات بالقول في بيان مقتضب إن "تبادلاً لإطلاق النار مع قوات الشرطة أسفر عن مقتل الضحايا أثناء مداهمة وكرهم"، مستطردة أن عناصر جماعة "الإخوان" الذين جرى تصفيتهم "كانوا بصدد الإعداد لتنفيذ سلسلة من العمليات الإرهابية الكبرى خلال الفترة المقبلة"، من دون تبيان أي معلومات عن هذه العمليات المزعومة.

وبات هذا السيناريو مكرراً لدى النظام، إذ أنه قبل اندلاع تظاهرات المعارضة يوم الجمعة الماضي، أعلنت وزارة الداخلية تصفية 9 عناصر "إرهابية" أثناء مداهمة وكرين بمدينتي العبور و15 مايو في القاهرة، مبررة ذلك بالقول إن تصفيتهم جاءت عقب تبادل لإطلاق النار مع الشرطة، في إطار جهود تتبع وملاحقة العناصر المسلحة المتورطة في تنفيذ بعض العمليات العدائية ضد قوات الجيش والشرطة. في موازاة ذلك، يصعّد النظام من حملة الاعتقالات الشرسة التي تشنها الأجهزة الأمنية المصرية على الناشطين السياسيين، والقيادات الحزبية والنقابية، والقوى المعارضة.

الحشد المضاد

أشارت المصادر التي كشفت لـ"العربي الجديد" ملامح من خطة نجل السيسي أن توجيهات صدرت من قبله لعدد من كبار رجال الأعمال، وأعضاء في مجلس النواب، لحشد أعداد كبيرة من الأفراد لتنظيم تظاهرات مؤيدة للرئيس، يوم الجمعة المقبل، منذ الصباح الباكر، وشغل الميادين لمنع وصول المتظاهرين الرافضين إليها، تلبية لدعوة الفنان والمقاول محمد علي.

وأوضحت المصادر أنّ نجل السيسي الذي بدا شديد الغضب خلال اللقاءات، حذّر رجال الأعمال والنواب من عدم الالتزام بتلك التعليمات، مؤكداً لهم أنّ "تلك الاحتجاجات مجرد موجة وستمرّ، وبعدها ستتم محاسبة كل من قصّر، وفي المقابل سيتم تقدير كل من وقف موقفاً داعماً".

وقالت المصادر إنه بالفعل بدأ عدد من النواب بالتواصل مع كبار العائلات في دوائرهم ونقل الرسالة لهم لحشد المواطنين، فضلاً عن الاتفاق مع مقاولي البلطجية لحشد من تتم تسميتهم "بالمواطنين الشرفاء"، في إشارة إلى بعض سكان المناطق العشوائية الذين يتم حشدهم مقابل الأموال، مثلما حدث إبان ثورة 25 يناير. وتمثل هذه الخطوة عودة إلى سياسة الحشد المضاد، والتي قد اتبعها السيسي الأب لأول مرة في التخطيط للوصول للسلطة، بدءاً من التظاهرات الممهدة لانقلاب 3 يوليو/تموز 2013، وانتهاءً بتوليه الرئاسة في يونيو/حزيران 2014.



وفي السياق، قالت مصادر أمنية مطلعة، في حديث مع "العربي الجديد"، إن العشرات من رجال الأعمال، وقيادات الأحزاب، وعلى رأسها حزب الأكثرية البرلمانية "مستقبل وطن"، الذين تواصلوا مع العمد في القرى، وكبار العائلات في الصعيد، أخذوا الضوء الأخضر من رئيس المخابرات العامة اللواء عباس كامل ونجل السيسي لحشد المواطنين، باستخدام الطرق المعتادة على غرار منح مقابل مالي، أو توفير وجبات غذائية، والاستعانة بحافلات صغيرة لنقل المشاركين. وبدأت الشخصيات القائمة على الحشد في المحافظات بالفعل في إعداد اللافتات والأعلام والصور، التي سيتم توزيعها واستخدامها في التظاهرات المنظمة.

كما أشارت المصادر الأمنية نفسها إلى أن قوات الشرطة المنتشرة بكثافة في الشوارع المحيطة بالميادين التي شهدت احتجاجات الجمعة الماضية، لديها تعليمات بشأن تنظيم تظاهرات مؤيدة للسيسي يومي الخميس والجمعة المقبلين في مختلف المحافظات، حتى تكتظ الميادين، أو تظهر مزدحمة بمؤيدي الرئيس الحالي، وذلك تحت عنوان "دعم الرئيس ضد المؤامرات والفتن".
ويعكس حديث المصادر وجود هدفين لهذه الخطة، أولهما إظهار حجم تأييد كبير للسيسي أمام وسائل الإعلام العالمية، ومراسليها في مصر، لإجبارها على نشر أخبار تلك التظاهرات، ليبدو الأمر وكأن هناك تياران في الشارع المصري مع وضد السيسي، والهدف الثاني هو تخويف المعارضين من التعرض للخطر والاشتباكات إذا ما نزلوا إلى الشوارع بأعداد كبيرة. 

في هذه الأثناء، كشفت المصادر التي تحدثت مع "العربي الجديد" عن كيفية إدارة نجل السيسي للأزمة، أنه وجّه كلمات حادة خلال اجتماع له مع وزير الداخلية، محذراً إياه مما وصفه بـ"التراخي" الذي كانت عليه أجهزة الأمن خلال يوم الجمعة الماضي، ومحملاً إياه المسؤولية عن نزول أعداد كبيرة من المتظاهرين للشوارع في محافظات مثل دمياط والغربية والسويس، بسبب ما اعتبره "تراخي رجاله". وأوضحت أنّ السيسي الابن واجه الوزير بتقارير معلوماتية أعدتها أجهزة أخرى، كشفت عن مواقف سلبية داخل الوزارة تجاه النظام الحالي، مضيفةً أنّ محمود السيسي قال للوزير "طمّن رجالتك إن الرئيس باقي في موقعه ولن يرحل كما يروج شوية العيال".

ولفتت المصادر إلى أنّ هناك تياراً داخل وزارة الداخلية يخشى الصدام مجدداً مع الشعب، خشية تحميل رجال الشرطة المسؤولية وتشويه صورتهم في الشارع باعتبارهم العصا التي يبطش بها النظام ضدّ معارضيه، مشيرةً إلى أنّ هناك مخاوف من تكرار ما حدث إبان ثورة 25 يناير وحرقهم لدى الشارع المصري، بخلاف "حالة الغبن" التي يستشعرها رجال الداخلية والضباط الموجودون في الشوارع، مقارنة بالمكانة والامتيازات التي يحصل عليها نظراؤهم من ضباط الجيش.

وفي السياق، علم "العربي الجديد" أن الشرطة على أهبة الاستعداد للتواجد على نحو مكثف يوم الجمعة المقبل، وهو ما وصفته المصادر الأمنية بأنه سيكون "قياسياً"، على ضوء إشعار جميع الأقسام والقوى الأمنية بالتنبيه إزاء عدم غياب أي ضابط أو أمين شرطة حتى نهاية شهر سبتمبر/أيلول الحالي، مع تخفيض عدد ساعات الاستنفار الأمني في محيط ميدان التحرير، وباقي الميادين العامة، استعداداً للاستنفار طوال أيام الخميس والجمعة والسبت. ووفقاً للمصادر الأمنية، فإن تعليمات السيسي الصريحة، والتي نقلها مستشاره الأمني أحمد جمال الدين، تتمثل في التواجد الكثيف في ميادين التظاهر، مع إبقاء قوات التدخل السريع على أهبة الاستعداد للانتقال بين المناطق المختلفة على حسب الحاجة.

على صعيد آخر، كشفت مصادر إعلامية، لـ"العربي الجديد"، عن تغيير في خطة النظام الحالي الإعلامية لمواجهة الاحتجاجات. ولفتت إلى إعداد خطاب يرتكز على الترويج وبثّ إشاعة الربط بين غياب الرئيس وحالة فوضى محتملة، مع التركيز على ما قد يسببه ذلك من انهيار للأمن مجدداً، وعودة حظر التجوال والسرقات والبلطجة. وأوضحت أنه ستتم صياغة تلك الرسالة في مجموعة من الأفلام الوثائقية والمواد الإعلانية التي اقتطعت "مشاهد التخريب" من أحداث الثورة، على حد تعبير المصادر، لإعادتها بشكل مكثف على القنوات كافة قبل يوم الجمعة المقبل، مع ربط تلك المشاهد والدعوات بجماعة "الإخوان المسلمين".

كما أوضحت المصادر أنّ الخطاب الإعلامي الذي سيتم التركيز على بثه قبل يوم الجمعة المقبل، سيرتكز على الترويج لحالة "انفتاح سياسي وإعلامي خلال الفترة المقبلة، وضرورة الانتهاء سريعاً من التظاهرات لبدء انفراجة سياسية أشبه بمصالحة مع القوى والمعارضة المدنية وخروج عدد من شبابها ورموزها من السجون".

من جهتها، كشفت مصادر رفيعة المستوى أنه كانت هناك آراء تطالب بالبدء بإجراءات وإصلاحات سياسية في أسرع وقت، إلا أنّ اللواء عباس كامل مدير جهاز المخابرات العامة، وبعض المقربين من الرئيس، أجهضوا المقترح، بعدما أقنعوا السيسي بتأجيل أي خطوات سياسية لما بعد مرور هذه الأزمة، خشية اعتبارها تنازلات نتيجة الضغط، ما قد يتسبب في "نقل رسائل سلبية".

وأوضحت المصادر نفسها أنه في المقابل، تمّ الاتفاق على حزمة إجراءات ذات طبيعة اقتصادية، من خلال فتح باب التقدم للحصول على طلبات بطاقات دعم تمويني، والنظر في الشكاوى كافة الخاصة بأصحاب البطاقات الحالية والتعامل معها، كذلك توجيه وزارة التضامن الاجتماعي بالتوسّع خلال الفترة المقبلة في تقديم معاشات تكافل وكرامة لاسترضاء أكبر قطاع من البسطاء الغاضبين نتيجة ارتفاع الأسعار.

ولم تغب التطورات في الشارع المصري، بما فيها حملة الاعتقالات الواسعة التي طاولت المئات من الناشطين، عن كواليس لقاءات السيسي مع المسؤولين الغربيين في نيويورك، وعلى رأسها لقاؤه بالرئيس الأميركي، إذ قالت مصادر دبلوماسية مطلعة إن "فريق الخارجية المصري تلقى تساؤلات عديدة من شخصيات أميركية وأوروبية عن اللغط الحاصل حالياً"، مشيرة إلى أن الرد المعتمد من الخارجية يتمثل في التشكيك في أعداد المتظاهرين، والتهوين من الحراك الجماهيري، وتحميل مسؤولية ما وصفوه بـ"نشر مقاطع مفبركة" لجماعة الإخوان، ومخابرات دول خارجية.

وعلى الرغم من سطحية الردود وابتعادها عن الواقع، فإن المصادر تنقل عن أعضاء الفريق "ارتياح السيسي الشديد لعدم التفاعل الإيجابي من الدوائر الغربية مع الحراك الجماهيري"، مرجعة ذلك إلى عدم انخراط أي قوى سياسية أو شخصيات مرموقة في الحراك، على الرغم مما يحمله هذا الواقع من دلالات سلبية للنظام "تؤكد افتقاره لتأييد أو صمت شرائح وفئات اجتماعية جديدة غير مسيسة". وكان ترامب خلال لقائه بالسيسي قد أعلن دعمه له، ووصفه بـ"قائد عظيم"، بذريعة أن مصر كانت قبله في حالة فوضى. ورداً على سؤال عن موقف الولايات المتحدة من التظاهرات الشعبية ضد الرئيس المصري، قال "هذا يحدث في كل مكان"، بهدف التقليل من أهميتها، وتأثيرها المحتمل.